الكماشة الروسية الأمريكية تُكبّل الفرص التركية في سوريا

91
تقرير صلاح إيبو –

معركة خان شيخون فرضت معادلات جديدة على الميدان والسياسة معاً، وبات اليوم الموقف التركي هو الأضعف، وربما هذا الضعف يدفعه لفتح قنوات اتصال مع دمشق وتوقيع صك تسليم إدلب مقابل ضمان ملاذٍ آمن لمرتزقتها، لكن في الوقت ذاته يفرض ملف إدلب على الحكومة السورية أن تبيّن موقفها الصريح من الوجود التركي في الشمال السوري، وهو ما سينعكس إيجاباً على تحرير الباب وإعزاز وعفرين، ولن يكون مخرج المنطقة الآمنة نصراً لتركيا في هذه الحالة بل تحجيماً لدورها في الملف السوري وبالتالي تغيير الخارطة السياسية المهيمنة على مستقبل الحل السوري السوري.
مغازلة سياسية ومنازلة عسكرية:
بعد ساعات من إعلان الجانب الروسي لفشل المفاوضات الروسية التركية التي بدأت بعد استهداف طائرات حربية سورية وروسية لرتل عسكري تركي مؤلف من حوالي 50 عربة لدعم مسلحي جبهة النصرة بحسب تعبير الجانب السوري، بدأت قوات النظام السوري بالضغط العسكري من الجهة الشرقية لمدينة خان شيخون واقتحام المدينة من الجهة الشمالية الغربية التي سيطر عليها قبل يومين، هنا ونتيجة العمل العسكري هذا التقى محوري العمليات العسكرية في خان شيخون ليُفضي بالسيطرة الكاملة لقوات النظام على خان شيخون وفرض الحصار المحكم على النقطة العسكرية في مورك وبلدات اللطامنة وكفرزيتا.
رسائل روسيّة متعددة
الصور التي وردت من خان شيخون، تُظهر عسكريين روس إلى جانب القوات الحكومية، وهي رسالة حيّة للجانب التركي قبيل القمة الثلاثية في 11 الشهر القادم بأنقرة تضم ممثلي “روسيا- تركيا وإيران”، إضافة لتأكيد المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا يوم الخميس أن وجود التنظيمات الإرهابية واعتداءاتها المتواصلة في منطقة خفض التصعيد في إدلب وما يحيط بها هما السبب في استمرار التوتر الخطير في المحافظة وحولها.
وقالت زاخاروفا في حديث للصحفيين يوم الخميس إن التفاهمات التي تم التوصل إليها بشأن إدلب تهدف وتنص بشكل واضح على: “مواصلة محاربة الإرهاب إلى جانب الالتزام بضمان أمن المدنيين” معتبرة أنه من الضروري الالتزام بهذه الاتفاقيات والتفاهمات وخصوصاً من جانب النظام التركي الذي يواصل دعم الإرهابيين في سورية ولا سيما في إدلب.
هذه الاتهامات الروسية للجانب التركية تكررت خلال الأسابيع القليلة الماضية، ووصلت الاتهامات لدرجة وصف النقطة التركية التاسعة في مورك بـ “حماية” عناصر جبهة النصرة، وإخفاء أسلحتها الثقيلة فيها.
الميدان يفرض خيارين لا ثالث لهما على تركيا
معركة خان شيخون التي تحظى بموقع استراتيجي تخول القوات الحكومية بالسيطرة على الطريق الدولي M5 والذي نصت اتفاقية سوتشي بين الجانبين الروسي والتركي على فتح ذاك الطريق وحمايته، لكن لاستكمال السيطرة النارية للنظام السوري على هذا الطريق، يتوجب على القوات السورية التوجه إلى عمق ريف إدلب الجنوبي وريف حلب الغربي لتأمين ما تبقى من الطريق الدولي، وهنا ستكون المواجهة الفعلية مع الجانب التركي الذي ينشر قرابة 8 نقاط مراقبة ممتدة من ريف حلب الغربي وصولاً لنقطة مورك التي تم حصارها.
الجانب التركي الذي بات اليوم أضعف الأطراف في المعادلة على وقع الميدان، أمام خيارين اثنين:
ـ أولهما:  سحب نقاط مراقبتها وهو ما سيكلفها الكثير سياسياً وعسكرياً، وإذا أقدمت تركيا على سحب نقاطها وتسليم إدلب للقوات الروسية والنظام، ستفقد ثقة قسم من المجموعات المسلحة التي تدعمها، وبالتالي لن تكون هذه المجموعات مستعدة للقتال إلى جانب القوات التركية في شرق الفرات أو خارج حدود سوريا، إضافة لخسائر اقتصادية بعدم قدراتها على الاستفادة من عائدات التجارة الدولية التي ستتركز في الشمال السوري عبر حلب التي تربط شرق الفرات بغربه وحلب بدمشق والساحل عبر عقدة من الطرق الدولية والتي كانت ولا زالت عصب مشروع طريق الحرير الجديد الصيني، ناهيك عن فقدانها بعض خيوط اللعبة السياسية في سوريا وبالتالي فقدان دورها المؤثر في المستقبل وكل هذا سيترتب عنه وضع ميداني وسياسي في الشمال السوري برمته وليس في إدلب فقط، وهنا ستضطر تركيا لتقليل خسائرها بفتح باب الحوار مع دمشق وإعادة العلاقات مجدداً مقابل ضمان إصدار عفواً عام عن مرتزقته الموالين لها بشكلٍ مباشر.
 ثانيهما: إن رفضت تركيا سحب نقاطها العسكرية ستكون مجبرة على عقد سلسلة اجتماعات مع الجانب الروسي وتقديم المزيد من التنازلات وربما يكون ملف المنطقة الآمنة والاتفاقيات التركية الأمريكية على الطاولة، إضافة لملفات أخرى في المنطقة، وذلك منعاً لصدام عسكري مباشر بينها وبين النظام السوري رغم عدم استعداد الطرفين لمثل هذه المواجهة، وفي السياقين ستكون تركيا هي الخاسر في المعادلة على الأرض.
معركة السيطرة على إدلب ستستمر
وفقاً لمعطيات أرض المعركة وما تلاها من مواقف سياسة، يتضح أن مسرح العمليات العسكرية للنظام السوري سيستمر ربما بزخم أقل، ولكن التركيز سيكون على محور معرة النعمان واستكمال قضم الريف الجنوبي لإدلب، وربما يكون ريف حلب الغربي هو الخطوة الثانية، إذ بدون السيطرة على ريف حلب الغربي لن يتم تأمين سلامة الطرق التجارية، وبالتالي لن تستفيد روسيا أو النظام من تلك الحملة إلا إعلامياً أو فرض معادلة جديدة على تركيا ومرتزقتها تفضي بتغيير خارطة منطقة خفض التصعيد، وكنا قد نشرناً في وقت سابق عن خطة روسيا على أربع مراحل لفرض سيطرة النظام السوري على كامل إدلب باستثناء بعض الجيوب على الحدود مع تركيا لتكون ملاذاً لمرتزقتها الرافضين للمصالحة.
 
معابر إنسانية تمهيداً للإعلان عن المعركة المقبلة
وتمهيداً لمرحلة جديدة من المواجهة العسكرية بين النظام والمسلحين الموالين من تركيا، فتحت قوات النظام السوري معبراً وصفته بالإنساني في بلدة صوران بريف حماة أمام المدنيين، وهدف النظام منه، إعلامي أولاً والثاني محاولة تفريغ المنطقة من المدنيين وسحب ورقة النازحين من يد تركيا، لكن المحاولات السابقة في هذا الصدد من قبل النظام بائت بالفشل، لعدم ثقة المدنيين بالنظام أولاً وثانياً منع مرتزقة تركيا من عقد مصالحات جماعية مع النظام السوري، وثالثاً نزوح قسماً كبير من المدنيين باتجاه الداخل وتحول خطوط التماس لجبهات قتال.
 
تركيا وكيفية التعامل مع الكماشة الروسية الأمريكية
اليوم الخاسر الأول من العملية هو تركيا ومرتزقتها، وربما تستعيض تركيا مأزقها في إدلب، داخلياً بنصر آخر في موضوع  ما تسميه المنطقة الآمنة بشرق الفرات والتي بدأت أولى مراحلها وفق التصريحات الإعلامية التركية، رغم عدم وضوح باقي الخطط المستقبلية بشكل كامل، ومحاولة تركيا التغطية على خسائرها العسكرية في سوريا بانقلاب مباشر على الديمقراطية في الداخل وعزل رؤساء ثلاث بلديات كردية وتسليمها لحزب العدالة والتنمية، وهنا ظهرت النتائج العكسية لما قامت به من تعديات وانتهاكات جسيمة، مما دفع بالعديد من المنظمات والمؤسسات المحلية والعالمية العاملة في مجال حقوق الإنسان إلى شجب واستنكار ما قامت به من مصادرة للحريات وإلغاء لنتائج انتخابات محلية أُعيدت أكثر من مرة ثم سُلبت نتائجها.
تركيا اليوم باتت بين فكي الكماشة، في إدلب والشمال السوري، ربما يفرض عليها التعامل وفق منطق القوة الناعمة ومنع الاصطدام المباشر مع روسيا تنفيذاً لمعاهدات السابقة معها، وفي شرق الفرات تم إفراغ تهديداتها لشعوب المنطقة عبر الاتفاق مع أمريكا، وبالتالي تحديد تحركاتها العسكرية والسياسية، وربما يفرض ذلك شروط أخرى على تركيا وهو فتح ملف عفرين الذي أشارت قوات سوريا الديمقراطية مسبقاً إلى أنها تشكل أولوية لها، في كلا الحالتين ستفقد تركيا أورقها في سوريا وسيكون موضوع تحرير عفرين مطروحاً بقوة أما سياسياً أو عسكرياً وسط تصاعد العمليات العسكرية لقوات تحرير عفرين في العمق الذي تحتله تركيا من الأرضي السورية.
سياسة تركيا التي تقاربت مع الكل ثم قُلبت على معظم من تحالفت معهم فيما عدا ربيبتها داعش، وفتحها أبواب الدعم المادي والمعنوي واللوجستي للجماعات والفصائل المرتزقة، بل وتحريك تلك الفصائل والمحاربة بها كرأس حربة في احتلالها لعفرين والعديد من المناطق في شمال سوريا، قد تقلب السحر على الساحر وبخاصة إن الكثير من أوراق التهديد التي كانت تُلوح بها في وجه خصومها قد ذهبت أدراج الرياح.