سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الصراع في المنطقة… الخاسرون والرابحون

د. محمد أمين –

منذ انهيار النظام السياسي العربي والنظام الدفاعي العربي نتيجة حرب الخليج الأخيرة في آذار 2003، عندما قامت أميركا بالتدخل في العراق وإسقاط نظامه ومن ثم سقوط وإضعاف الأنظمة العربية، خلال الربيع العربي مثل ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا والسودان، وفشل الربيع العربي بإنجاز الهدف الذي قاتل الناس من أجله فلم يتبقَ ممانعة عربية على مستوى الدول أمام إسرائيل مما أتاح لها ممارسة سلطتها وهيمنتها في المنطقة. أن انهيار الدور العربي في الصراع مع إسرائيل أدى إلى فسح المجال أمام إيران وتركيا كقوى إقليمية رئيسية للعب الدور الرئيسي في الوضع السياسي بالمنطقة، إن الفراغ السياسي والفكري السائد في العالم العربي منذ أكثر من عقدين أعطى لكلٍ من إيران وتركيا القوة لملء الفراغ السائد. في الوقت الحالي هناك مثلث القوة (الإسرائيلي ـ يهودي، تركي ـ سني، إيراني ـ شيعي)، وكل ٍ منهم يحمل رسالة دينية ومذهبية وتاريخية.
وجود النفوذ الإيراني والتركي في البلدان العربية أدى إلى تفكك المجتمعات العربية وحتى غير العربية في المنطقة على أساس الانتماء المذهبي والديني وهذا بدوره أدى إلى تشكيل تحالفات جديدة وعداءات جديدة، أو حتى إحياء النزاعات التاريخية، حيث يعتبر التاريخ في الوقت الحاضر صاحب الحضور الفعال بكل أبعاده الحضارية والدينية والجغرافية، وكل طرف من الأطراف الرئيسية يبرر حضوره تاريخياً ودينياً. فإيران استطاعت بقوتها الزحف إلى كل الأماكن التي فيها وجود شيعي من اليمن مروراً بالعراق وسوريا إلى جنوب لبنان حيث أصبح في تماس مباشر مع إسرائيل عن طريق حزب الله الشيعي اللبناني والذي يُعتبر العامل الأساسي لمساندة إيران لبسط نفوذها في البلدان المذكورة، وربما انتقال لمركز وقوة المرجعية الشيعية من العراق إلى إيران، حيث أصبحت إيران المدرسة الأولى للعلوم الإسلامية ودخلت في تنافس مع الأزهر لتستقبل أكبر عدد من الطلاب في دراسة الفكر والفقه الإسلامي.
إن ظهور إيران كقوة شيعية نشطة في المنطقة أدى إلى تقارب إسرائيلي مع أغلب باقي البلدان العربية السنية للحد من النفوذ الإيراني المتصاعد، وأن هذه الحالة تعتبر مرحبة بها، والهدف بالطبع ليجّتمعوا في تحالف واحد معها خوفاً من إيران وتهديدها لوجودهم.
فيما نلاحظ أن تركيا من جانبها لها طموحات وأطماع في المنطقة لإعادة ما يسمونه الأتراك بالأمجاد العثمانية، وفى كل المناطق التي كانت تحت سيطرة الحكم العثماني في كل من شمال إفريقيا، المغرب العربي مروراً بالشرق الأوسط وحتى نحو آسيا الوسطى وأوروبا عبر منطقة البلقان. ففي ظل حكومة العدالة والتنمية بقيادة أردوغان تحولت تركيا إلى مرجع للإسلام السياسي، حيث تعتبر تركيا بنظر الأكثرية من المسلمين السنة والإخوان البلد الوحيد بين البلدان الإسلامية التي بإمكانها الدفاع عن العالم الإسلامي، وأصبح أردوغان الشخص الوحيد والأول لقيادة مليار مسلم، لتحقيق أحلامهم كما هو في ظاهر الأمور، ولكن بواطن الأمور فهي تختلف تماماً، وبنظر الأتراك فأن وجود كيان إسرائيلي ليس منافساً لها في النفوذ على المنطقة فحسب، بل هو كيان محتل لأرض يرجع ملكيتها إليهم، والأتراك لهم علاقات حميمة مع إسرائيل. 
 ومع ذلك إن تركيا ببعدها الديني والفكري والتاريخي دعمت جماعات سنية إسلامية مناوئة لإسرائيل كما تفعل إيران، ولكن من خلال دعم لجماعات شيعية باستثناء حركة حماس الفلسطينية التي تتلقى الدعم من كلا الدولتين (إيران وتركيا)، وهذا يعني بأن تركيا وإيران لهما رؤية مشتركة تجاه إسرائيل بالرغم من خلافاتهم المذهبية والمنافسة الشرسة بينهما على مناطق النفوذ. إن طموحات تركيا لتوسيع نفوذها بالدوافع التاريخية، الدينية والقومية تصطدم مع طموحات ومصالح البلدان الأخرى وفى مقدمتهم إسرائيل، لذلك تحاول إسرائيل أن تقترب من اليونان وقبرص والتعاون والتفاهم مع مصر، لتشكيل حلف غير معلن لمواجهة الطموحات التركية وبخاصة في مجال الطاقة ومجال الأسواق والاقتصاد، حيث الصراع القائم في الوقت الحالي حول النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط بين (إسرائيل واليونان وقبرص ومصر) من جهة، وتركيا من الجهة الأخرى لهو خير دليل على هذه الحقيقة .
إسرائيل وبدوافع تاريخية دينية واستراتيجية تعبر بوضوح، بأن الشرق الأوسط بما فيه تركيا وإيران ضمن حدود الأمن القومي والتاريخي لها، لذلك تبرر قيامها بأي عمل تقوم بها ضد أي دولة تعتبرها تهديدا لها، وخاصة بعد عجزها عن مواجهة حزب الله في لبنان والقضاء عليه حتى الآن. وتوازياً مع الطموحات الإيرانية والتركية حول بسط النفوذ واحتلال الأراضي العربية والكردية، فإن إسرائيل لها طموحات أخرى ببسط النفوذ من النيل إلى الفرات، وإسرائيل تفكر بخضوع هذه المنطقة لها حتى لو لم يكن واقعياً وملموساً، ولكن بالتأكيد فأن إسرائيل تعتبر المنطقة ما بين النيل والفرات مناطق لنفوذها، لذلك فان أي تواجد إيراني وتركى عن قرب في مناطق النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط ومن ضمنها دول الخليج العربي وشمال أفريقيا فأن إسرائيل ستعتبره انتهاكاً لسيادتها وتهديداً لأمنها .
إن الصراع بأبعاده الاقتصادية والتاريخية والدينية يدور بين ثلاث قوى رئيسية في الشرق الأوسط، بحيث حتى الآن العرب والكرد أصبحوا الضحايا الرئيسيين ووقوداً لهذ الصراع، لأن الصراع تدور على أرضهم، ولن يتوقف بدون خاسر أو فائز، وأكثر من طرف متورط في هذا الصراع، لذلك أتوقع في المستقبل القريب أن يكون هناك إمكانية التحول إلى صراع قد يكون دامياً في بعض الأحيان، ومن ثم تتحول المنطقة إلى منطقة جديدة وبأجندات أخرى.