“الموسو” على سفوح الهملايا .. قبيلة تديرها النساء

110
إعداد/ هيلين علي –

تعتبر قبيلة الموسو، التي تتخذ من سفوح جبال الهملايا موطنًا لها، واحدة من أبرز المجتمعات الأمومية وأكثرها ندرةً بالعالم، ويعود وجودها في منطقة التبت المرتفعة لأكثر من ألفي عام، ويتواجد سكان القبيلة على ضفاف بحيرة لوغو قرب حدود مقاطعتي يونان وزيتشوان الصينيتين.
لا نسب ولا ميراث للرجل!
تمتلك القبيلة هيكلًا اجتماعيًا تدير فيه النساء كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية، أي أن شؤونها لا تزال تدار وفق النظام الاجتماعي الأمومي أو ما يعرف في علم الاجتماع “ماترياشي”، وهو المجتمع الذي تديره الإناث, وفي هذا النظام وعلى عكس النظام الأبوي الذكوري، ينتظر من النساء أن يلدنَ فتيات، توافقًا مع الاعتقاد السائد لديهم بأن الأمهات مسؤولات عن استمرار نسب القبيلة، وانتقالها من جيل إلى جيل, أفراد كل عائلة من عائلات الموسو، يعيشون جميعًا معًا في بيوت واسعة وكبيرة، ورب كل عائلة هو أكبر سيدة فيها، ويحصل الأطفال حديثو الولادة على ألقاب الأمهات لا الآباء؛ كما أن نسب القبيلة يستمر من خلال النساء لا الرجال, والميراث لدى شعوب الموسو ينتقل من شخص لآخر عن طريق النساء اللاتي يملكن الكلمة داخل العائلة، فهو حق من حقوق الأخت الكبرى أو من هن دونها من البنات فقط.
عادات وتقاليد ..
المثير للاهتمام أن مفهوم الزواج غير معترف به هناك، فعندما يقع رجل في حب امرأة يزورها ليلاً في بيتها في نوع من أنواع الزواج يطلق عليه اسم “الزواج السيار”؛ وعند بزوغ الفجر يغادر المنزل ووفق عادات الزواج هذه، يحق للمرأة أن تقبل بالزوج الذي أتاها ليلًا أو أن تطرده من منزلها، فالعواطف والروابط لا مكان لها في مجتمع يُحرّم مشاعر الألفة والمودة في الرباط الشرعي بين الزوجين لكي لا تسيطر عليها مشاعرها فتعود لحكم الرجل.
ولا يقع على الرجل أية مسؤولية بخصوص رعاية الأطفال، إذ أن خال العائلة على سبيل المثال هو من يلعب دور الأب بالنسبة للأطفال. كما أنه لا مسؤولية عليهم بخصوص معيشة العائلة، إذ أن النساء هن من يقمن برعاية شؤون المنزل وعلى الرجال تسليم ما يكسبون من أموال لـ “ربة الأسرة”.
ورغم أن النساء في تلك القبيلة يملكن في أيديهن القوة بأسرها، فإن هذا لا يعني أنهن يعشن حياة مريحة للغاية. لأنهن مضطرات للقيام بأشغال كثيرة من طبخ للطعام، وتنظيف، وعمل بالحقل، فضلا عن اشتغالهن بالحياكة والنسيج ورغم أن الرجال مهمشين إلا أنه تتم استشارتهم بخصوص القرارات التي تتخذ في الموضوعات والشؤون السياسية، وهؤلاء الرجال يعملون في رعي الغنم، وصيد الأسماك، وذبح الحيوانات.
لا وجود لبعض الكلمات بمعاجم القبيلة
ومن الأمور المثيرة الأخرى التي تتسم بها هذه القبيلة أو القومية، هي أن اللغة المحلية التي يستخدمها سكانها، وكذلك المعاجم، لا وجود فيها لكلمات ومفاهيم مختلفة مثل الأب، والعم، والصهر، والعروس، والحماة كما لا توجد في حياة شعوب الموسو مشكلات كتلك التي تعاني منها الشعوب الأخرى، مثل الصراع بين العروس والحماة، والنزاع على الميراث، ناهيكم عن مسألة الطلاق.
المجتمع الذي يعيشون فيه أكثر هدوءً واستقرارًا، حيث في ظل المجتمع الأمومي، تنخفض لأقصى حد، كثير من الجرائم مثل العنف، السرقة والاغتصاب حيث أن النساء يمتلكن القوة بأيديهن، وهذا الوضع يمنح الذكور مزيدًا من الحرية والراحة، ولا يرون في هذا الوضع أي مشكلة.
الصين لا تعترف بقومية الموسو
رغم أن شعوب الموسو من قومية مختلفة ثقافيًا ووراثيًا، إلا أن حكومة الصين لا تصنفهم ضمن الـ56 جماعة عرقية المعترف بها رسميًا في الدولة وقبيلة موسو التي تبلغ 25 ألف نسمة، تعتبر فرعًا من قومية “ناشي” التي يبلغ عددها ما يقرب من 300 ألف نسمة، غير أن هناك اختلافات كثيرة للغاية بينهما فبينما قبيلة الموسو مجتمع أمومي، نجد على الجانب الآخر قومية “ناشي” على النقيض من ذلك تمامًا، وتؤمن الأولى بمعتقدات البوذية التبتية (طائفة دينية تنتشر بالتبت)، أما الثانية فلديها معتقد يقدس الضفادع. فضلاً عن أن اللغات المحلية المستخدمة من قبل الجانبين، مختلفة تمامًا عن بعضها البعض.
عزلة عن العالم الخارجي
شعب الموسو يعيش في منطقة جغرافية معزولة عن العالم الخارجي، وبهذا الشكل تمكن من الحفاظ على ثقافاته وعاداته المثيرة من تأثير الثقافة الشعبوية لكن نظرًا للجمال الطبيعي الذي تتميز به منطقتهم، فإن السياح بدأوا يتوافدون بكثرة عليها بتشجيع من المسؤولين الصينيين, وخلال السنوات الأخيرة بدأت تظهر مع مرور الوقت المطاعم والمقاهي وكذلك الفنادق على ضفاف بحيرة “لوغو” التي يعيش فيها شعب الموسو منذ قرون، الأمر الذي من شأنه تعزيز الوضع الاقتصادي للمنطقة, غير أنه كان من اللافت أن أغلبية هذه المشاريع تدار من قبل صينيين من قومية “الخان” السائدة في البلاد, ونظرًا لأن الحكومة الصينية لا تعترف بشعب الموسو كقومية مختلفة، فإنه لا يمكنهم الاستفادة من هيكل الحكم الذاتي المعمول به في المناطق التي توجد فيها بكثافة بعض الأقليات العرقية في البلاد.
تجدر الإشارة أن هناك مجتمعات أمومية أخرى منتشرة حول العالم مثل قبيلة “سامبورو” في كينيا، و”تاشي سانجمو” في نيبال، وسكان بريبيس في كوستاريكا، ومجموعة “المينانغكابو” العرقية في جزيرة سومطرة بإندونيسيا، وقبيلة “ودابي” في نيجيريا.