نظرة النظام السوري للمحتل التركي بين جدار التقسيم ومعركة إدلب

126
تقرير / صلاح إيبو –

يجلس العم شوكت وحيداً اليوم في منزلٍ صغير قريباً من خطوط التماس في قرية تنب وعينه على قريته التي لا تبعد سوى  كيلومترين، ويتحسر على حالها وما آلت اليه من تدمير وتخريب وتهجير لأهلها، والأكثر ألماً هو المستقبل القاتم لتلك القرية التي باتت اليوم مقراً لجيش الاحتلال التركي وعمد الاحتلال لبناء جدار إسمنتي بعرض 3 متر وطول فاق الثلاثة كيلومترات ونصف، هنا يمتنع العم شوكت عن البوح بما يجول في خاطره حول مستقبل قريته ومنطقة عفرين التي مورس عليها شتى أنواع الانتهاكات من تغيير ديمغرافي وسلب ونهب وتدمير للحضارة والآثار، لكن في الوقت نفسه تبرز في  ملامح وجهه التي غطى عليها الشيب والتجاعيد قوة وإرادة في استمرار الحياة وقال جملة تختصر حال العفرينين في الشهباء والداخل المحتل “نحن نقاوم لكي نحيا من جديد”.
انتهاكات جمّة في الخفاء والعلن:
ربما تلك الجملة التي قالها الكهل العفريني ليست بجديدة، ولكنها أثبتت بعد أكثر من سنة ونيف على تهجير هذا الشعب من مدينتهم وأرضهم الكردية، ليحل مكانهم عربٌ وتركمان من شتى بقاع سوريا وحتى من خارجها، هو دليل حي على مصداقية تلك المقولة التي استُمدت من مقاومة دامت ومازالت منذ أربعون عاماً في وجه الاحتلال التركي.
هنا في قرية تنب التي لا تبعد سوى كيلومترين عن جدار التقسيم الذي يُشيده الاحتلال التركي منذ 104 أيام في قرية جلبر، وفق مخطط احتلالي لتقسيم سوريا بدأ من إدلب ووصولاً إلى جرابلس ولكن عفرين هي البداية عبر تشييد الجدار في ثلاث قرى ضمن محور شيراوا وشرا وهي قرية كيمار وجلبر ومريمين، ويقول أحد المقاتلين الذين يرصدون تحركات الجيش التركي ومرتزقته: “أعمال البناء ما زالت مستمرة، لكن في الغالب يعملون ليلاً وفي ساعات الصباح الباكر خوفاً من الكاميرات التي ترصد حركتهم”، إذاً العمل في الخفاء اليوم ولكن جدار التقسيم مازال يُشيّد، وعمد جيش الاحتلال إلى تدمير أكثر من 25 مبنى سكني وخدمي في قرية جلبر، ومن ضمنهم منزل العم شوكت وعمومته، ويقول العم: “تم تدمير العشرات من منازل المدنيين الواقعة على خط بناء الجدار، ووفق ما تناقله الأهالي في الطرف المقابل (أي عفرين المحتلة)، يتم تشييد عدد من المباني العائدة للجيش التركي ولا يعلم أحد لماذا”، إضافة لمنازل المدنيين تم تدمير المدرسة الابتدائية والوحدة الإرشادية وخزان المياه ومضافة تاريخية يعود عمرها لأكثر من مئة عام في تلك القرية الكردية.
تغيير الهوية هدف مشترك بين النظام وتركيا
في أخر نقطة عسكرية وصلنا إليها، كان يتواجد عدد من عناصر جيش النظام السوري، وضابط برتبة ملازم يتفاخر بإنجازات الجيش السوري في إدلب مؤخراً، لكنه في الوقت ذاته يراقب الآليات التركية وهي تُشيّد ذاك الجدار الذي ربما يغيّر الخارطة السورية في المستقبل القريب، ولدى سؤلاً له عن صمت الحكومة السورية حيال بناء الجدار، امتنع عن الإجابة مكتفياً بالقول “الأمر سياسي ونحن نراقب التحركات العسكرية”، إجابة تختزل الموقف الرسمي للحكومة السورية الذي تشوبه الضبابية في علاقته من الاحتلال التركي ومدى التوافق بينهما حيال بعض القضايا التي تخص الجغرافية والديمغرافية السورية؟!.
التغيير الديمغرافي الذي يستمر الاحتلال التركي بتنفيذه في عفرين منذ آذار العام المنصرم، يروق أيضاً لحكومة البعث في دمشق، إذ حاولت الحكومة البعثية في سوريا على مدى عقود من الزمن لتغيير ديمغرافية المناطق الكردية في سوريا، لكن لم تتمكن من ذلك إلا بالجزء اليسير في عفرين مقارنة بالحزام العربي في إقليمي الفرات والجزيرة، فوفق إحصائيات الحكومة السورية بعد الاستقلال لم يتعدَ الوجود العربي في عفرين عن نسبة 3% من مجمل سكان عفرين أو “قضاء كرداغ” التسمية الرسمية آنذاك، وبعد قدوم حزب البعث إلى سدة الحكم في سوريا وإصداره قانون الإصلاح الزراعي عام 1972 تم سلب بعض الحيازات الزراعية من الملاكين الكبار الكرد وتوزيعها على العائلات العربية التي قدمت للمنطقة بغرض العمل ورعي الماشية، وبهذا ارتفع نسبة العرب في عفرين إلى 8-10% مقابل 90% من الكرد، ولكن بعد الاحتلال التركي تم تغيير ديمغرافية المنطقة بنسبة كبيرة واليوم لا يتعدى الوجود الكردي فيها 20%، وهدف التغيير الديمغرافي أو بمعنى أصح إبادة الكرد عرقياً وثقافياً هو هدف مشترك للدول الغاصبة لكردستان.
وتقول فاطمة محمد من أهالي قرية بعدينا التابعة لناحية ماباتا، أن الاحتلال التركي عمد إلى تهجيرنا بهدف إبادتنا وطمس هويتنا، وتتابع: “نحن اليوم هنا نقاوم ونعمل على تنظيم أنفسنا من جديد، والهدف المشترك لنا جميعاً هو تحرير عفرين والعودة المشرفة لها”، وتقطن فاطمة في قرية أقيبة التي تبعد أربعة كم فقط عن أقرب قاعدة عسكرية لجيش الاحتلال في جلبر، وتتعرض هذه القرى بين الفينة والأخرى لقصف تركي عشوائي بهدف إفراغ تلك القرى من سكانها والنازحين معاً.
وفي خط التماس ذاته تقع قرية صوغانك التي تعرضت قبل أيام لقصف تركي عشوائي وهمجي بأكثر من 120 صاروخ وقذيفة مدفعية خلال 4 ساعات فقط، استشهد على إثرها أحد المدنيين وجُرح خمسة آخرين، في تلك القرية التقينا ببهجت شيخو من أهالي قرية جلبر وكان يقطن فيها مع عائلته، لكن ونتيجة القصف لجأت العائلة إلى القرية المجاورة برهة من الوقت، يقول شيخو: “تم تهجيرُنا من جلبر، هدم الاحتلال منزلنا وعمد لبناء جدار التقسيم، واليوم يقصف أماكن نزوحناً بالوحشية ذاتها”.
وتُشير الأم عيشة جمو من أهالي القرية التي فضلت البقاء في قريتها رغم تهدم السور الخارجي لمنزلها نتيجة القصف التركي، إلى أن أهالي القرية لم يشكلوا أي تهديد على أمن تركيا القومي ولكن هي منْ تعتدي عليهم وتقصف منازلهم التي بنوها بعرق جبينهم منذ عقود، ويبلغ عدد سكان قرية صوغانك أكثر من 1900 نسمة إضافة لعشرات العائلات العفرين التي قطنت فيها بعد تهجيرهم من عفرين، لكن اليوم باتت تلك القرية أيضاً مهددة بالتدمير نتيجة القصف الهمجي.
هل من مساومات سياسة جديدة على حساب الكُرد؟
سياسات الاحتلال التركي في سوريا وبالتحديد في الشمال السوري، فضفاضة ولها أهداف سياسية وتوسعية استعمارية متعددة، ولاسيما الاتفاقات التي تجمعها مع روسيا وأمريكاً مؤخراً، وما يدور اليوم في إدلب من صمت تركي حيال تقدم قوات النظام السوري، وتصعيد القصف في الشهباء وقرى شيراوا، يثير العديد من التساؤلات لدى الأهالي عن ماهية السياسة التركية الحالية؟ ومدى جدية تهديداتها المتلاحقة فيما يخص تل رفعت وشرقي الفرات، وترابطه بالصمت السوري حيال استمرار الانتهاكات في عفرين والباب وجرابلس وبناء جدار التقسيم؟!.
وفي معرض هذه التساؤلات توجهنا إلى الرئيسة المشتركة لفيدرالية شمال وشرق سوريا، هدية يوسف، والتي قالت أننا نتوقع كافة الاحتمالات في هذه المنطقة التي يقطنها مُهجري عفرين، وتابعت:  “الاتفاق التركي الأمريكي فيما يخص حماية الحدود ربما يحمل في طياته احتمالات متعددة”، مشيرةً أن أي اتفاق لا يشمل عفرين لن يكون محل رضى بالنسبة لهم، مؤكدةً أن موضوع عفرين اليوم هو موضوع حساس، فإن لم يحمل الاتفاق التركي الأمريكي أي بشائر بشأن انسحاب تركي منها، فإن العلاقات التركية الروسية المتوترة حالياً ستلقي بظلالها على المنطقة وفي كلا الحالتين تكون قضية عفرين أولوية، وإلا الخيار سيكون عسكرياً إن شن الجيش التركي أي عملية عسكرية في شرق الفرات أو تل رفعت، مستشهدة بتصريحات القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الذي قال أن أي هجوم تركيا سيشعل المنطقة برمتها في حرب طويلة الأمد في إشارة إلى فتح جميع الجبهات مع جيش الاحتلال التركي.
الحرب الشعبية الثورية هي حبل النجاة من الفوضى الحالية
وفي سياق متصل نوهت هدية يوسف إلى المشروع التركي بإعادة هيمنتها على المنطقة وإعادة حدود الدولة العثمانية وفق الميثاق الملي، وبهذا ربطت بين احتلال عفرين والعمليات العسكرية التركية الحالية في باشور “جنوب كردستان” ومحاولة ربطها الخط الواصل من عفرين إلى الموصل وصولاً إلى باشور والتي ركز القائد الكردستاني عبدالله أوجلان كثيراً على أهمية هذا الخط في مرافعاته وتصريحاته، وقالت هدية يوسف: أن التكاتف الاجتماعي وترابط كافة المكونات في هذا الخط معاً في شتى المجالات والعمل على حماية أنفسهم ضد المشاريع الخارجية هو الحل الأمثل لوقف الاحتلال وتسويق شعوب المنطقة نفسها كلاعب أساسي في مشاريع الهيمنة الكبيرة في الشرق الأوسط.
وعن المشروع الديمقراطي المتمثل بالإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، قالت هدية يوسف أن هذا المشروع يمثل قوة ثالثة في المنطقة وهو الحل الأمثل لحل الخلافات وإفراغ مشاريع الهيمنة من مضمونها، وتابعت: “يتطلب اليوم من الشعوب تنظيم نفسها وتمتين قوتها العسكرية، لكي تستطيع فرض معادلة جديدة وقوية على المنطقة”، وتطرقت إلى مقاومة عفرين كمثال على ذلك، وضرورة تفادي الأخطاء المرتكبة هناك، بالقول: “في عفرين كانت المقاومة في أوجها ورغم وجود الأخطاء كانت مقاومة مشرفة، واليوم يتطلب من شعبنا التمسك بمبادئه وتنظيم ذاته، وعدم التقليل من قدارته والإيمان بأحقية قضيته أمام الاحتلال، فجغرافية كردستان وعفرين لن تكون للمحتل”. 
“لا بد من توحيد الجهود الكردية لدرء خطر الإبادة”
وفي نهاية حديثها لنا قالت الرئيسة المشتركة لفيدرالية شمال وشرق سوريا، أن المخطط الذي يستهدف الوجود الكردي هو واحد في كل أجزاء كردستان، لذا يجب أن تكون المقاومة واحدة أيضاً، فحل القضية الكردية يجب أن يكون شاملاً ولن يحدث ذلك إلا بالتفاف الشعب حول قواته وتنظيم أنفسهم وفق أساس حرب الشعب الثوري، وهناك أمثلة عدة في العالم حول نجاح هذه التجربة ضد المحتلين.