إدلب مساومة سياسية ترسم حدودها بالدم

82
تقرير/ صلاح إيبو –

التقدم الأخير لقوات النظام السوري في إدلب، لا يدل على استعادة دمشق قوتها الكاملة بعد أشهر من الهزائم التي مُنيت بها في ريف حماة وإدلب، ولكن هذا التقدم يدل على وجود تفاهمات سياسية تركية روسية ورضى غربي ضمناً، بهدف قلب الموازين العسكرية على الميدان وفرض خارطة جديدة على الساحة السورية عامة، والتي تترافق مع محادثات تركية أمريكية حيال فحوى حماية الحدود، ولكن هذه المحادثات هي أعمق من حماية الحدود أو إقامة منطقة آمنة وفق المنظور التركي، بل تتعداها إلى مناقشة قضايا أوسع تشمل المصالح الدولية في الشرق الأوسط عامة.
بعد أسبوع من العمليات العسكرية لجيش النظام السوري في ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، وصلت تلك القوات إلى مشارف بلدة خان شيخون جنوبي إدلب، والتي تعتبر استراتيجية لوقوعها على الطريق التجاري M5، وتدور اشتباكات ومعارك عنيفة تشارك فيها القوات الجوية الروسية، وسط صمت شبه تام تركي رغم وجود نقطة مراقبة تركية على خط النار، وهو ما يثير تساؤلات عدة عن وجود تفاهمات روسية تركية لإخضاع مناطق من خفض التصعيد لقوات الأسد.
هذا وأعلنت قوات النظام البدء بعملية اقتحام مدينة خان شيخون، الأحد، وسط تمهيد ناري كثيف من قبل الطائرات الروسية والسورية، وتناقلت مصادر إعلامية تصريحات منسوبة لمصدر عسكري في القوات الحكومية السورية، “إن قوات الجيش السوري تابعت تقدمها انطلاقاً من مواقعها في بلدة مدايا وسيطرت على مزارع خان شيخون الشمالية الغربية، بالإضافة إلى تل النار الاستراتيجي”.
ويستمر تقدم قوات النظام السوري تحت غطاء ناري من الطيران الحربي والمروحي، وقالت القوات الروسية في سوريا، أن أكثر من 60 ألف ضربة جوية وجهتها الطائرات الروسية والسورية لمواقع المنظمات الإرهابية خلال الأيام القليلة الماضية.
ويظهر التقدم الميداني، محاولة قوات النظام السوري السيطرة على خان شيخون من المحور الشمالي، بالتوازي مع تقدمها في محور بلدة التمانعة جنوبي خان شيخون، وبهذا فإن السيطرة على خان شيخون ستمهد الطريق أمام قواتها لحصار بلدات كفرزيتا واللطامنة ومورك إضافة إلى نقاط المراقبة التركية في تلك المناطق.
ووفقاً لمصادر صحيفة “كوميرسانت” الروسية القريبة من الجيش السوري، سوف يستمر الجيش السوري في عملياته حتى يسيطر على الطريق السريع  M5، الذي يمر جزء كبير منه عبر إدلب.
وحول ذلك كتبت ماريانا بيلينكايا، في “كوميرسانت”، مقالاً نشرته بالعربية “روسيا اليوم”، مُتسائلة عمّا إذا كانت تركيا ستغض النظر عن هذا الانتهاك الكبير لحدود منطقة خفض التصعيد، فيما قد توافق موسكو على أن تخضع هذه المنطقة لسيطرة المعارضة السورية المدعومة من تركيا، والتي ستكون قادرة على ضمان حرية الحركة على M5، على النحو المنصوص عليه في مذكرة تفاهم سوتشي.
وترى الخبيرة الروسية أنّه لذلك، ليس من قبيل الصدفة أن موسكو عرضت على المعارضة السورية المشاركة في المعارك ضد هيئة تحرير الشام. وقد يناسب هذا الخيار أنقرة، بشرط ألا تؤثر العمليات العسكرية على مواقع المراقبين الأتراك، الذين وجدوا أنفسهم عملياً على خط النار.
وفي سياق متصل، أعلن ما يسمى “الجيش الوطني السوري” الموالي لتركيا عن بدء التحضيرات لإرسال مجموعات مسلحة لمؤازرة جبهة النصرة، بعد نحو أسبوع من امتناع الفصائل الموالية لتركيا الانخراط في القتال الدائر في إدلب، ويعزي مراقبون ذلك إلى وجود اتفاقيات بين تركيا وروسيا بقطع الدعم عن جبهة النصرة وحث الفصائل الموالية لتركيا على محاربة جبهة النصرة والفصائل المتشددة الموالية لها، وذلك وفق لاتفاق سوتشي، وبالفعل التزمت أنقرة بعد محادثات آستانا 13 بتقليص الدعم لجبهة النصرة، وهو ما انعكس على أرض الواقع من تقدم للنظام وغياب شبه تام للأسلحة النوعية المضادة للدروع في أرض المعركة، لكن التحرك الأخير للفصائل الموالية لتركية في شمال حلب باتجاه إدلب دفع بالقيادة الروسية في سوريا إلى توجيه اتهام ضمني لتركية بإعادة دعم جبهة النصرة والتهديد باستهداف ما أسمتها “بالمعارضة المعتدلة الموالية لتركيا إن انخرطت في القتال”.
هذه المقدمات تقطع الشك باليقين عن وجود تنسيق تركي روسي، وغض نظر غربي عن العمليات العسكرية لقوات النظام السوري في إدلب، ومنها تأجيل جلسة لمجلس الأمن كان من المقرر عقدها يوم الأحد بسبب غياب “غير بيدرسون”، وحذرت الأمم المتحدة بدورها من “كارثة إنسانية جديدة في شمال غرب سوريا” جرّاء معارك ريفي حماة وإدلب، فيما دعت فرنسا لوقف العمليات العسكرية بشكل فوري خلافاً للموقف التركي الصامت، وهنا يتساءل العديد من المراقبين عن مضمون الاتفاق الروسي التركي.
الموقف التركي الهش، حيال العمليات العسكرية وموجات النزوح من مناطق التصعيد، دفع وجهاء وأهالي ريف حلب الغربي بتوجيه رسالة إلى تركيا، نددوا فيها بموقف أنقرة “المتفرج تجاه المجازر والتهجير والعمليات العسكرية التي تقودها حليفتها روسيا والنظام السوري”، على حد تعبير البيان.
سبوت:
“محادثات أستانة 13 قضت بالتوافق الروسي التركي بضرورة إيقاف الدعم التركي لجبهة النصرة، وظهر ذلك في تقدم قوات النظام اللافت، وغياب للأسلحة النوعية المضادة للدروع، وذلك ما حدا بروسيا إلى اتهام تركيا بدعم فصائل من جبهة النصرة في شمال حلب والتهديد باستهدافها”