إخلاص فرنسيس…الحبّ جوهر الحياة، والإله الذي لا يُغلب.

340

حاورها/ عبدالرحمن محمد –


في قرية لبنانية جنوبية صغيرة بحجمها عظيمة بقلبها، وفي كنف عائلة متواضعة مؤلّفة من خمس أخوات وثلاثة أخوة، كانت ولادة إخلاص فرنسيس، أصغر البنات، مدلّلة أبيها ورفيقته، الأب الذي كان يحبّ الفنّ والغناء، والأمّ التي كانت تردّد الشعر عن ظهر قلب، ما دفع بها إلى عشق الموسيقا والفنّ والأرض.

عاشت الحرب الأهلية اللبنانية، التي سلبتها الكثير من طفولتها وتعليمها وحتى من أحلامها، ووأدت الكثير من طموحاتها التي كانت وسع المدى، فكادت أن تغرق أو أن تؤول إلى موت سحيق.

إخلاص اليوم زوجة، وأم لأربعة شباب، لم تتخلَّ عن حلمها، وواجهت تحدّيات جديدة، منها الانتقال من الريف الجميل إلى بيروت، وتحدّيات الأمّ والزوجة، لكن لم تدعّها تقف حائلًا في طريق أحلامها التي حملتها معها من خلال أنفاس حروف جبران، وصوت فيروز وروح العنقاء التي لا تخبو مهما تلاطم الرماد.

حملتها الظروف على الاغتراب فغادرت موطن سكينة روحها إلى أمريكا، وحملت إليها هويتها كامرأة شرقية، وفي داخلها تلك السطوة الرجولية والمجتمع الذكوري وقمع الأهل حين يراودها هاجس التعبير عن مشاعرها وتجاربها وعلاقاتها بكلّ عفويّة وحرّية.

فكان أن بدأت رحلتها في الشعر والكتابة بشكل عامّ تعبيرًا عن ذاتها وبلسانها عن كلّ امرأة جرت الرياح بما لا تشتهي سفينتها، وعبّرت عن عشقها للتعبير عن الذات بالكلمات بعد أن امتلكت الأرض الخصبة، وتفتحت براعم الحروف، فالألم يولّد الأمل، وبعد سنين طويلة نضجت السنابل، وأتى موعد الحصاد. ولعل أصدق ما يصفها قولها عن ذاتها: ” أنا سليلة الحرب انتصرت عليها بالحب، حب الحياة والجمال صومعتي، وقلبي نابض بالحب والحياة، أنا فكرة، وكلمة لم تكتمل بعد”

وفي هذا الحوار نلتمس التعرف على شاعرتنا والدخول لعالمها الذي صنعته بالإرادة والكثير من الحب:

 ـ للبدايات ذكرياتها، وطعم النصر الخفيّ، كيف كانت بدايات إخلاص فرنسيس الأدبية؟ وما الذي ولج بها في هذا العالم؟

للبدايات طعم ولون مختلف دائمًا مثل الطفل الذي ينطق أول كلمة له، ويخطو أول خطوة، يكاد الكون لا يسعه من الفرحة فقد استطاع أن ينجز شيئًا بمفرده ودون مساعدة أحد، والشعور بالاستقلالية والإنتاج، له طعم خاصة فكيف إذن يكون الحال في الكتابة، الكتابة التي هي سكب الذات في كلمات وحروف.

بدايتي كانت بسيطة جدًّا، محاولات مع الشعر، وأهمّها الحوارات الغزلية التي أعشقها، الغربة كان لها الدور الأكبر في ولوجي هذا المجال، الحنين للوطن، الحنين للأهل، التحديات التي تواجه الإنسان في الغربة من وحدة واشتياق، كلّ هذه العوامل أدت إلى أن أتجه إلى التعبير عنها بالكتابة، كانت الكتابة المنفذ الوحيد الذي أستطيع أن أعبر به عما أشعر وأحسّ، وكانت بمثابة علاج لي وشفاء.

ـ بين لبنان الجمال والأصالة الشرقية وأمريكا حيث تقيمين بون شاسع من حيث الثقافة والحضارة، ما تأثير كلّ ذلك في نتاجك الأدبي؟
لبنان والأصالة الشرقية هو من كون إخلاص فرنسيس بما أنا عليه الآن. إنّ طفولة الإنسان ومراهقته وشبابه، كلّ تلك الصور هي التي يخزنها العقل الباطن، وتتكون منها شخصية الإنسان. الثقافة الشرقية بما تحمل من مشاعر غنية وجدانية، والحضارة القديمة التي أنا أعشقها، التاريخ العريق، الفنّ، الجمال الشرقي، وطبعاً هناك جانب آخر ألا وهو الجانب المأسوي والضيق الذي تعيشه المرأة، والصراع بين إثبات ذاتها في المجتمع وإعطائها المساحة الكافية، كي تعبّر عن مشاعرها وعن ذاتها، والمجتمع الذكوري المسيطر. كلّ هذه عوامل يحملها الإنسان بشكل عام في ذاكرته، وتؤثر على حياته، والكاتب بشكل خاصّ، وتؤثر على نتاجه الأدبي وكتاباته فيما بعد.

الشرق له سحره وجماله، والغرب له المساحة واحترام الإنسان والحرية أن تكون ذاتك دون أن يشار إليّ بإصبع الاستغراب والاتهام والملامة، وأحياناً تُحارب المرأة بالشرق لمجرّد أنها عبّرت عن مشاعرها، لأنّ هذا يُعتبر عيبًا.

ـ للأدب سلطان على الروح وتوأمة مع الذات، ما جوهر العلاقة بينك وبين الأدب؟
بالنسبة لي الأدب هو روحي، فأنا أكتب ما تقودني إليه روحي، لا أكتب لمجرد الكتابة، ولم أبدأ الكتابة فقط لأني أريد الكتابة بل الكتابة والقلم تقودها مشاعري وروحي، نحن صنوان لا نفترق، روح واحدة في جسدين مختلفين في الشكل، واحد إنساني، والآخر مؤلّف من حروف وكلمات.

ـ غاب الأدب النسائيّ أو غُيّب عربيًّا وعالميًّا. كيف تنظرين إلى هذا الجانب اليوم؟
إنّ الوضع العام للمرأة عربيًّا وعالميًّا على حدّ سواء خضع للتمييز العنصري، ما أدّى إلى خضوع المرأة لقيود حدّت من حريتها ومن حقوقها، أهمّ هذه القيود الدينية والثقافية، وكانت هذه عقبة للمرأة في طريق الحرية والتعبير عن ذاتها.

المرأة العربية عانت أكثر بكثير بسبب هذا التمييز العنصري، وما زالت تعاني لغاية يومنا هذا، وقد مُنعت من أبسط حقوقها وهو اختيار حياتها التعليمية، وكان الرجل هو الوصيّ عليها، الأب أولاً والأخ والزوج فيما بعد، حتى في الميراث للرجل حقّ ضعفي المرأة. لم تكن المرأة في الغرب أكثر حظًّاً في القرون الماضية، فقد كانت تعاني فيما مضى من سيطرة الكنيسة والرجل، ولكن مع الوقت استطاعت أن تتقدم أكثر من المرأة العربية، وتضمن حقها. بيدَّ أنّ المرأة في بعض الدول الشرقية ولفترة قريبة لا تستطيع أن تحصل على رخصة قيادة سيارة، فكيف لها بالتعبير عن نفسها في مجال الأدب والشعر والرواية؟ المرأة العربية تعاني، وتتخبّط في مجتمع تحكمه القيود والتقاليد، والعيب والحرام والسلطة الذكورية وهيمنة الرجل على حياتها وقرارتها حتى في أبسط الأمور، إلى حدّ أنه منعها من التعبير عن الذات ببساطة في الكتابة، والمرأة التي خرجت عن طوع هذه القوانين اعتبرت شاذة.

ـ المرأة والجمال والحبّ والوطن مفردات العشق ودعائم الأدب، أين هذه العوالم في أدب إخلاص فرنسيس؟

إنّ المرأة والجمال والحبّ والوطن حاضرة في كلّ صورها في كتاباتي، أنا أكتب عن الإنسان والإنسانية، والإنسانية تشمل الوطن الجمال الحبّ والمرأة والرجل، العشق والحبّ في رأيي هو الحياة، فدون الحبّ نحن أموات نسير على وجه البسيطة، المرأة هي مصدر الفرح والعشق والحبّ، إن لم تكن حاضرة فاللون ناقص، والصورة ناقصة.

إنّ الوطن هو الصدر الحنون، هو الأب والأمّ في كلّ الصور، هو الطفولة هو الذكريات هو الأصول والحضارة، هو المجد، وهو ما أنا عليه الآن.

ـ ما بين الشعر الحالم والخاطرة المتيقظة والرواية بأفقها الواسع تتنقل إخلاص فرنسيس، فأين تجد ذاتها، وأين يطيب لها المقام؟

لكلّ واحدة مما ذكرت مذاقها الخاصّ، الشعر هو النشوة والمشاعر المكثفة التي تنقلنا نقلة فورية في موجز الكلام أي ما قلّ ودلّ، أما القصة القصيرة ففيها من الرمزية والإيجاز ما يداعب الخيال، ويجعل كلّ قارئ يعيش الحالة، ويكتب تفاصيلها الدقيقة كما يراها، أما الرواية فهي مثل سلة من الفاكهة أو بستان، أستمتع في سرد التفاصيل، أعيشها باقات منوعة مشكلة من الأحاسيس والمشاعر والصور، وتسلسل الأحداث وغنى المعنى.

الرواية هي البيت الذي أسكنه، والوطن الذي أستوطنه، هي البراح الذي ألهو فيه، أجري، أنام، أجلس، آكل، وأشرب.

هي المدى الواسع الذي يعطيني المساحة الأكبر والأوسع، كي أكتب وأعبّر عن حالة معينة باستفاضة أكبر.

أحبّ الكلّ، ولكن أجدني في القصة القصيرة أكثر.

ـ المرأة في الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، وبالأخصّ المقاتلة في وحدات حماية المرأة غيّرت نظرة العالم إليها. ما هي صورة المرأة الكردية في الغرب والعالم؟

حقيقة لقد أذهلت المرأة الكردية المقاتلة العالم قاطبة، وغيّرت نظرة العالم نحوها، واستطاعت أن تشدّ الشرق والغرب نحوها. الكلّ يريد أن يعرف من هي المرأة الكردية، الكلّ أشاد بها، واعتبرها نموذجًا يجب أن يحتذى به.

لم تحقق المرأة الكردية انتصارًا فقط في مجال الحرب بل تخطّت ذلك إلى المكتسبات والحقوق الاجتماعية.

لقد صدر قانون للمساواة بينها وبين الرجل وحمايتها ومنع العنف ضدها، ومنع زواج القاصرات وتعدّد الزيجات، ومنحت المرأة الكردية الحقّ في الترشح، وتولّي مختلف المناصب، من سياسة واقتصاد. أرى أنّ المرأة الكردية تتمتّع بذات الحقوق التي تتمتّع بها المرأة في الغرب من حماية وحرية.

ـ المدارس أو المذاهب الأدبية، هل هي التي ترسم ملامح وأنماط نِتاج الأديب أم أنّ لكل كاتب عالمًا خاصًّا به؟

هناك مدارس ومذاهب أدبية نتأثر بها، وهي ترسم ملامحنا أحيانًا، ولكن لا يجب أن تقيدنا، نستفيد منها، نقرأ، نتعلم، وننطلق لبناء عالمنا الخاص وصبغتنا الخاصة.  بعض المدارس والنمطية في كثير من الأحيان تقيّد الإبداع، وأحيانًا أخرى الكاتب نفسه يخاف التغيير والتجديد، لئلا يُرفض عمله، ولكن أنا أرى أن نترك العنان للقلم، لنحلّق في عالم الإبداع، ولا نقيد الكلمة بل نطلق سراحها في أفق الأدب الرحب.

ـ الهجرة مقرونة بالحنين والشوق. ما وقع الهجرة في كتابات إخلاص، وأين لبنان في صميم كتاباتك؟

إن كتّاب الغربة دائمًا لهم صبغة معينة يكتبون بها، الحنين كما أسلفت والشوق، الغياب الفراق والبعد وخاصّة إذا كان الكاتب قد ترك بلده قسراً أو في ظروف معينة، ويحمل في حقيبته الكثير من الأحداث المؤلمة أو المفرحة.

بالنسبة لي، لبنان حاضر في كلّ شيء، فصوله بحره جبله، وفي ألوانه وأصوات الفجر وضيعتي الجبلية الصغيرة حيث الربيع خلع على قلمي حبره، يأخذني القلم إلى لبنان، إلى فيروز ووديع الصافي، إلى ذلك البلد الذي أكنّ له الحبّ ووجع الحنين حيث سلختني الحرب عمّن أحبّت نفسي، وعن أصدقائي، وشرذمت العوائل في بقاع الدنيا، وكانت النصوص انعكاس تلك المعاناة على لسان الأبطال في روايتي التي نشرتها مؤخّرًا في مصر ولبنان “رغبات مهشّمة” في الصراع الطائفيّ والتدخل الخارجيّ ورائحة الحرب وأصوات المدافع اختفاء شمس، اختفاء الحياة . الحرب التي علا صوتها على صوت الحبّ، وفي حقيبة السفر التي كنت أتمنّى لو أستطيع أن أجمع كلّ من أحببتهم في لبنان، وأحملهم معي.

ـ حرية المرأة ومعنى الحرية بين الشرق والغرب كيف تقرأينها؟

إنّ معنى الحرية عميق وبسيط جدًّا في نفس الوقت، المرأة والحرية مصطلح نسمعه في كثير من الأحيان، وكثيرين عندما يسمعون حرية المرأة يعتقدون أنّ الحرية تقتصر على لباس المرأة والانفلات والفساد، ولكن الحرية لا تتوقّف هنا بل الحرية الحقيقية هي حرية الفكر واتّخاذ القرار في نمط حياتها. إنّ المرأة في المجتمعات العربية مع الأسف اُختزلت في جسد فقط ولا شيء هي سوى عورة وفتنة ويجب تغطيتها، كي لا تثير غرائز الرجل، وكأنها دمية جميلة وضعيفة ويجب أن يكون هناك وصي عليها من سيد ممثل بالأب الأخ ومن ثم الزوج. لقد منع المجتمع الشرقيّ أبسط حقوقها، أغلق عليها فكريًّا وجسديًّا وروحيًّا في عصور مظلمة من القمع المتمثل بالتقاليد والعادات التي أغلبها تحت ستار الدين والحلال والحرام.

إنّ قضية المرأة هي قضية إنسانية، فالله خلقنا أحرارًا، ولكن الجهل هو ما قيد المرأة. الحرية أن تستقلّ المرأة باتّخاذ القرار، متى تقول لا، ومتى تقول نعم.

إنّ المرأة عنصر أساسيّ في المجتمعات، وشريكة في تحمل المسؤولية، مربية الأجيال، المرأة الحرّة المثقّفة هي المرأة المبدعة.

انطباعك العام عن الشعوب المضطهدة عامة وعن الكُرد خاصة وحقّهم في الحرية والمصير؟

إنّ الاضطهاد والقمع والتمييز هو واقع للأقليات الدينية والقومية حول العالم، وهي هدف للعنف، وحقوقهم الإنسانية مهدورة، ولم يسلم الشعب الكرديّ من هذا الاضطهاد والقمع بل كان له النصيب الوافر على فترات طويلة، وتعرّض للقمع والإبادة شأنه شأن الكثير من شعوب الشرق، كون الشرق كان وما زال يحفل بمشاكل إثنية ودينية وقومية غير قليلة.

لقد تعرفت إلى الكثير من الكرد في الآونة الأخيرة، وقد أثبتوا لي أنهم شعب مثقّف جدًّا، فمنهم الفنان والشاعر والإعلامي. هو شعب مسالم يحب الحياة، لكن لم تترك الحرب والويلات له السلام الذي ينشده بل اضطرت حتى نساؤهم إلى حمل السلاح ومحاربة المنظمات الإرهابية ولا سيما داعش التي تعيث في الأرض دمارًا وفسادًا، وقد أحرقت حقولهم وأرزاقهم وقوت أطفالهم أمام عيونهم. إنه شعب يستحقّ الحياة شأنه شأن باقي الشعوب المكافحة في سبيل الحرية.

إنّ الحرب تقذف بنا في دهاليز لمصائر لم نكن ندلف إليها لولا المعاناة، فالحرب والقمع والاضطهاد حين فغرت فاها لابتلاع أبناء هذا الشعب سلخت الكثير منهم عن أهله وناسه، وشردت البعض الآخر حول العالم طلبًا للمأوى والعيش الكريم.

لقد عملت الحرب على تفتيت الإنسان الكردي وتمزيقه شرّ تمزيق، ولكنه ما زال متمسّكًا بحبّه للحياة، مقاتلاً للنهوض من تحت الأنقاض.

كلمة أخيرة أوجهها للإنسان أينما كان: إذا فقد الإنسان إنسانيته أصبح حيوانًا مفترسًا، وإذا فقد الإنسان الحبّ تجرّد من إنسانيته، وإذا فقد حريته مات وهو حيّ. الحبّ، الإنسانية، والحرية هذه الأقانيم الثلاثة هبة الله، ودعوة للحياة.

ويبقى للشعب الكرديّ حصته من ضوء الشمس التي مهما غابت فستشرق من جديد.