بنديتا آرجنتري: “ثورة شمال وشرق سوريا حققت نجاحات باهرة”

82
بعد تحرير شمال وشرق سوريا من إرهاب داعش والخلاص من الظلم والبطش خلال سنين سيطرة مرتزقة داعش على المنطقة، استطاعت المنطقة أن تخطو خطوات إيجابية نحو إعادة البناء وإصلاح ما أفسده ظلام المرتزقة، وما ارتكبوه من انتهاكات وجرائم ستبقى في ذاكرة شعوب هذه المنطقة.
وحول هذا الموضوع؛ أجرت وكالة هاوار للأنباء حواراً مع الصحفية والمخرجة الإيطالية بنديتا آرجنتري خلال زيارتها الثانية لمناطق الإدارة الذاتية؛ وكان الحوار التالي:
ـ ما الذي التمستموه من تغييرات في المنطقة، وبخاصة أنكم زرتم المنطقة عام 2014؟
 في الحقيقة؛ تغيرت الكثير من الأمور منذ زيارتي في عام 2014 إلى الآن. أستطيع القول إن المنطقة أصبحت نموذجاً يحتذى به، فبالرغم من الدمار الهائل للبنية التحتية في فترة سيطرة داعش الذي مارس أبشع الجرائم ودمر كل شيء، استطاعت الإدارة الذاتية رغم كل المصاعب أن تقود المنطقة وأن تفتح أبواباً أوسع للتطور نحو مستقبل أفضل بكل المقاييس.
ـ وفقاً للثورة التي عمّت شمال وشرق سوريا، هل استطاعت الدول أن تُقيّم وتدرك المعنى الحقيقي لهذه الثورة على أرض الواقع كما هي؟
في هذه النقطة الأمر يبدو صعباً نوعاً ما دولياً، ومن جهة أخرى الإعلام الذي يأتي لرصد الحقائق لا يُركّز سوى على قضية واحدة دون الاهتمام بباقي القضايا الأخرى، ولهذا السبب فمن خلال زيارتي أحاول أن أتابع وأقيّم أبعاد هذه الثورة وآفاقها في مختلف المجالات. لقد ركّز الإعلام الذي رصد هذه الثورة فقط على المرأة التي تحمل السلاح في وجه المرتزقة دون التطرق لنضال شعوب هذه المنطقة، ودون التطرق للخلفية السياسية لهذه الثورة، فلقد بقيت قراءتهم للثورة سطحية، فثورة روج آفا استطاعت أن تحتل مكاناً مرموقاً في التاريخ من أوسع أبوابه. لهذا؛ أعتقد أن قراءة هذه الثورة لم تصل إلى المستوى الذي يستطيع أن يلم بكافة جوانبها من حيث نظام الحكم والإدارة الذي قاد هذه الثورة، وبخاصة في هذه المرحلة بعد التحرر من داعش الذي أوقف مخاوف الدول منه، فليس هناك رغبة حقيقية للاطلاع على نظام حكم الإدارة الذاتية للمنطقة وكيف تُطبّق وماهيتها الحقيقية. أعتقد أنه من الضروري فهم هذه الثورة بكل معانيها؛ لأنه في الوقت الذي كان فيه وحدات حماية الشعب والمرأة وقسد يحررون المنطقة كان إلى جانب ذلك إدارة فريدة من نوعها تدير المنطقة بكل تفاصيلها وحققت نجاحات حقيقية.
ـ هل استطاع الإعلام نقل حقيقة نضال المرأة ودورها البارز في ثورة شمال وشرق سوريا؟
لقد تركز اهتمام الإعلام فقط على المرأة التي تحمل السلاح في وجه المرتزقة دون التطرق إلى التطور الأيديولوجي والفكري للمرأة، وهنا لا بد من ذكر إحدى شهيدات وحدات حماية المرأة التي تصدّرت عناوين صحف العالم كلها ولكن للأسف الشديد لم يتم إدراك ثورة المرأة الحقيقية بكل أطيافها. إن ثورة المرأة في روج آفا وقيادتها للمعارك الشرسة ضد الإرهاب أحدث قلقاً للأنظمة الرجعية التي ما زالت تعتبر المرأة كمربية للأطفال، وتهتم بالبيت وما زالت تريد تقييد دور المرأة في هذا الإطار، فنضال المرأة في المنطقة أثبت أنها لا تقل أهمية عن الرجل، ومن ناحية أخرى أرى أن نضال المرأة في روج آفا استطاع أن يُولّد الثقة لدى النساء ويخلق إرادة قوية في نفوس النساء في كل بقاع العالم. وفي الحقيقة هذا النضال أحدث تغييراً كبيراً في ذهنية شعوب العالم برمتها، والشيء المميز هنا هو روح التعاون والتضامن بين النساء، الأمر الذي نفتقده الكثير من المجتمعات في العالم، وأستطيع أن أُضيف أنه في المجتمعات الغربية وفي الآونة الأخيرة كان هناك مساعي لتحرير المرأة جنسياً فلقد تركزت حلولهم فقط في هذا الجانب، وعلى العنف المُمارس ضد المرأة والتمييز الجنسي فكانت كلمة المرأة بحد ذاتها تعتبر تقليلاً من شأن الشخص إن أُطلق عليه أو إهانة له للأسف بدلاً من أن تكون ذات معنى أرقى وأسمى من ذلك.
ـ برأيك هل تدرك التنظيمات والحركات النسائية حول العالم مدى حقيقة ثورة ونضال المرأة هنا في المنطقة، وهل هناك قراءة صحيحة لحقيقة ثورة المرأة هنا؟
باعتقادي نعم إنهم يفعلون ذلك، وهذا يوحي بالأمل من عدة جوانب، وأستطيع القول أنه ما من امرأة أو هيئة أو حركة نسائية حول العالم تستطيع إنكار جوهر وحقيقة هذه الثورة النسائية في روج آفا؛ لأنهم توصلوا لمعنى هذه الثورة وأثّرت في نفوسهم كثيراً، لأنه بالرغم من تصدّر المرأة جبهات القتال والمعارك كان إلى جانب ذلك إدراك أن هذه الثورة يمكن أن تُطبّق في أماكن أخرى وليس فقط عسكرياً، بل في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة ودور كل منهما في المجتمع، وكل هذه الإنجازات خرجت من رحم ثورة روج آفا، وبخاصة نضال المرأة الكردية الذي له تأثير عميق بكل صراحة على الحركات النسائية في العالم، ففي الحقيقة هذا النضال لم يبدأ من مقاومة كوباني، بل هو نضال سابق للمرأة الكردية، لم ينطلق من روج آفا فحسب، بل تطور إلى أن بلغ هذا هذه المرحلة المتقدمة من النضال الثوري.
ـ لماذا لا تقوم الدول المعنية بإنهاء الصراع في سوريا بإيجاد حل سياسي وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي بشأن سوريا رقم2245، والعمل بشكل حاسم في القضاء على الإرهاب المُتمثل بجبهة النصرة وداعش؟
أعتقد أن أحد الأسباب في هذا الخصوص هو الأزمة السياسية التي تعيشها الأمم المتحدة، فما من دولة من دول الصراع التزمت بقرارات الأمم المتحدة، وهذا يعود إلى عدم فعالية الأمم المتحدة رغم الجهود التي بذلتها منذ عام 2012 وهذا يعود إلى غياب الأطراف التي لها تأثير كبير بإيجاد حل، مثال مناطق الإدارة الذاتية والكرد التي تم استبعادها من أستانا وباقي الاجتماعات الأخرى. لذلك؛ تعقّدت الأزمة السورية بسبب عدم إدراك حقيقة الأزمة وواقعها على الأرض وغياب الأطراف الفعّالة التي تملك الحل الناجع لإنهاء الصراع.
ـ ماذا عن التدخل التركي في الأزمة السورية ودعمها الصريح للإرهاب بمن فيهم جبهة النصرة وعدم محاربتها لهم كدولة في حلف الناتو؟
في الواقع دولة الاحتلال التركي لها علاقات مختلفة مع الدول العظمى في العالم كروسيا وأمريكا وألمانيا؛ الأمر الذي يتسبب بتناقضات دبلوماسية، وكمثال لاحظنا كيف أكّد جيمس جيفري استمرار دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية في مؤتمر صحفي. لكن؛ هذا التصريح لم ينهِ الأطماع التركية في المنطقة. أما بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي فقد أدانت هذه الدول التصرفات والسلوك التركي في المنطقة، ولكن دولة الاحتلال التركي باستخدامها ورقة اللاجئين السوريين استطاعت الضغط عليهم وإثارة مخاوفهم بفتح حدودها أمام هؤلاء اللاجئين للذهاب إلى الدول الأوروبية؛ الأمر الذي انعكس سياسياً على قرارات تلك الدول وعلى علاقتها بتركيا، لذلك يترددون في الضغط على الدولة التركية لتغيير سياستها في المنطقة لأن لا زالت لهم مصالح مع الدولة التركية.
ـ هل يمكن التوصل لحل سياسي لهذه المنطقة بشكل عام وإن لم يكن الآن فمتى برأيكم؟
أنه بعد مرور سبع سنوات على حرب دامية وما جلبته للمنطقة من دمار وقتل وتشريد وتهجير للشعب السوري، فالحل السياسي هو الأنسب. ولكن؛ في الواقع معظم الأطراف المشاركة في الصراع تدّعي التزامها بالحل السياسي أمام وسائل الإعلام والاجتماعات، وعلى أرض الواقع تشتد النزاعات المُسلّحة، الأمر الذي يُبعد الحل السياسي، ويتجه بالمنطقة نحو صراع دائم وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، وخير مثال على ذلك احتلال منطقة عفرين من قبل الدولة التركية المحتلة، فالجميع كان يدّعي بأنه ينشُد إحلال السلام في المنطقة، ولكن كيف سمحوا لتركيا بغزو منطقة عفرين هذا هو السؤال؟
ـ إن أقدمت دولة الاحتلال التركي على احتلال مناطق شمال وشرق سوريا؛ فما هي تبعات هذا الاحتلال على المنطقة برمتها؟
بسبب وجود أطراف متعددة متداخلة في الصراع السوري ووجود عوامل كثيرة مؤثرة فيها فمن الصعب التكهن بنتائج هذا الاحتلال إن حدث. ولكن؛ بالتأكيد سيجلب هذا الاحتلال نتائج كارثية على المنطقة، وسيؤدي بالمنطقة إلى صراع شامل؛ الأمر الذي سيُعقّد معاناة المدنيين وبالأخص شعوب مناطق شمال وشرق سوريا، ما يبعد فرص إيجاد الحل للأزمة السورية بشكل أكبر بكثير مما هو عليها الآن.
ـ في ختام حوارنا هذا؛ هل من كلمة أخيرة؟
سأعمل الآن على نقل الصورة الحقيقية لثورة ونضال المرأة في روج آفا بمختلف جوانبها إلى الشعب الإيطالي وشعوب أوروبا؛ لأن هذه الثورة خصت المرأة بشكل عام، والآن عملتُ على إخراج فيلم عُرض في مهرجان آماد للأفلام في باكور كردستان بعنوان (أنا الثورة) الذي تطرّقت فيه إلى حقيقة ثورة المرأة في روج آفا التي أصبحت نموذجاً ومنبعاً للأمل لجميع نساء العالم وليس فقط في روج آفا، وكان للفيلم وقعٌ كبير في نفوس النساء اللواتي أبدين إعجابهن بهذا النضال.