هل فُوِضَ أردوغان في إبادة الكرد؟؟

36
زكي شيخو –

في اليوم الذي قام به الجيش التركي بعملية عسكرية ضد الشعب الكردي في مدينة عفرين السورية المسالمة، كان عشرات الآلاف من الأتراك بمشاركة بعض الموالين لهم يصلون في 90 ألف مسجد عقب صلاة الفجر يقرؤون صورة الفتح، رافعين أيديهم إلى السماء سائلين المولى بالتوفيق للقوات التركية المتسلحة بأحدث التكنولوجية والأسلحة الفتاكة المدمرة، وبالطائرات والدبابات وبمشاركة عصابات ومجاميع مسلمة متطرفة الذين لا رحمة ولا شفقة في قلبهم، على أطفال ونساء ورجال يعيشون على أرضهم خارج حدود الدولة التركية، ليس في يد قواتهم المحلية سوى أسلحة رشاشات خفيفة كان ذنبهم الوحيد أنهم كرد وباتوا يديرون أنفسهم.
أعلنت رئاسة أركان الجيش التركي حينها بأن هدف اجتياحهم هو محاربة الكيانات الإرهابية في تلك المنطقة، وإنقاذ سكانها من قمعهم وإرساء الاستقرار والأمن، وتحقيق الحرية للسكان على حدود بلدهم، وأن عمليتهم تجري في إطار حق الدفاع عن النفس، هذه الديباجة يستخدمها جميع المحتلين والطغاة الذين يغزون دول ومناطق الآخرين لتبرير ممارساتهم وأفعالهم الشنيعة واحتلالهم لأراضي الآخرين بعد أن يتم تطهيرها من سكانها الأصليين. ما تم رؤيته بعد الاحتلال كان الإرهاب بعينه حيث مارست الدولة التركية والمجاميع الراديكالية التي تدّعي إنها معارضة سورية مسلحة ضد أهالي عفرين القتل والذبح والنهب والسلب والاغتيالات والاعتقالات التعسفية بالجملة، وحظر الثقافة الكردية ودمرت مؤسساتهم الإدارية واستولوا على بيوت سكانها، ونهب ممتلكاتهم المنقولة والغير منقولة، وفرض عليهم قوانين جائرة لإبادتهم وخطف الكثيرين لا زال مصير العديد منهم مجهولاً، وقاموا بتعذيب الكثير من أهالي عفرين بشكل وحشي كل ذلك موثّق، فأين وعود الجيش التركي في الأمن والاستقرار والحرية التي كانت أصلاً متوفرة قبل الاحتلال.
يصف أردوغان الكرد وقواتهم الثورية التحررية وحركته السياسية بالإرهابيين والقتلى والخطرين على أمن دولته وعلى المجتمع الدولي، ويصرح ويصرخ ليلاً نهاراً ويكشر عن أنيابه وتتغيير ملامح وجهه المعبوس مع الكثير من التجعدات المبالغة فيها. والغريب هو كيف يمكنه أن يوجه كل هذه الاتهامات التي ليس لها وجود والعكس صحيح، وبشكل قاطع وبحماس وخطاب شديد ملتهب كما لو كان ذلك يستند إلى حقائق ثابتة مؤكدة وأن دولته قاب قوسين أو أدنى من الامحاء بسبب خطورة القوات الكردية؟؟ في حين أنه يرفض جميع المبادرات ومشاريع الحل والضمانات الأمنية التي تقدمها استراتيجية أمريكا، بأن القوات الكردية في سوريا لا يشكلون خطراً على أمنها، وتركيا تعلم جيداً أن أي من هذه الترتيبات التي تطرحها أمريكا وبعض حلفاءها الأوروبيين والإقليميين سوف تقيد أيدي الدولة التركية، وتمنعها من حرية التحرك وارتكاب المجازر وتدمير المناطق الكردية، وتحتلها وتُحدث فيها تغيرات ديمغرافية وغير ذلك.
منذ تشكيل الدولة التركية الحديثة على يد مصطفى كمال وصولاً إلى عهد أردوغان ينظرون إلى الكرد كأنهم مخلوقات وكائنات منبوذة منحطة وأدنى درجة وراثياً مقارنة بالأتراك، وهم يشكلون وباءً بالنسبة لتطور تركيا، لذا فالقضاء عليهم من أولويات العقلية الأيديولوجية التركية المتنفذة، فاقترافهم لكل هذه الجرائم منذ أكثر من قرن، والمجازر الوحشية التي ارتكبوها ضد الكرد هم لا يحسبونها جرائم ومجازر ضد الإنسانية، إنما عمليات تطهيرية مشروعة لحماية الأمن والتطور ونمو المجتمع والاقتصاد التركي.
ترى الذهنية التركية ونظرتهم الاستعلائية بوضوح عندما ينظرون إلى الكرد كعبيد مجردين من إنسانيتهم، عندما يصرحون بأنهم عشائر جبلية متخلفة غير منسجمة لا دين ولا ثقافة لهم، لا يستطيعون إدارة أنفسهم ولا يحق لهم تطوير إداراتهم المستقلة، ولا تطوير لغتهم وافتتاح مدارس ومعاهد وجامعات باللغة الكردية. تماماً كما كان يصف الأوروبيين الإسبان والإنكليز سكان أمريكا الأصليين الذين سمتهم بالهنود الحمر، بأنهم وحوش مصاصي الدماء يأكلون زيجاتهم وأولادهم وقاموا بقتل عشرات الملايين من البشر من شعوب وأمم وثقافات مختلفة، وقاموا باستبدال شعب بشعبٍ وثقافة بثقافةٍ أخرى واستوطنوا مكانهم بعد القضاء عليهم، فما تقوم به تركيا ضد الكرد تعتبرها مهمة مقدسة موكلة للقيام بذلك.
تردد تركيا ورئيسها أردوغان بأن الكرد شكلوا قوات عسكرية على حدودهم الشمالية، ويتهم الدول الغربية وأمريكا بدعم تلك القوات بالأسلحة والمساعدات ويقومون بتدريبهم؟؟ ولما لا؟؟ لماذا يتم حرمان هؤلاء البشر من قوات عسكرية لحماية أنفسهم، وبالقرب منهم هناك جيوش جرارة مسلحة بأحدث الأسلحة الثقيلة والطائرات والدبابات والأقمار الصناعية ؟؟ لماذا يحرم شعب من حق التسلح في حين يتم ممارسة الإبادة بحقه منذ قرن ومن قوات تحميهم بينما يحلل للآخرين؟؟هل يعترفون بإنسانية الشعب الكردي كمجتمع وشعب يحق له العيش على أرضه التاريخية، كما يريد أم لا؟؟ يدّعون السلام ونصرة المظلوم بينما يملكون أسلحة مدمرة تفوق ملايين المرات الأسلحة التي في يد الكرد، ويتهمونهم بالإرهاب وأنهم مصدر الخطر على أمن دولتهم؟؟
بالنسبة للكرد وما لحق بهم من تراجيديات مأساوية ومن فظائع على يد الدولة التركية أكثر بكثير مما وصفهم وليم ايوارت غلادستون وجورج هورتون.
هل فعلاً فُوِضَت الدولة التركية والجماعات الإسلاموية بإبادة الكرد؟؟
ولنعد إلى موضوع استخدام أردوغان وحكومته المجموعات المرتزقة الراديكالية لإبادة شعب كامل مسلم، فقط لأنه يريد العيش حراً بهويته وثقافته ولغته ويدير نفسه بنفسه؟؟هل هذه خطيئة كبرى ليتم معاقبته هكذا بيد سلطة عنجهية لا تعرف الرحمة والشفقة؟؟ إن ارتكبت الدولة التركية إبادة بحق الشعب الكردي في سوريا، سوف نعتبر ذلك مذبحة للأبرياء الذين لا ذنب لهم، وإن لم يقف المسلمين والعرب والعالم الإسلامي في وجه هذه الجرائم التي يرتكبها الجيش التركي، ومجاميعه المرتزقة المتطرفة في عفرين، ستحاول الدولة التركية توسيع نطاق عملياتها لتصل إلى أقصى الحدود الشرقية من سوريا، والدولة التركية تصرفت كعاهرة بابل (وصف مأخوذ مجازاً من إنجيل يوحنا لوصف عذابات المسيحيين على يد الإمبراطورية الرومانية) منذ أكثر من قرن من الزمن مع الشعب الكردي حيث ارتكبت الإبادة الجماعية بحقهم غير مرة، ولا زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر بسفك دماء الكرد.