أقاصيص بطولية في ذكرى تحرير مدينة منبج

88
تحقيق / آزاد كردي –

بعد زهاء عامين من استيلاء مرتزقة داعش على مدينة منبج، أذاق خلالها ألوان من الغصات والويلات للمواطنين، بسبب تضييق الخناق والحصار الجائر، وبعد كثرة الإعدامات التي طالت شبان وشابات منبج. بدأت تتعالى الدعوات من قبل المواطنين؛ لقوات قسد وللتحالف الدولي  لتخليصهم من هذا السرطان الخطير الذي تغلغل في شرائح المجتمع، وبدا أن المعركة القادمة، ستكون تحرير مدينة منبج.
سيطرة قوات قسد على سد تشرين
ما كانت معركة تحرير مدينة منبج لتبدأ إلا أن قطع طرق الإمداد الذي كان يتلقاه داعش بمناطق شرقي الفرات، وتتضمن خط صرين وجنوب كوباني، وتحديداً في قرية الصهاريج، وتتضمن أيضاً؛ السيطرة بلدة تشرين في الريف الشمالي لمدينة الرقة، إضافة إلى السيطرة على سد تشرين الذي كان داعش ينقل أسلحته ومقاتليه عن طريقه باتجاه المناطق الشمالية. ونفذ التحالف الدولي غارات عديدة لمدة ثلاثة أيام متتالية في عدة مواقع لداعش في الجهة الشرقية للسد. ودارت خلالها اشتباكات بين قوات قسد ومرتزقة داعش استطاعت قسد تحرير ثمانية قرى، الواقعة بالقرب منه في اليوم الرابع من إطلاق عملية تحريره، وأدت المواجهات إلى سقوط العشرات من مسلحي داعش بين قتيل وجريح في مراكز ونقاط وحواجز على خطوط الاشتباكات. كما كانت فرق الهندسة لقسد تقوم بعملها على قدم وساق في إزالة الألغام وتفكيك المفخخات التي زرعها المرتزقة قبل تراجعهم إلى مناطق الخلف في الجهة الغربية من السد.
 وتبرز أهمية السد  لموقعه الاستراتيجي بين مناطق شمال شرق سوريا، وبين مناطق الداخل، إضافة إلى كونه يوفر الطاقة الكهربائية للمنطقة قاطبة، إذ يبعد عن مدينة حلب حوالى 115 كم، وعن الحدود التركية حوالي 60 كم، و80كم عن مدينة الرقة. والسيطرة على السد، تمهد الطريق من أجل القيام بعمليات أو حملات في المستقبل لتحرير منبج.
 الاستعدادات الأوليّة للتحالف وقوات مجلس منبج العسكري لتحرير مدينة منبج
منذ تمكن قوات قسد السيطرة على سد تشرين، الذي يعتبر البوابة من شمال إلى شرق الفرات، بدأ التفكير جدياً بتحرير مدينة منبج من داعش. ولذا بدأ الاستعداد من قبل التحالف بنشر خبراء ومستشارين على الأرض من أجل تقديم الدعم اللوجستي والفني، وعمل الخبراء أيضاً على إبطال مفعول القنابل والألغام التي زرعها مرتزقة داعش في أنحاء مدينة منبج وريفها. وقد وصف المتحدث العسكري الأميركي في العراق، الكولونيل” كريس غارفر”، بوقت سابق إطلاق حملة لتحرير منبج بالقول:” تعد مدينة منبج نقطة استقبال رئيسية للمقاتلين الأجانب عند وصولهم إلى سورية، وبمجرد دخول المقاتلين الأجانب، يتم فحصهم، ومعرفة لغاتهم، وعما إذا ما سيتم تكليفهم بمهام مختلفة، ومن ثم إرسالهم إلى الوجهة المحددة التي من المقرر أن يذهبوا إليها سواء كان في سورية أو العراق”.
كما وأشار مستشار القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية؛ ناصر الحاج منصور، إلى أهمية تحرير منبج قائلاً:” تشكل منبج التي تخطى عدد سكانها الـ400 ألف نسمة قبل اندلاع الأزمة في سورية، التي تحولت بعد سيطرة مرتزقة داعش عليها في العام 2014 إلى نقطة تجمع للمقاتلين الأجانب المتشددين، سواء القادمين من أوروبا باتجاه الرقة والعراق أم الخارجين من الرقة إلى تركيا، فالدول الأوروبية، ويعد سقوط المدينة خسارة مؤثرة لداعش بالنظر لأهمية المدينة”. ولهذا الأمر اجتمع التحالف الدولي مع بعض القيادات في قسد؛ لإطلاق حملة تحرير منبج في 30من آذار في عام 2016 شكل ستة فصائل من قوات سوريا الديمقراطية “قوات مجلس منبج العسكري”؛ لتمهيد الطريق من أجل الهجوم على منبج. وقد عرض التحالف الدولي على الدولة التركية؛ المشاركة في تحرير المدينة، إلا أنها رفضت بحجة وجود وحدات حماية الشعب بيدَّ أن التحالف علّق بالرفض على مطلب تركيا، ودعم قوات مجلس منبج العسكري؛ بمختلف المعدات والعتاد؛ استعداداً لخوض المعركة القادمة.
حملة الشهيد فيصل أبو ليلى؛ لتحرير المدينة
ولد فيصل سعدون – أبو ليلى في مدينة منبج من عام 1984م، من أسرة كردية مناضلة، وقد شكّل مع عبدو مصروع جبهة الأكراد في عام 2012 م، ثم غيّروا الاسم إلى أحرار سورية. أكمل نضاله مع أحرار سورية دون صديقه في منبج حتى وصول داعش إليها عام 2013 وكان آخر فصيل في منبج، يقاوم ضد داعش، في المقابل كان هنالك 88 فصيلاً للفصائل المسلحة للجيش الحر في منبج، اتفقوا في بادئ الأمر على مقاتلة داعش، إلا أن جميعهم فيما بعد قاموا بمبايعة داعش سراً، وهاجموا أحرار سورية، مما اضطرها للانسحاب من منبج، واستقروا في قرية قرقوه زاق، وبقي أبو ليلى برهة من الوقت، ثم انسحبوا إلى قرية قروج أثناء مهاجمة داعش لمدينة كوباني في 15 أيلول، فقاوم في كوباني، واستشهد ثمانية من رفاق دربه، وكان عدد جنوده حوالي المئة. وحاول الأتراك أكثر من مرة؛ إغراء أبو ليلى بالمال للانسحاب من كوباني، وذلك بعرض الرواتب والأموال وأشياء أخرى، لكن أبو ليلى رفض كل العروض، وقال لهم بالحرف الواحد:” ماذا سأقول لذوي رفاقي الشهداء الثمانية!؟ هل أقول، قتلت أبناءكم، وهربت”!؟ كما عرض عليه العقيد عبدالجبار العكيدي أيضاً؛ مبالغ كبيرة من المال، إضافة إلى المنصب الكبير، مقابل انسحابه من كوباني، لأنه يعلم أن بانسحاب أبو ليلى، ستنتهي المقاومة في كوباني. حين بدأت حملة منبج، ولم يكن الأتراك حينها موافقين على دخول الكرد إلى الطرف الآخر، حجتهم في ذلك أن حدّهم هو ما قبل السدّ من الشرق، وبما أن أبو ليلى قاتل في منطقة ذات أغلبية عربية، واسمه أيضاً يوحي بأنه عربي، وخاصّة أن كتيبته كانت ضمن ألوية كتائب فجر الحريّة المسماة بشمس الشمال، فقد اتُفق على تولي قيادة أبو ليلى لحملة منبج؛ كونه منها، وثمة أمر آخر فأبو ليلى ذاهب لتحرير بلدته، وهكذا قاد تلك الحملة.
محطات من المعارك الشرسة، واستشهاد أبو ليلى
بدأت الحملة على محورين اثنين، أحدهما من جهة قره قوزاك، والآخر من سد تشرين بتقدم سريع وخاطف حتى وصلوا مشارف قرية أبو قلقل، ووقع بعض رفاق أبو ليلى في كمين، وكانوا خمسة أشخاص، دخلوا إحدى القرى على أساس أن القرية خالية، ولكن المفاجأة، بخروج خمسين داعشي، وأحاطوهم وحاصروهم. وذهب أبو ليلى على الفور لنجدتهم، بالرغم من محاولات الرفاق لمنعه كونه لا يزال مريضاً إثر إصابة تعرض لها في معارك كوباني. فقام أبو ليلى بنجدتهم من الكمين، إذ قام بتفجير البيت الذي يتحصن به الخمسين داعشي بالسلاح الثقيل والدوشكا، فلم يتمكن أياً منهم النجاة بل أحرق البيت بمن فيه. وأثناء عودة أبو ليلى إلى نقطته العسكرية، استُهدف إما بقذيفة هاون أو بصاروخ حراري، وكان حينها قد جلس للتوّ بين رفاقه العائدين من المعركة، ويكون أبو ليلى بذلك قد استشهد في سبيل تخليص رفاقه من الكمين، والمضحّي الأول من أجلهم. ونقل أبو ليلى على إثرها على متن حوامة أمريكية إلى مدينة السليمانية في دولة العراق الشقيق للمعالجة، لكنه استشهد بعد خمسة أيام جراء الإصابة البليغة.
 حصار ريف مدينة منبج خلال عشرة أيام
بعد استشهاد أبو ليلى مع انطلاقة الحملة في الخامس من حزيران، وبعد مضي عشرة أيام، تمكنت قوات مجلس منبج العسكري من السيطرة على الطريق الدولي منبج-حلب، من الجهة الغربية لمدينة منبج، لتحكم حصار المدينة، من خلال السيطرة على مبنى جامعة الاتحاد. كما وسيطرت تلك القوات على قرية الياسطي في الجهة الشمالية الشرقية، والتي تبعد مسافة 3 كيلومترات عن مركز المدينة، وكذلك سيطرت على قرية الشيخ عابدين في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة وتبعد حوالى كيلومترين من مركز منبج، وكذلك سيطرت قوات قسد في الجهة الشمالية إلى حدود قرية الشويحة. ومن الجهة الجنوبية الشرقية
تمكنت قوات مجلس منبج العسكري من تحرير ست سيدات إيزيديات و15 طفلاً خلال سيطرتهم على قرية خربة الروس في الريف الجنوبي للمدينة. وباتت على بعد كيلومتر واحد فقط عن المدينة من هذه الجهة. وبذلك يرتفع عدد القرى التي سيطر عليها مقاتلو مجلس منبج العسكري منذ بدء الهجوم على داعش في 31 أيار  إلى 75 قرية في محيط منبج. ويرافق هذه القوات عدد من المستشارين العسكريين الفرنسيين، وكان وزير الدفاع الفرنسي؛” جان إيف لودريان”، قد ألمح سابقاً إلى وجود جنود فرنسيين مع جنود أميركيين إلى جانب قوات مجلس منبج العسكري في معركة منبج. وتستمر المعارك بين قوات قسد وداعش حيث عمد الأخير إلى إشعال مادة الفيول والدواليب في أطراف المدينة؛ للتشويش على طيران التحالف الدولي، وتمويه حركة عناصره الذين بدوا متخبطين، وسط انسحاب العديد منهم مع عائلاتهم إلى مدينة الباب، بسبب كثافة القصف الجوي من قبل طائرات التحالف الدولي، وبطولات مجلس المجلس العسكري.
تحرير مدينة منبج
بعد خطوات سريعة من القتال، استمات داعش  للدفاع عن مدينة منبج، إذ كان يرى أن مساحات الريف مكشوفة، وعصية عن الدفاع، وتسببت له بخسائر فادحة بالأرواح، فحاول إعادة ترتيب أوراقه العسكرية؛ كبناء التحصينات، وحفر الأنفاق في المدينة. مع العلم أن معركة منبج لا توحي باستعدادات داعش لهذا الأمر لفقدانه إياها، ويتناقض تقهقره مع أهميتها الاستراتيجية. إذ كشفت المعركة مدى الحالة التي يعيشها داعش من التخبط، وانعكست بانسحاب قواته المتتالي من الريف، وتحصنه بدفاعات ضعيفة في مداخل المدينة، ما يشير إلى إمكانية تسليمه لها في المستقبل، ولكن بشكل تدريجي. واعتمد مرتزقته على حرب الشوارع والسيارات المفخخة، التي كانت تقصف للوهلة الأولى من طيران التحالف. وأطبقت قوات قسد على داعش الذي تمركز في الجنوب، وهو حي الحزاونة، ثم تراجعوا بعد ذلك إلى المربع الأمني مع زحف قسد إليهم من كافة المحاور، وبكثافة نيران واقتحامات كثيرة، أخفق بعضها أحياناً، ثم تقهقروا إلى حي السرب الواقع في الشمال؛ حيث كان آخر الأحياء في الأجزاء الشمالية، قبل فراره منها، مع بقاء بضع عناصر الذين لقوا حتفهم. وبالفعل مع تأني قوات مجلس منبج العسكري اقتحام المدينة خشية على وجود مدنيين، يستخدمهم داعش كدروع بشرية، وانحسار نطاق سيطرتهم ضمن الحي. وقد صرّح  المتحدث باسم التحالف العقيد؛ كريس جارفر وقتذاك:” إن الوتيرة التي يتحركون بها الآن والسرعة التي يحاربون بها العدو، نعتقد أنها ستكون مسألة أيام قبل أن يقوموا بتنفيذ هجوم التحرير النهائي على المدينة”، وأكد على أن القوات المشاركة في عمليات تحرير منبج، ستتمكن من تحقيق تقدم هائل في استعادة الأراضي، وعزلهم بالكامل”. كما أعلن المتحدث باسم مجلس منبج العسكري؛ شرفان درويش قائلاً:” أن قوات مجلس منبج العسكري أصبحت على مشارف منبج، لكن بسبب وجود مدنيين، أردنا أن نتريث بشأن دخول المدينة، حتى ينجلي كافة المدنيين، ونستطيع الدخول إليها وقتما نشاء”، وأضاف: “أستطيع أن أقول إن موضوع تحرير منبج أصبح محسوماً”. وبالفعل ما هي إلا أيام قليلة حتى تمكن مجلس منبج العسكري من اقتحام المدينة، أوائل شهر آب، مع بقاءهم عدة أيام لتأمين المدينة، وتمشطيها من الألغام والمفخخات، حيث أعلن عن تحريرها في 15/8/2016بعد أن قدم قرابة 300 شهيد دمهم فداءً لتحرير المدينة من المرتزقة.