الأوضاع المدنية في منبج إبَّان سيطرة داعش

294
تقرير / آزاد الكردي –

لا شك أن داعش حاول منذ البدايات الصعود إلى الساحة السورية، وكان واضحاً أنه يؤسس لهدف بعيد المدى، وهو يختلف تماماً عن باقي الفصائل والجماعات الجهادية التكفيرية، فأيديولوجيته تستند في مضمونها إلى تطبيق الشريعة القائمة. ما جعله أكثر من فصيل عادي يحارب خصومه فحسب، وإنما أخذ يوظف جميع الإمكانات المتاحة لتحقيق ذلك، عبر إنشاء الدواوين والهيئات والمكاتب وغيرها، موازناً بين حجم التمويل المالي والتسهيلات من الدولة التركية لعبورهم إلى مناطق في سورية، إضافة إلى تسخير كافة الوسائل للضخ الإعلامي الكبير. وما ساعد على سرعة انتشاره، هو تطويع كافة السبل والطرائق، إلى جانب تذليل العقبات لمصلحته، إلى جانب ممارسة سياسة التنكيل والقتل والصلب والرجم.
 إحكام القبضة الحديدية على الخصوم ومفاصل المدينة  
منذ الأيام الأولى من استيلائه على منبج، عمل داعش على مسارين اثنين، ليتسنى له إحكام قبضته على ما تبقى من خصومه بالمدينة، وكذلك الأمر فيما يخص المناوئين له، فشن حملة أمنية شديدة، ألقى من خلالها القبض على عدد كبير من مسلحي الفصائل المسلحة، وكان من نتائجها أن أعدم العشرات؛ بحجة انتمائهم لفصائل الصحوات، وصلب أيضاً العشرات على بعض الدورات مثل؛ دوار الشرعية والكتاب والدلة وغيرها، أولهما؛ توطيد الأمن إثر الحملة التي أعلن بعدها سيطرته على المدينة، عبر سياراته التي جابت أرجاء المدينة، وألقى القبض على الخلايا المتبقية من مسلحي الفصائل الثورية؛ واعتبر داعش أن قتالهم؛ أولى بكثير من قتال بقية الأطراف على الأرض في الصراع السوري؛ وهذا ما روج له أن قتال مسلحي الفصائل المسلحة؛ وأنه يقع تحت بند حكم الردة، وثانيهما؛ إسراع داعش بإنشاء الدواوين والمكاتب والهيئات على غرار ديوان الجند وديوان الدعوة والإرشاد والحسبة، وكذلك إحكامه قبضته القوية على الموارد الحيوية؛ كالمنشآت والمعامل والورش الكبيرة والبيوت والعقارات، وبخاصة تلك التي  غادر أصحابها إلى تركيا، وبقيت تحت رحمة مكتب الغنائم، وكذلك إحكامه على الموارد العينية من آثار، فأحيلت بموجب ذلك لصالح ديوان الفيء والركاز. ومن شدة التضييق والحصار، أن أُفرغت المدينة بعدما سكنها مسلحو داعش الأجانب إلا من القليل من المواطنين الذين لا يزالون على قيد عملهم بالوظائف العامة للدولة السورية، وبعض التجار، والصناع الأمر الذي جعل منبج خلال برهة من الوقت، تكتظ بالمسلحين من داعش، مستفيداً من أهميتها الجغرافية كونها البوابة الأولى للداخل السوري.
 اتباع سياسة الكيل بالطاعة مقابل الكيل بالخدمات الاجتماعية
سلك داعش مبدأ فرض الطاعة العمياء مقابل بعض تقديم القليل من الخدمات الاجتماعية، لذا كان وضع يده على أهم مصادر تمويله، تهدف بالدرجة الأولى إلى الإعلان أمام المواطنين، أنه قادر على تقديم ذلك، مستغلاً ما تنعم به مناطق سيطرته من مصادر خام؛ كالنفط والفوسفات والغاز والزراعة والكهرباء، وبما يتوافق بحسب طاعة الرعايا له، وإلا فإن جزاء من نافسه على مصادر تمويله أو ضده بشكل عام؛ الإعدام، كما حدث في الإضراب السلمي، إذ تعتبر منبج أول مدينة سورية تنفذ إضراباً سلمياً مدنياً على ممارسات داعش بتاريخ 18/5/2014  كما حاول داعش أن يسوق على القنوات الإعلامية أن مناطق سيطرته أكثر أماناً من بقية المناطق إلى جانب أنه يمثل الدولة الوحيدة التي تطبق شرع الله وحدوده، وكذلك فإنه يوفر لذلك أدنى الخدمات الاجتماعية. وأشاع أنه لا يقيم المحاكم إلا لإقامة شرع الله وبلوغ ذروة العدل المطلق، لهذا فإن فرضه لمبادئ الشريعة، تتسم بالطابع النفعي. وطبقاً لسياسته هذه، فقد حول المشفى الوطني إلى مشفى خاص؛ لجنوده العسكريين، وقد أسماه آنذاك؛ بمشفى السيدة عائشة أم المؤمنين. ووصل تردي القطاع الصحي إلى مستوى غير مسبوق؛ بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والأدوية، مما فاقم الأزمة الصحية للمواطنين بالمدينة، كما أثار منعهم من تلقي العلاج، وخروجهم من دار الإسلام- تلك التي تقع تحت نطاق سيطرته- إلى خارجها إلا بعد تقديم إجراءات وموافقات طويلة وشاقة، إضافة إلى تعهد المريض المسافر، بتقديم كفالة عينية؛ للسماح له بالسفر. كما عمد داعش إلى فرض نفسه أنه الأوحد القادر على تحديد الخيار المناسب عن المواطنين، كالمذكرات الكتابية التي طرحها لمعلمي المدارس، طالبهم بها مراجعة مكتب التعليم التابع لداعش، والإفصاح عن توبتهم، وذلك لسبب وحيد، أنهم علّموا بالسابق مناهج دراسية كافرة، ووقعوا في الشرك على حد زعمه. واشترط ممن لا يستجيب، نسف منزله، ولهذا الغرض استبدل داعش المدارس؛ بمؤسسات دينية، كما منع النساء من تلقي التعليم، تحت قاعدة الأنثى” الدر المصون ملكة في منزلها”، وفرض عليها الحجاب لجميع البنات من عمر الخامسة، موجهين إنذارات شديدة اللهجة على يخالف التعليمات من الأهالي. ومهددين بتزويجهن من أحد عناصره. أما جامعة الاتحاد غربي منبج؛ الكائنة على طريق حلب، فقد أحيلت إلى جامعة دعوية؛ باسم جامعة بني أمية، كما حول مدرسة زيدان حنيظل القريبة من دوار اللؤلوة لسجن مركزي كبير لكافة المخالفين والخصوم أيضاً، أما مدرسة ثانوية البنات التاريخية، فتحولت إلى مركز تعليمي، خاص بأمير تابع لديوان التعليم. كما فعل ذات الشيء حين حوّل المساجد أيضاً إلى أمكنة، لتلقي الدروس الشرعية التي تقام عادة للمواطنين الذين اجتنحوا ذنباً صغيراً وفق تفسير داعش، فهو موجب من باب التعزير من باب العلم بالشيء. ولعل أخطر ما في هذه الدورة ليس العبادات التي تختص بالطهارة والصلاة، وإنما في أمور العقيدة التي من شأنها أن يكون المسلم أمامها على مفترق طرق، أحلاهما مرّ، فهو أما خارج النواقض العشر، وهو مما يعني أنه سيحل دمه، وأما أن يبقى تحت الطاعة العمياء، كما حدث بحادثة مقتل شاب؛ لمجرد أنه ادعت عليه امرأة لداعش أنه يعمل بالسحر، وتبين فيما بعد أنه بريء.
 الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة بظل داعش في منبج
استغل داعش ما تبقى من البنى التحتية للمدينة شرَّ استغلال، والتي إن سلمت؛ كبناء في ظاهرها، فهي لم تسلم أبداً لفقدانها الكثير من جاهزيتها التامة، إذ وصل بعضها إلى حالة ترثى من الدمار الجزئي أو الكلي، وبسبب غياب مظاهر استتاب الأمن والتنظيم، فقد خلّف المزيد من مظاهر السلب والنهب، فمثلاً فقد بيعت آلالات لخطوط الإنتاج بالفرن الآلي، وكذلك سرقة الأجهزة الطبية في المشفى الوطني، أو قطعاً من الأجهزة بسد تشرين من أجل توليد الطاقة الكهربائية وغيرها. لذا استفاد داعش من تجربة الفصائل المسلحة في العبث والاقتتال والفوضى السائدة؛ بفرض أسس لقيام دولة لا تقوم على هذه المظاهر. وإنما يحاول مع الوقت تأمين متطلبات الدولة الناشئة. ففي مجال الطاقة استفاد داعش من سيطرته على أكبر السدود في سورية؛ كسد الفرات وسد تشرين؛ للتحكم بإنتاجية الطاقة الكهربائية، ليفرض من وراء ذلك بعض الأمور أهمها؛ أنه فرض على المواطنين، تركيب قواطع كهربائية؛ بسعة عشر أمبيرات للبيت الواحد، مستلهماً النموذج هذا ضمن المناطق التي سيطر عليها في دولة العراق، ما منحه قدرة على تأمين استدامة للطاقة الكهربائية، بينما كانت كافة مقراته تصلها الكهرباء حتى بدون عدادات وقواطع؛ ولجباية الضرائب، بشكل أكثر دقة ومدر للمال، فقد لجأ داعش إلى ربط جباية فواتير الكهرباء بالهاتف الأرضي الموجود في مبنى البريد وسط المدينة. إذ في كل جباية جديدة، يضطر معها داعش إلى فصل خطوط الهاتف على المواطنين والمحال التجارية أيضاً، ويطلب من المسدد أن يفي بفاتورة الكهرباء أولاً، ومن ثم يقوم بسداد فاتورة الهاتف. وكذلك فتح المجال لاستيراد مادة دقيق الخبز بالسوق الحرة، تمهيداً لبيع الخبز بأسعار مضاعفة أثر سيطرته على كثير من صوامع الحبوب في مناطق مختلفة، ولهذا فقد حول الفرن الآلي إلى ديوان الزراعة الذي يشرف على بيع الخبز، بينما تذهب عائداته بالكامل لميزانية داعش. كما حوّل داعش مبنى الحزب سابقاً إلى محكمة إسلامية؛ لفض النزاعات، وكان بكل قضية، يضطر المواطن إلى دفع مبلغ من المال؛ لسداد الضريبة المفروضة تحت مسمى عقوبات التعزير والمخالفات. كما استفاد داعش أن منبج، تعد ممراً حيوياً لتصريف كافة المواد التي تأتي من مناطقه الشرقية؛ باعتبار منبج البوابة إلى مناطق مرتزقة الفصائل المسلحة، الذين يستوردون منه مواد الفيول والغاز والملح وغيرها، ولقاء ذلك كان يفرض مبالغ طائلة على العملاء والوسطاء الذين كانوا يتعاملون مع التسويق تجارياً.
الأوضاع الاجتماعية التي طالت المرأة والمجتمع في منبج
في ظل الحصار الاقتصادي المفروض من داعش على المواطنين؛ نتيجة ما زعم أنه يدافع عن “خلافة على منهاج النبوة”، فقد وصلت الحياة الاجتماعية لمستوى متدن من الانحطاط؛ ولعل أهم أسبابه؛ منعه؛ التعليم بالدرجة الأولى؛ خاصة للمراحل الأولى؛ ما أدى إلى انصراف الشبان عن التعليم، وانشغالهم بميادين العمل المختلفة، وإن كانت فرص العمل، إذ وجدت بشكل قليل، فهو كان سبباً إلى قبول بعضهم للانضمام لداعش بسبب الفاقة التي ضربت المواطنين جميعاً. الفاقة لم تبقَ ولم تذر أحد من تبعاتها بدون استثناء، ومع مرور الوقت أخذ يصدر ديوان الإفتاء الذي مقره فندق منبج، جانب الحمام الأثري؛ قرارات صادمة، تهدف إلى إيقاف جميع المهن التجارية؛ خاصة المخالفة بشكل جزئي أو كامل؛ لقواعد الشريعة؛ كمهنة الحلاقة وبيع الدشات ومستحضرات التجميل، مما أثّر اجتماعياً في خلق روابط منعدمة العلاقات بسبب الخوف من ردة فعل داعش؛ كجلوس المواطنين بالحديقة العامة وسط المدينة مساء، كما وخلق منعه للمواطنين من السفر، أن فرّق النسيج السوري، وذلك بعدم قدرة المواطن على زيارة أقاربه بشكل مريح ضمن بعض المناطق المناوئة له. كما وقام داعش في أيامه الأولى؛ لاحتلال منبج؛ بفرض الحجاب على النساء بطريقة لا تخلو من إذلال وإذعان، فقد كان يرى داعش النساء؛ أداة مهمة في تنفيذ أجندته التي لا يستطيع تنفيذها الرجال، في محاولة منه السيطرة على شخصيتها، وقد سجل ديوان الحسبة الذي مقره السوق المسقوف؛ حوادثاً لا تعد ولا تحصى من قبيل تجاوزات، يعتبرها داعش مخالفة لنص الشريعة إلا أن ذلك الأمر كان محل ريبة بالذات، فهو يحاول مع كل واحدة يأتي بها ديوان الحسبة؛ عرض الزواج عليها لأحد عناصره، وفي حال أنها تأبى، يفرض عليها الخضوع لدورة شرعية لمدة15يوماً ما جعل داعش، يشدد الغلظة في التعامل مع النساء. وارتكب داعش بسجنه الكبير في مدرسة زيدان حنيظل ممارسات وانتهاكات جسيمة بحق المرأة، تعد الأبشع في التاريخ الإنساني. فقد عثرت قوات مجلس منبج العسكري على غرف صغيرة لا تزيد مساحتها على المتر الواحد. وكانت تعتقل المرأة به لمن خالفن أوامره، كما وجدت في داخله حبوب مهيجة ومخدرة ومانعة للحمل، كانت تستخدم؛ كأداة لتعذيب النساء، إلى جانب صور لألوان من التعذيب التي كانت تتعرض لها المعتقلات في سجون داعش. ومن بينها وسادات مخضبة بالدماء منتشرة على أرضية الزنزانة المظلمة، والمبنية بالخرسانة. كما كانت حيطانها المقشرة مغطاة بآيات قرآنية وابتهالات دينية، كانت على الأرجح المكان المخصص؛ لاحتجاز السبايا اللاتي كان مسلحو داعش يجبرهن على ممارسة الجنس معهم في الزنزانة. ومن بين الصور أيضاً وعاء مخصص لأكل الكلاب مصنوع من البلاستيك. علاوة على مشط حريمي موجود أعلى وسادة مصنوعة من الساتان الأزرق، وعثر أيضاً على أدوات تعذيب وحشية ومخدرات ووسائل منع حمل ومنشطات جنسية. كل هذه الظروف أشعلت في نفس المرأة نيران الحقد والضغينة؛ للانتفاضة بوجه داعش، فكانت المرأة المنبجية من أولى الفئات مشاركة في الحراك ضد داعش، من بداية الحملة التي شنها مجلس منبج العسكري في 31/5/2016.