استنتاجات حول الاتفاق بين دولة الاحتلال التركي وأمريكا

108
رياض درار –

هي آلية أمنية مستدامة؛ سيتم إنشاؤها على مراحل، سواء أسموها ممراً للسلام أم منطقة أمنية أم آمنة. وسيتم الحديث عنها وتطوير شكلها ونسبة التدخل فيها عبر مركز عمليات للتنسيق والإدارة ومواصلة التخطيط والتنفيذ التي تعالج المخاوف الأمنية لدولة الاحتلال التركي وتضمن عودة السوريين إلى بلادهم، واستمرار مطاردة داعش وهزيمته. وهذه الآلية تتطلب الخوض في تفاصيل، أقربها المسار الذي بدأ في منبج وهو منع التدخل في شرق سوريا مقابل بعض المزايا للطرف التركي، والتي تشغله عن استمرار التهديد حتى تنتهي المهمة في شرق سوريا.
ما هي خلفية هذا الاتفاق المبدئي وبعض النتائج عنه؟
ـ أمكن نزع فتيل التوتر في إطار التسوية في حدها الأدنى، مع استمرار التفاوض وهو ما جنب الاحتلال التركي الانزلاق إلى مواجهة مع الناتو؛ الأمر الذي لا قبل لها به ولا ترغب أن يتكرر كما حدث لها في مواجهة ما بعد إسقاط الطائرة الروسية.
ـ في الوقت نفسه؛ أكد الاتفاق أن قوات سوريا الديمقراطية قوة تلقى الاعتراف بها، وأن نهجها السياسي لا يستهان به ولا يمكن تجاهله، وأن دورها في رسم مسارات المنطقة قادم بلا تردد. وهو ما تؤكده مؤشرات قيام واشنطن بتكثيف الحضور في مناطق شمال وشرق سوريا، بشكل مباشر عبر تعزيز قدرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والاجراءات الأمنية المكثفة لمواجهة ما يسمى الولايات الأمنية لداعش، المتمثل بالخلايا النائمة والقادة المتوارين في أكثر من منطقة. وأن التهديد التركي هو مبرر لهذا الخوف ومسببا في شلل المواجهة، عدا ما تسببه الفوضى من فلتان أمني لا يمكن معه التكهن لما سيحدث مع أسرى داعش الذين يعدون بالآلاف.
ـ إن أمريكا يهمها التوصل إلى اتفاق وقد هالها هذا التقدم والانجرار التركي للسقوط في أحضان روسيا، والانصياع لمساراتها، وشراؤها للسلاح الروسي مخالفاً بذلك موقف أمريكيا من مسألة التعامل مع الأسلحة الروسية. ودخولها في حلف مشترك مع إيران يمكن أن يؤدي إلى تخفيف الحصار الاقتصادي عنها، وهو ما تقوم به  دولة الاحتلال التركي عبر اتفاقات عديدة. ويهمها ذلك خوفاً من تطور الاتفاق الثلاثي إلى حلف بمواجهة المشروع الأمريكي، والذي تسعى روسيا لتعميمه حول لا شرعية الوجود الأمريكي في المنطقة، وأن أي اتفاق تركي معها يمنحها وضعاً مختلفاً.
ـ دولة الاحتلال التركي كانت قد استفادت من تفاهمها مع روسيا بمقايضة أرض سورية مقابل تصفية القوى والفصائل المسيطرة على أجزاء محيطة بدمشق وبعض المدن الأخرى، وهي ساهمت بنقل هذه الفصائل إلى مناطق إدلب ومحيطها، ومرة أخرى تساهم في المقايضة عليهم مقابل ما تسميه المنطقة الآمنة. وهي بذلك تسعى لتغيير ديمغرافي للمنطقة، والقضاء على المشروع الكردي. ومن خلال ممر السلام تعيد السيطرة على ما يقربها من الميثاق الملّي، حلم العثمانية الذي انكسر في معاهدة لوزان، الذي يرى فيه تخلياً عن قيادة المسلمين، ورضى بقطعة صغيرة من الأرض.
ـ شلل مسار آستانا وطرح مشاريع جديدة يمكن للاحتلال التركي أن تلعب دوراً فيها، وهي تسعى لكسبها عبر اعتراف أمريكي، ذلك أن الثقة بروسيا أضعف لديها وليس كالثقة بأمريكا. وتعرف أن مشاركتها في آستانا عمل وساعد على إعادة سيطرة النظام من جديد ما يفقدها ثقة السوريين الذين منحوها قيادهم، وساروا معها للنهاية، وخدموا أجنداتها في الحضور على الساحة السورية وتقاسم الكعكة فيها. إن إشارات الفشل تبدت في التطورات الميدانية والسياسية فور إسدال الستار على الجولة الأخيرة من المفاوضات، الذي تأكد مع انفجار الوضع مجدداً في إدلب، والانهيار السريع للهدنة التي أعلنت في إطار هذه المفاوضات، وعودة شبح الحسم العسكري إلى الواجهة.
ـ تراجع مسار آستانا خفف مجال الترويجات الروسية عن اقتراب الحل وفق هذا المسار، الذي لم يخفف التوتر كما ادعت، ولم يستطع المساهمة في جلب الأطراف إلى عملية سياسية، ولم ينفع مؤتمر سوتشي الاحتفالي  في تقريب الحل، ولا شفع في تشكيل اللجنة الدستورية التي ما زال مصيرها غامضاً، واللعب على الوقت واضحاً دون أمل منها حتى في حال تسمية أعضائها؛ لأنها تتجاهل الهدف الأول من القرار 2254 الذي يدعو لإطلاق عملية سياسية تفضي إلى قيام هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية. ثم هذا المسار استبعد طرفي النزاع وجعل مشاركتهم على هامش الحوار بين موسكو وأنقرة وطهران. وهو محكوم بالفشل بإعراض الجانب الأمريكي عنه.
ـ ملاحظة الخلاف الروسي الإيراني في الصراع في سوريا، وأنه يأخذ دوراً أكبر في التفاهمات مع دولة الاحتلال التركي مع استمرار التصعيد في إدلب التي تراها تركيا من حظها في رسم النهايات، وتطلب التمهل وعدم الاسراع في المواجهة فيها؛ لأنها بذلك تضمن السيطرة الكاملة عليها، ليكون لها الدور الأوفى في مصير سوريا بعد الاتفاق، وهو ما يضع مزيداً من التعقيدات بين روسيا وتركيا. وروسيا ترفض أيضاً الرؤية التركية في المنطقة الآمنة وترى حدودها عند اتفاق أضنة وتحذر من أية خطوات أحادية تقوم بها أو تتفق مع الجانب الأمريكي عليه، وهو ما ترفضه تركيا وتراه معرقلاً لأهدافها التوسعية.
هذه بعض نقاط تمثل خلفية الاتفاق وما خفي دائماً أعظم.