هدية يوسف: “التفاهم الكردي التركي سيخدم الاستقرار والأمن في المنطقة”

179
حوار/ صلاح إيبو –

أكدت الرئيسة المشتركة لفيدرالية شمال وشرق سوريا هدية يوسف في حوار أجرته صحيفتنا معها حول أبعاد التهديدات التركية الأخيرة وما الهدف منها ولِما الآن؛ قائلة: “إن التهديدات التركية هذه تشكلٍ خطراً جاداً على المشروع الأمريكي في المنطقة وليس على إبادة الكرد فقط، وهذا سيدفع أمريكا لإيجاد توافق حقيقي بين قوات سوريا الديمقراطية وتركيا؛ لمنع تطور الأوضاع السياسية والميدانية لصالح روسيا وحدوث حرب إقليمية لا تُحمد عقابها”، وأشارت إلى أن موضوع إنهاء الاحتلال التركي لعفرين هو الخطوة الثانية بعد الاتفاق على المنطقة الآمنة وتحديد آليات معينة تضمن استمرار المشروع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا.
وجاء الحوار على الشكل التالي:
ـ المنطقة الآمنة التي يتم الحديث عنها تخدم منْ؟ وكيف يمكن للقوى المتداخلة في سوريا التعامل مع مستجدات الوضع إن حدث أي هجوم على شمال وشرق سوريا؟
اليوم وصل الصراع الدولي والإقليمي في سوريا إلى ذروته، وبالتالي بات الصراع أمام خيارين لا ثالث لها إما المواجهة المباشرة أو الاتفاق الدائم، وتحولت الساحة السورية لساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية لكلٍ منها مشاريعها الخاصة.
والقوى العظمى في المنطقة هي “روسيا وأمريكا”، روسيا اتخذت استراتيجية جديدة لمقارعة أمريكا عن طريق دولة الاحتلال التركي عبر الاتفاق التركي الروسي حول السماح لتقدم قوات النظام في بعض المناطق بريف حماة وإدلب، شرط حفاظ الاحتلال التركي على نفوذها في مناطق محددة بإدلب، ومقابل ذلك تُطالب روسيا من تركيا بمهاجمة شرق سوريا وهذا يؤكد أن التهديدات التركية لشرق الفرات أكبر من إبادة الكرد، والهدف الأساسي هو ضرب المشروع الأمريكي في شرق سوريا. وهنا تتوقع روسيا أن أمريكا لا تستطيع مواجهة دولة في حلف الناتو، وبالتالي عليها التخلي عن الكرد، وإن انسحبت تفقد مكانتها السياسية والعسكرية وهذا يضعف الدور الأمريكي. لكن؛ ما يحدث اليوم في سوريا، هو أن روسيا تحاول فرض هيمنتها السياسية على النظام السوري والقرار السياسي السوري، وهذا واضح للرأي العام العالمي، أما الوجود الأمريكي في سوريا كان بهدف محاربة إرهاب داعش، وتم الإعلان عن هزيمة داعش عسكرياً بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما أعطى الولايات المتحدة الأمريكية نصراً سياسياً في العالم أجمع، وبالتالي باتت هي في موقف المنتصر مقابل الروس. وتحاول روسيا اليوم دفع دولة الاحتلال التركي للهجوم على شرق سوريا؛ بهدف إضعاف الدور الأمريكي وضرب مشروعه، عدا عن محاولته ضرب المشروع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا. في المنطقة حالياً ثلاث قوى تتحضر للهجوم على شمال وشرق سوريا، القوات التركية ومرتزقتها، إضافة لقوات النظام المدعومة روسياً في الضفة الغربية لنهر الفرات المقابلة لدير الزور، والحشد الشعبي في جنوب سوريا للانقضاض على التنف وإنهاء الوجود الأمريكي والغربي، وإن حدث الهجوم فإن أكثر من قوة ستنخرط في القتال وهو ما يعني حدوث حرب إقليمية وربما عالمية لا تستطيع لا روسيا ولا أمريكا دفع فاتورتها في الوقت الحالي.
ـ ماذا تستفيد دولة الاحتلال التركي من إطلاق هذه التهديدات في الوقت الحالي إن لم تكن مستعدة للقتال؟
تعاني دولة الاحتلال التركي حالياً من وضع سياسي داخلي متأزم، إضافة للأزمة الاقتصادية وتخوفها من فتح ملفات أخرى مثل طرد تركيا من حلف الناتو وفرض عقوبات أشد عليها نتيجة صفقة الصواريخ الروسية، وبالتالي تحاول دولة الاحتلال التركي استثمار الوضع القائم وعقد اتفاقات مع روسيا بهدف تقليل خسائرها. ولكن؛ بعد تيقن الرئيس التركي أردوغان أن نجم حزب العدالة والتنمية الحاكم يضمحل، يحاول اليوم الضغط على أمريكا عبر تهديد شرق سوريا وبالأصح تهديد المشروع الأمريكي مقابل الحصول على مكاسب، فالتهديد التركي له ثلاثة أهداف ضرب المشروع الأمريكي وضرب المشروع الديمقراطي وخروج الاحتلال التركي من أزمته الداخلية. وكما أوضحنا سابقاً أمريكا ليست مستعدة للتضحية بسمعتها ومصالحها في الشرق الأوسط. لذا؛ لن تسمح للاحتلال التركي بالهجوم وذلك لأنه إن حدث الهجوم التركي، سيكون الأمريكان في وضع محرج، إن تدخلوا بشكلٍ مباشر في الحرب، لن يكون ذلك مناسباً لعضوين في حلف الناتو وإن انسحبت وتركت قوات سوريا الديمقراطية وحيدة، ستخسر كل شيء لصالح روسيا، وبالتالي تحاول أمريكا حالياً تقريب وجهات النظر بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية بهدف الحفاظ على مصالحها وليس حباً بالمشروع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا. وهنا إن حدث هذا التوافق فالاحتلال التركي ستكون قد كسبت الكثير، أولاً يتم غض الطرف عن شراء منظومة الصواريخ الروسية وعدم طرح فكرة طردها من حلف الناتو، وحل أزمتها الاقتصادية جزئياً، لإضافة لمكسب حقيقي للحزب الحاكم بتقوية نفوذه بالداخل التركي، وإضافة لحماية حدودها بطريقة يتفق عليها بين الأطراف. ولكن؛ يتوجب على الاحتلال التركي أن بقدم تنازلات فيما يخص موضوع عفرين إن أرادت المشاركة في الدوريات المشتركة في شرق سوريا وهذا يعني ان مسألة عفرين هي الخطوة الثانية بعد الاتفاق على الخطوط العريضة بين قوات سوريا الديمقراطية والاحتلال التركي بوساطة أمريكية.
ـ إن اتفق الطرفان على صيغة محددة لحماية الحدود، كيف سينعكس ذلك على التوافق الروسي الأمريكي، في ظل رفض دمشق أي اتفاق أمريكي تركي مسبقاً؟
التوافق الروسي الأمريكي هو مؤقت بالخطوط العريضة وبعض الجزئيات الاستراتيجية، وما نجم عن اللقاءات الأمريكية الروسية في 2014، وأخرى حدثت قبل مدة هي توافقات لعدم التصادم وحماية مصالحهم، ولكن وفق أسس تضمن مصالح الدولتين في سوريا والشرق الأوسط عامة وعلى أسسه سيتم وضع التقسمات الجديدة في الشرق الأوسط، ومثال ذلك هو تقاسم المجال الجوي السوري بين أمريكا وروسيا في شرق وغرب سوريا، وهذا كان السبب في عدم التدخل الأمريكي في عفرين أو المناطق الأخرى. ولكن؛ هذا التوافق لا يعني، عدم سعي القوتين لفرض هيمنتهما، إضافة لوجود مواضيع وقضايا عالمية متعددة بين هاتين القوتين، فيمكن لهما المساواة في مكان والاتفاق في مكان أخر، ومن هذا المبدأ روسيا تحاول فرض هيمنتها السياسية على سوريا، وهذا السبب غير جدير بالنسبة للرأي العام العالمي، أما أمريكا اعلنت النصر على داعش بالتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية، وهذا جداً هام بالنسبة للرأي العام العالمي وتسويق نفسه كبطل قضى على الإرهاب، وهذا فتح المجال لكسب مشروعية وجوده في الشرق الأوسط والخليج وأفريقيا أيضاً وبالتالي لها نفوذ وهيمنة سياسة أكبر في المنطقة. وثمة قواسم مشتركة بين روسيا وأمريكا، وظهر ذلك في اجتماع القدس الذي ضم “روسيا وأمريكيا وإسرائيل” وتم الاتفاق على إنهاء الوجود الأجنبي في سوريا، والدول المستهدفة هي إيران ودولة الاحتلال التركي بالدرجة الأولى، تشكل إيران لاعباً قوياً؛ لأن إيران تستطيع تغيير المعادلات في سوريا والمنطقة، إضافة لبعدها الثقافي والحضاري التاريخي، وهذا يشكل من إيران قوة إقليمية وتهديد العالم بملفها النووي، إذاً إيران قوة فاعلة في الشرق الأوسط، وبالتالي لا يمكن للقوى العالمية تقبل هذا الدور الإيراني. لذا؛ يجب إضعاف إيران بهدف تمرير مشاريعها وتنظيم المنطقة من جديد وفق مخطط الشرق الأوسط الكبير. لكن؛ روسيا وإيران متحالفين معاً، وهنا تطالب روسيا مقابل صمتها على استهداف إيران، المحافظة على النظام البعثي في سوريا والدعم في إعادة الإعمار، وهذا يضمن المصالح الروسية في سوريا وبالتالي هيمنتها على السياسة السورية عامة. في حين أن الهدف الأساسي لأمريكا هو إخراج إيران من سوريا لمنع استكمال الهلال الشيعي في الخليج العربي، ولكن أمريكا لن تقوم بعمل عسكري ضد إيران في الوقت الحالي، بل ستعمل على إقرار بعض التوافقات، ونجد أنه من الصعب إنهاء هذا النفوذ بالمطلق في سوريا، بل يمكن تحجيمه بطريقة معينة وتحديده في حدود دمشق العاصمة فقط.
ـ وماذا عن الوجود التركي؟
الوجود التركي في سوريا واحتلاله لشمال سوريا، يشكل معضلة بالنسبة لروسيا وأمريكا معاً، ومن هنا الوضع التركي في سوريا ربما يخضع للمساومات، فالعداء الروسي التركي التاريخي يطغى على العلاقات التركية الروسية وكذلك الأطماع التركية في سوريا وتطبيق الميثاق الملي وهذا يشكل خطراً على المشاريع الغربية والروسية، وكانت أمريكا قد أوكلت للاحتلال التركي دوراً في قيادة التحالف السني في المنطقة. ولكن؛ بعد كشف مخطط الاحتلال التركي التوسعي وسيطرتها على المعارضة السورية وتسليحها وإطلاق يد جبهة النصرة وداعش في سوريا، وبالتالي ترويج نفسها على أنها المُخلص للشعب السوري، انعكست الرؤية الأمريكية. استغلت دولة الاحتلال التركي التناقضات الروسية الأمريكية، واستغلت روسيا الضعف الدبلوماسي التركي بعد أزمتها معه نتيجة اسقاط الطائرة الروسية، وهنا حاولت روسيا احتضان دولة الاحتلال التركي وأردوغان إلى جانبها بهدف ضرب الناتو، وكان للروس دوراً هام في الكشف عن المحاولة الانقلابية في تركيا. ورغم تطور العلاقات التركية الروسية إلا أن الدور التركي في المنطقة يشكل خطراً على الدولتين العظمتين في العالم “روسيا وأمريكا” وهذا ما يتطلب توافق الدولتين لتحجيم الدور التركي وفق مصالحهما أيضاً، وهناك احتمال لوضع حدود معينة للوجود التركي في سوريا نتيجة الموقع الاستراتيجي لتركيا ومحاولة استثمار القوة التركية لصالح مصالحها ويمكن أن يكون ذلك وفق منظور المنطقة الآمنة وبالتالي تنظيم وتحجيم وجودها في سوريا.