المنطقة الآمنة ” التركية” لإبادة ما تبقى من إثنيات وأعراق المنطقة

93
وكالة هاوار –

لم يعد الأمر بخافٍ على أحد فيما يخص سياسة ونهج تركيا، وحزب العدالة والتنمية الحاكم فيها، ففي كل يوم مشاهدات وحقائق ووقائع تُثبت ثقافة الاحتلال والقمع، وتُفصِح عن المزيد من المجازر والتهجير القسري والتغيير الديمغرافي على مكونات الشعب السوري، الذي ينشد الأمان وشيئاً من الديمقراطية.
لم تعد هناك خطط سرية، ولا مخططات مخفية، فسياسة العِداء لكافة الشعوب في تركيا وما حولها باتت واضحة في ممارسات حزب العدالة، ومن قبله أسلافه الطورانيين الشوفينيين، وباتت السياسة التركية مفضوحة وبادية للعلن. في تركيا والخارج. وتحقيق الميثاق المللي في كل من العراق وسوريا بأي وسيلة كان، هو هدف حزب العدالة والتنمية والأحزاب المتحالفة معه، مُتخذاً من المتطرفين والمرتزقة كجبهة النصرة وداعش أدواتاً لتنفيذ أجنداته القذرة.
وهذا الميثاق الذي يتبجح به أردوغان وحزبه ويبرر لنفسه احتلال حلب إلى كركوك مروراً بالموصل على طول الشريط الحدودي السوري والعراقي الملاصق لهم، وهذا ما جاء في برنامجه السياسي عام 2002 عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا. فما احتلته الدولة التركية بالقتل والتهجير في تلك الحقبة الدموية من أراضي الكرد والأرمن والسريان والعرب واللاز والبلغار واليونان يراد استكماله بالمجازر الدموية مرة أخرى هنا في سوريا.
مُكوّنات شمال وشرق سوريا التي تطلب تركيا محو هويتهم عنوة
تعتبر شمال وشرق سوريا منطقة مهد حضارات الشعوب الأصيلة القديمة، لما تحمله من إرث اجتماعي متكامل ومتكاتف وثقافي وحضاري عريق يمتد لآلاف السنين، إلى جانب وفرة الطرق التجارية والأراضي الاقتصادية الغنية والمياه والمعالم التاريخية المتراكمة والمتتابعة.
فمع بداية الثورة السورية والتدخل التركي لحرف مسارها وجعلها أداة لمصالحه ومطامعه العثمانية، لم يتوانَ الأخير في ارتكاب المجازر والجرائم ضد الإنسانية بحق شعوب المنطقة في شمال وشرق سوريا. وتحتضن هذه المنطقة إحدى عشر مُكوناً عرقياً وإثنياً هم ( الكرد – العرب – السريان – الأرمن- الآشور- تركمان- شركس- علويين- دروز- إيزيديين- كلدان) إلى جانب عدة طرائق ومذاهب دينية مسلمة ومسيحية.
أحداث دموية بحق مُكونات شمال سوريا ارتكبتها تركيا ومرتزقتها خلال الثورة السورية.
بتاريخ 22-3-2014 كان أبشع انتهاك قامت به الدولة التركية بيد مجموعات مرتزقة من جبهة النصرة وأنصار الإسلام ومرتزقة قوقازيين بقيادة كل من أبو موسى الشيشاني وأبو مسلم الشيشاني، وبإسناد ودعم من استخباراتي وقواتها بالسلاح الثقيل والجوي. وذلك بمهاجمة مدينة كسب الساحلية ( ذات الطابع الأرمني العريق) على الشريط الحدودي تحت اسم معركة “الأنفال”.
تسبب هذا الهجوم في تهجير قرابة الـ 900 عائلة أرمنية على الأقل من مدينة كسب، وأخذ المرتزقة مئتي عائلة كرهائن ممن لم يستطيعوا الهروب من المدينة، وأُلحقت الأضرار المادية في ممتلكاتهم وكنائسهم.
وقد أصدرت خلالها الهيئة الوطنية الأرمنية العالمية بياناً للرأي العام ناشدت فيه المجتمع الدولي لحمايتهم من التدخلات التركية وانتهاكاتها العدوانية واصفة إياها بأنها ” أحدث مثال على العنف الذي تقوده تركيا”.
منذ 2012 إلى 2015 تم تهجير أكثر من 15 ألف مسيحي في إدلب بعد عدة جرائم وانتهاكات ارتكبها مرتزقة داعش وجبهة النصرة وجند الأقصى والحزب التركستاني الإسلامي بحقهم، وذلك بدعم وحماية تركية علناً، وقد دُمرت 33 كنيسة ومزار ديني وحولوا بعضها الآخر إلى مستودعات أو مقرات عسكرية.
بتاريخ 10-6-2015 أقدمَ مرتزقة جبهة النصرة المدعومة تركياً على ارتكاب مجزرة فظيعة بحق الدروز في قرية قلب اللوزة بجبل سماق، حيث قاموا بقتل أكثر من 40 رجلاً وشاباً درزياً بينهم رجال دين، منهم ذبحاً ومنهم رمياً بالرصاص أمام بيوتهم وفي شوارع القرية، وكان من قاد المجزرة هو المرتزق عبد الرحمن التونسي الذي أمر الأهالي بسحب أولاد الدروز إلى معسكرات تدريب شرعية وعسكرية مغلقة.
وارتكبت دولة الاحتلال التركية أبشع جريمة إنسانية وخرقت القوانين الدولية بجلبها للمهاجرين الإيغور من الصين وإدخالهم إلى المناطق الدرزية في إدلب على الحدود السورية التركية، لتغيير ديمغرافية المنطقة لما يتناسب مع مطامعه الاحتلالية.
منذ 2012 الى 2015 تم طرد 50 ألف شيعي من محافظة إدلب، وكان آخر من تبقى فيها قد حوصر في بلدتي كفريا والفوعا، لتعقد الدولة التركية من جهة والنظام السوري وإيران من جهة صفقة تبادل وتسليم مناطق بوساطة روسية، لتستلم تركيا مرتزقتها المحاصرين في مضايا والزبداني ويُفرغوا بلدتي كفريا والفوعا من العلويين في إدلب.
وخلال عملية الإجلاء في 15 نيسان 2017 استهدف المرتزقة المُهجّرين العلويين بسيارة مفخخة في منطقة الراشدين راح ضحيتها أكثر من 130 مدني و جرح 150 آخرين معظمهم من الأطفال والنساء.
انتهاكات وجرائم حرب في الغزو التركي على عفرين 20 كانون الثاني 2018
قام جيش الاحتلال التركي ومرتزقته من بقايا داعش وجبهة النصرة والجماعات المرتزقة المتمركزة في إدلب والحدود التركية بارتكاب مجازر بحق الإيزيديين والعلويين والمسيحيين في عفرين إلى جانب التهجير القسري لأهل المدينة والنازحين القاطنين فيها.
فقد دمروا 15 مزاراً ومكاناً مقدساً خاصاً بالإيزيديين في عفرين وحولوا بيوتهم في 22 قرية المنتشرة بمحيط المدينة إلى مراكز للتدريب الشرعي بالإكراه، أو القتل لكل من حجزوه رهينة في عفرين، ليلوذ 25 ألف إيزيدي من عفرين بالفرار هرباً من البطش التركي ومجازره.
كُسّرت صلبان المسيحيين على مزاراتهم وداخل كنائسهم وانتُزعت الأجراس منها، وهُجّرت 250 عائلة من عفرين، كما قام عناصر جيش الاحتلال التركي ومرتزقته بالتنكيل وحرق كنيسة الراعي الصالح داخل المدينة بعد تقاسم مقتنياتها فيما بينهم.
أما العلويين الذين قُدّر عددهم في عفرين بـ15 ألف نسمة فقد نزحوا هرباً من البطش التركي ومرتزقته، بعد ارتكاب طيرانه المجازر في بلدة ماباتا/ معبطلي( مركز علويي عفرين) وقراهم المحيطة، وتدمير 9 مزارات وأماكن مقدسة لهم فيها.
ولم يبقَ وجود للعلويين والإيزيديين والمسيحيين والدروز في كل من عفرين وإدلب وإعزاز وجرابلس بعد ذلك، منذ الهجوم التركي واحتلاله للمنطقة، ليبدأ التغيير الديمغرافي بجلب أجانب من القوقاز وآسيا وكذلك عوائل المرتزقة من الداخل السوري ويدخلهم في قرى وبلدات السكان الأصليين، كأبشع جريمة وانتهاك بحق الإنسانية وأوسع خرق للقوانين الدولية.
كنائس الأرمن في تل أبيض مقرات داعش العسكرية والشرعية
عندما بدأت جبهة النصرة وداعش بالهجوم على تل أبيض في تموز 2013 بعد خرق الهدنة وخطف وقتل المواطنين ونهب ممتلكاتهم، خاصة الأحياء الكردية من المدينة، كان الكرد والأرمن وكل عربي أو تركماني يعارض إقامة إمارتهم الإسلامية المزعومة من بين المستهدفين.
فخُطف أكثر من 1000 كردي وهُجّر البقية قسراً هرباً من بطشهم وفُجّرت بيوتهم، وكان من بينهم العوائل الأرمنية في تل أبيض التي تُعتبر من المجتمعات القديمة في المنطقة، وكان هناك العشرات من العوائل الأرمنية في المدينة، ولهم كنيسة الأرمن الأرثوذوكس في وسط المدينة، التي حولّها داعش إلى معسكر تدريب شرعي، ومقر لقادته بعد حرق كل مقتنياتها المقدسة والمعالم المسيحية فيها.
 الهجوم على سري كانيه انطلاقاً من تركيا
وفي سري كانيه ماتزال آثار الهجوم التركي ومرتزقة جبهة النصرة على مدينة سرى كانيه شاهدة، بالإضافة إلى عشرات الوثائق عن كيفية الهجوم عبر الأراضي التركية وبإسناد من جيشها على المدينة وأهلها، حيث ارتكبوا جرائم حرب بحق مدينة تحتضن أقدم حضارة وثقافة في العالم ويُشكل مجتمعها تنوعاً من كافة الشعوب والأديان السورية.
فالمسيحيين من السريان والأرمن في المدينة بلغ عددهم أثناء الثورة قرابة الـ 150 عائلة، ولهم ثلاثة كنائس في المدينة الصغيرة. فقد تعرضوا خلال هجمات مرتزقة جبهة النصرة وداعش وغرباء الشام إلى التهجير القسري وتدمير الكنائس الثلاثة وحرق لمقتنياتها، كما خُطف عدد منهم.
أما الإيزيديين الذين يتوزعون في المدينة وفي 15 قرية لهم في ريفها، فقد ذاقوا الأمرّين من الجيش التركي ومرتزقته من جبهة النصرة وأحرار الشام حينها، فمعظم القرى أُحرقت وأعدم عدد من الإيزيديين في قرى الأسدية وجافا وحي زرادشت بتهمة الكفر.
حرق القرى الآشورية في تل تمر
شنّ مرتزقة داعش في 23 شباط 2015 هجوماً على منطقة خابور في ريف تل تمر والذي يضم 35 قرية آشورية، ليخطفوا قرابة 220 آشوري بين رجال ونساء وأطفال ويقتادوهم إلى مناطق الشدادي والرقة، ودمروا قراهم وأحرقوا مزاراتهم وكنائسهم فيها.
تربسبيه.. طريق القرى الإيزيدية والمسيحية محفوف بالمخاطر
وفي تربسبيه التي تُعتبر أكثر المدن تواجداً للتنوع الديني والعرقي في المنطقة ويغلب عليها الطابع السرياني والإيزيدي منذ القِدم، فإن القرى السريانية والإيزيدية على الشريط الحدودي قد أُفرغت معظمها من السكان بسبب انتهاكات الجيش التركي المتكررة.
حيث يوجد أكثر من 20 قرية مسيحية وإيزيدية هناك في منطقة جرحى شمالي تربسبيه وهي محاذية للحدود وأكثر الأحيان يضطر الأهالي من التوجه إلى قراهم ليلاً عبر الطرق الصغيرة الرابطة بين القرى وليس الطريق الرئيسة الذي يمر بمحاذاة الحدود تخوفاً من الاستهداف المُتعمد لعناصر الجيش التركي.
فقرية تل جهان وحدها شهدت خلال السنة الماضية أكثر من 10 انتهاكات للجيش التركي على القرية وآخرها كان استهداف مدنيين وكنيسة القرية بالرصاص وقذائف الهاون عمداً في 6 تشرين الثاني 2018 فأحدث دماراً للكنيسة وخلق حالة ذعر كبيرة في نفوس المواطنين في القرية، وكذلك يتخوف المواطنون في هذه القرى من العمل في أراضيهم الزراعية الملاصقة للحدود بسبب الاستهداف المُتعمّد والعشوائي لعناصر الجيش التركي لهم.
أما منطقة ديرك في الزاوية الحدودية السورية والعراقية التركية، إذ أن القرى السريانية والآشورية والكلدانية والكردية في خطر دائم، حيث لا يستطيع المواطنون العمل في أراضيهم بجانب نهر دجلة بسبب انتهاكات الجيش التركي المتواصلة بحقهم إلى الآن.
الخلاصة :
إن منطقة شمال وشرق سوريا التي تستهدفها تركيا بتهديداتها اليوم تُعتبر المنطقة الوحيدة في سوريا التي تحتضن ما تبقى من الأعراق والإثنيات التي ما زالت صامدة أمام وجه الأزمة والحرب في البلاد، وكذلك الهاربة من بطش الدولة التركية ومرتزقته في المناطق التي احتلتها الأخيرة.
كما إن هذه المنطقة هي المنطقة الوحيدة التي احتفظت بمكتسبات الشعب وحرصت على التكاتف ونبذت التطرف والحرب الأهلية ومنعت دخول الاحتلال إليها، وتتمتع بديمقراطية لحماية إرث هذه الأعراق والإثنيات الثقافية والاجتماعية، وأي هجوم سوف يؤدي إلى كارثة إنسانية وجرائم مُروّعة يتحمل مسؤوليتها المجتمع الدولي والتحالف الدولي.