التعايش وأُسسه بين الشعوب والأطياف المختلفة في سوريا

56
دوست ميرخان / صحيفة الاتحاد الديمقراطي –

شهدت سوريا منذ ثماني سنوات صراعاً دموياً وهذا الصراع كان نتيجة أزمة بنيوية واضطرابات سياسية، وظروفاً اقتصاديةً قاسية، تكاثفت الأحداث وتداخلت الأسباب وكانت النهاية المحتومة لهذا الواقع المتردي، تحوّل الصراع من أزمة داخلية بحتة إلى صراع إقليمي ودولي دفع ثمنها الشعب السوري. في شمال شرق سوريا تمكنت شعوبها والقيادة السياسية من تجاوز تبعات مرحلة العنف والفوضى والصراع على الأرض، وخلال فترة قصيرة صاغوا عقداً اجتماعياً مبنياً على فلسفة العيش المشترك بدءً من أصغر وحدة مجتمعية “الأسرة” إلى أكبرها وهو النظام الإداري والسياسي المتكون.
نجاح المشروع المجتمعي في المنطقة
ويتساءل البعض كيف نجح هذا المشروع المجتمعي وكيف استطاع الكرد والعرب والسريان وغيرهم من الشعوب مسلمين ومسيحين وإيزيديين وعلمانيين من فرض إرادتهم على كل محاولات الاقتتال والتصادم في ظل الصراع القائم، فعلى مدار السنوات الماضية لم تعرف عدد من المناطق في شمال وشرق سوريا الاستقرار والأمان، نتيجة الهجمات الإرهابية المتكررة والتي عاثت فساداً وقتلاً، واستطاع أهلها وبمساندةٍ من كافة الشعوب تحريرها وإعادة الحياة إليها وغرز روح التعايش والتآخي بين جميع سكانها، وأن تؤسس نظاماً إدارياً من صلب هذه الثقافة الجامعة لشمال وشرق سوريا. أن التعايش وروح التآخي الحاصل في الشمال السوري (والذي حَوَّل أردوغان قسمه الغربي إلى مستعمرات تعيث فيها مجموعاته الإرهابية المرتزقة نهباً وشراً، ويحاول اليوم أن ينقل تجربته الإجرامية إلى القسم الشرقي، خيارٌ استراتيجي بالنسبة للمجتمع الذي أصبحت الإدارة الذاتية والديمقراطية منهجاً لإعادة تنظيم حياته وفق مبادئها، كذلك بالنسبة للنخب الفكرية والسياسية، في ظل غياب أي منهج أو توجه نحو حلٍ سياسي ديمقراطي للأزمة، وتبيّن لهم بأن نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية  تعد من أرقى النظم السياسية والإدارية في عموم المنطقة. إذاً الفشل الذي تشهده بعض المناطق الأخرى من سوريا في تجسيد التآخي والتعايش الإنساني مرده عدم قبول سكان تلك المناطق بعضهم بعضاً، فكل مجموعة مرتبطة بفصيل سياسي أو عسكري مرهون لقوى إقليمية، هدفه تحقيق مكاسب مادية وسياسية معينة، على حساب بقية الأطراف الأخرى، كما إن عدم توفر رؤية سياسية واضحة بناءة تناسب مفهوم التعايش للنسيج السوري المتنوع سبب من أسباب حالة ديمومة الفوضى وعدم الاستقرار، فالتنكر لحق الأخرين بغية الحفاظ على مكتسبات ومصالح مادية ربحية لفئة تحتكر السلطة والهوية الدينية والقومية والمذهبية.
لماذا نتبنّى فلسفة التعايش فكراً ومنهجاً؟
في وقت عاثت فيه الجماعات الإرهابية والمرتزقة فساداً في سوريا، وتصاعد خطر الجماعات المتطرفة التي  سعت وتسعى إلى إثارة الصدام بين الثقافات المختلفة في سوريا، وتبني بعض الدول والأنظمة في سبيل تحقيق أطماع ومكاسب فردية وفئوية استراتيجيات خاطئة في تغذية النعرات الإثنية والدينية، ونشر ثقافة الكراهية، والتمييز العرقي والديني والمذهبي، فسالت الدماء، وتناثرت الأشلاء، وفقد الناس استقرارهم، وتم تهجيرهم من ديارهم ، ودمرت منازلهم  وبساتينهم ، وأصبحوا لاجئين مشردين، يعاني العالم من إيوائهم، وتوفير ملاذ آمن لهم، وتقديم الإغاثة العاجلة لضروريات حياتهم. وإزاء هذه التطورات المأساوية وتداعياتها الخطيرة لابد من البحث عن أفضل السبل لحماية الحقوق والحريات الأساسية وحفظ الكرامة الأساسية لمختلف الشعوب في سوريا وذلك لتعزيز التعايش السلمي والتفاهم المتبادل، واحترام الكرامة الإنسانية. للتعايش المشترك في سوريا والشرق الأوسط تاريخ طويل وعميق فالمكونات المجتمعية تعايشت جنباً إلى جنب منذ آلاف السنين وتخالطت وتزاوجت الثقافات فيما بينها مكونة ثقافة شرق أوسطية لطالما تميزت بجمالياتها على الصعيد المادي والمعنوي، فالكرم والإقدام والعمل المشترك والتسامح كلها صفات تميّز بها الإنسان الشرقي الحر الغير متأثر بثقافة السلطة.
لماذا نحتاج إلى السلام في ظل الأزمة الراهنة؟
الأزمة السورية كشفت العديد من مواطن الضعف والقوة بالنسبة للنظام والدولة والمجتمع، كما ألقت بمؤثراتها العميقة على كل جوانب الحياة في سوريا خاصة الجانب الاجتماعي والسياسي، فبعد ثماني سنوات من الحرب والدمار والتهجير لا بد من تهيئة الظروف وخلق بيئة مناسبة ليتصالح فيها السوريين بين بعضهم البعض ولينال المظلوم حقه ويحاسب المجرمون على أفعالهم حينها يتحقق العدل الذي بدوره يحقق دعائم السلام، بعد ثمان سنوات من الأزمة تبين لنا بأننا كنا نفتقر إلى السلام وهنا يتساءل البعض “كيف؟ وسوريا كانت تتمتع بالأمن والأمان قبل الأزمة. الحقيقة والجواب تَكمن في إن الدولة السورية لم تستطع أن تحقن الدماء حتى يومنا هذا، كما أنها لا تمتلك أي مشروعٍ وطني حقيقي تنهي به الأزمة البنيوية، ويوفر حياة كريمة لشعوب الوطن الواحد، من هنا يستلزم تحقيق السلام السوري، إن كنا نسعى إليه فعلاً مشاركة كل شعوب الدولة الواحدة في صنعه وارساءِ دعائمه، فلا يمكن أن يتوفر السلام في ظل نظام سياسي غير ديمقراطي، مبني على أساس هوية واحدة في بلدٍ متعدد الهويات والثقافات. ولوعُدنا إلى الوراء قليلاً ففي السابق كان يفهم من السلام على أنه عدم وجود حالة حرب بين الدول والجماعات، لكنه وبعد الحرب العالمية الثانية، وخروج دول أوروبا الغربية على وجه التحديد من الحرب في حالة شبه مدمرة أصبح التفكير في السلام يأخذ أبعادًا أخرى، دون الانتقاص من العلاقة القائمة والمباشرة بين المفهومين المتعاكسين الحرب/السلام، وأنشئت المؤسسات التي تحفظ الأمن والسلام بين الدول مثل الأمم المتحدة، إذًا، التحول الكبير الذي حدث بعد الحرب العالمية الثانية هو أن السلام أصبح مفهومًا ثقافيًّا، وبالتالي بدأ الاهتمام بتنمية ثقافة السلام. في سوريا وفي الشرق الأوسط عموماً هناك حاجة ملحة وضرورية إلى إدخال مفاهيم جديدة في حياة شعوبنا ومجتمعاتنا، وفي ثقافتنا العامة تعزز وتقوي هذه الشعوب وتعزز التعايش فيما بينهم وتعزز مفهوم الدولة القوية بشعبها، وليست بترسانتها العسكرية وآلة استبدادها، ولأن الشرق الأوسط عموماً تعتبر من أكثر مناطق العالم التي شهدت حروبًا ونزاعات وصراعات، وتركت هذه النزاعات والحروب الكثير من الجوانب السلبية على المجتمعات، وفي السنوات الأخيرة تفجرت العديد من الأزمات، لذا على الشعوب والحكومات أن تتعلم درساً مما حصل ويحصل في الشرق الأوسط، وأن تسرع في تحقيق عملية سلام على المستوى الداخلي أولاً ثم على المستوى الخارجي الإقليمي والدولي ثانياً، والسؤال هُنّا؛ ما الخطوة الأولى لتحقيق ذلك؟
طريق الألف ميل يبدأ بخطوة
 نحتاج بداية أن نقر ونعترف ببعضنا البعض كما خلقنا الخالق بعيداً عن النظريات الوضعية المتعلقة بالتفوق العرقي والإثني وبالمفاهيم السلطوية التي عفى عليها الزمن ولازالت تسْري بقوة في شريان الدولة،  يجب فهم السلام على إنه ظاهرة طبيعية فيها توازن للنفس مع الجسد وبالتالي توازنٌ بين الفرد والجماعة وبين المجتمع والدولة، فلا يمكن تحقيق السلام بالظلم والاستبداد ولا بفرض الأحكام العرفية وخلق الفوضى، السلام يرمز إلى الحرية بدل القهر، والعدل بدل الظلم، بها، والعلم بدل الجهل، والديمقراطية بدل الديكتاتورية، والتعددية بدل المركزية، أي نحن بدل الأنا، فالإقرار بالتعددية السياسية، والاجتماعية، والثقافية يقودنا إلى الحاجة لوضع الأسس السليمة لتأمين وضمان التعايش بين هذه الشعوب.
التعددية والتعايش المشترك نعمة وليس نقمة
كثيراً ما يتم الحديث عن التعددية السياسية الفعلية، كأولوية من أولويات السلام في أي بلد يشهد حرباً وصراعاً وهذه حقيقة خاصة في الخطوة الأولى نحو السلام، لأنها تؤثر بشكل مباشر على أداء القوى السياسية والمجتمعية، والواقع السياسي هو الذي سيؤثر بشكلٍ كبير ومباشر على الواقع الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي. فكما هو واضح من خلال الأزمة الراهنة في سوريا على سبيل المثال فأن السلوك السياسي للسلطة الحاكمة هو الذي أدخل البلاد وشعبها في حربٍ كارثية وفتح الأبواب أمام تدخل القوى الخارجية التي تستغل الفوضى وعدم التوازن بين المجتمع والنظام الحاكم “الحكومة”، التي غالياً ما تنتهج أسلوب الحسم العسكري لحل الخلافات السياسية التي يمكن إرجاع خلفياتها إلى القضايا الاجتماعية والثقافية الخلافية مستغلة السلطات التي تمتلكها. المجتمع السوري مجتمع متعدد اللغات والأديان وأنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي مجتمع متعدد الثقافات. هذا التعدد الثقافي يشكل العقبة الكبرى أمام حالة السلطة الفردية التي تعتمد في أساسها على فرض هوية واحدة على كل الهويات الأخرى وهذه الهوية ليست متعلقة بالمجتمع بالرغم من صياغتها على أنها هوية الأكثرية. إن الاحترام المتبادل لكل الهويات يرسخ الهوية الوطنية وبالتالي يعزز من مفهوم الانتماء ويبني لاستقرارٍ مستدام، والعكس ينجم عنه بالضرورة غياب الاستقرار الذي يؤمّن التعايش بين شعوب الدولة المختلفة. بالطبع الاختلاف لا يعني الخلاف فهناك قضايا اختلافية بين السوريين في المجال الثقافي، وهذا أمر طبيعي، كموضوع اللغة او اللغات الرسمية، وموضوع هوية الدولة، والتوازن الطائفي، ودور المؤسسة الدينية في الدولة الديمقراطية-المدنية، وطبيعة القوانين التي تحكم الأحوال الشخصية في المجتمع وغيرها من القضايا، ولابد أن تبحث هذه القضايا على مائدة تفاوض مفتوحة، بعيدًا عن عقلية الهيمنة، والتسلط، والوصاية، لأن ذلك ينافي أسس الدولة المدنية الديمقراطية المتعددة الثقافات. فالحوار بين الثقافات يؤدى بالنتيجة إلى تلاقح الثقافات، ولم تتاح للمجتمع السوري فضاءات حرة وديمقراطية للحوار بين الشعوب التي تنتمي إلى مختلف الثقافات، للوصول إلى ثقافة وطنية سورية ديمقراطية تقر بالتعدد وتحترمه، وتتيح له كافة المجالات للنماء والازدهار، بعيدًا عن القمع والهيمنة والتسلط بحجة الحفاظ على الدولة ووحدتها، والتي كانت نتيجتها هيمنة نهج وتفكير ثقافي معين لا يمنح الآخرين الطمأنينة، كما لا يمنحهم الإحساس بأنهم شركاء في وطن أساس التعامل فيه المواطنة، ويحترم فيه التعدد. باختصار السلام يحتاج إلى بيئة سليمة يتوفر فيها الحرية والعدل والمساواة واحترام التعدد بكافة أشكاله، وأن أي مشروع للسلام ينجح وتكتب له الديمومة كلما كانت أسسه وبيئته سليمة.