أردوغان الغريق يتعلق بقشة الـ 20 ميل!

122
مركز الفرات للدراسات –

يكثر الحديث والتكهنات هذه الأيام عن “المنطقة الآمنة” في شمال وشرق سوريا، خاصة بعد جولات المباحثات الأولى الفاشلة بين أمريكا وتركيا والخلاف حول عمقها ومن سيشرف عليها، وتزامنها مع تصاعد نبرة التهديد والوعيد من قِبل أردوغان “بدفن الكرد تحت التراب”.
من خلال متابعة التحليلات والتكهنات التي يطلقها السياسيون والمحللون يمكن ملاحظة أن الغالبية تركز اليوم على الوضع الكردي وكيف سيتعامل الكرد مع هذه التهديدات وماذا سيفعلون إن تخلت عنهم أمريكا وهاجمتهم تركيا، ودائماً ما نرى نموذج ما جرى في عفرين حاضراً كنوع من تذكير الكرد بحالة الانكسار التي تعرضوا لها نتيجة الصفقات والتفاهمات الدولية على حساب الكرد، و كرسالة إلى الكرد بعدم الوثوق بأمريكا.
ولكن لماذا لا ننظر إلى الموضوع من منظور آخر، ونطرح عدة تساؤلات أخرى، مثلاً: ماذا ستستفيد أمريكا في حال هاجمت تركيا شمال شرق سوريا؟ وما المكاسب والخسائر التي ستجنيها أمريكا في حال تخلت عن الكرد؟ وهل السياسة والاستراتيجية الأمريكية الحالية في المنطقة في وارد السماح لتركيا دخول شرقي الفرات؟
للإجابة على تلك التساؤلات علينا البحث عن أولويات المكاسب والمصالح لتلك القوى العالمية في المنطقة، وبداية علينا مقارنة وضع عفرين بشرقي الفرات من النواحي السياسية والعسكرية والجغرافية والاستراتيجية.
 الاختلاف بين وضع عفرين وشرق الفرات:
من الناحية السياسية: في ملف عفرين كانت هناك أوراق المجموعات المسلحة التي قايضت تركيا بها روسيا على عفرين، خاصة أن روسيا لم تستطع تحقيق الكثير من المكاسب العسكرية في سوريا حينها، وبتلك الصفقة استطاعت روسيا جني الكثير من المكاسب من تركيا، حيث أفرغت الأخيرة كافة المناطق السورية الداخلية وأطراف دمشق بشكل خاص من المجموعات المسلحة ونقلتهم إلى شمال غرب البلاد، بالإضافة إلى صفقات اقتصادية فرضتها روسيا على تركيا ولا نستبعد أن تكون منظومة إس 400 من إحدى بنود تلك الصفقة.
ولكن في شرق الفرات لا تملك تركيا أوراق قوية تُمكنها من فرض أي شروط وصفقات على أمريكا، وتأزمت العلاقة السياسية بين الطرفين بعد التقرب التركي من روسيا وخروقات تركيا للعقوبات المفروضة على إيران من قبل أمريكا، لذا فلا يوجد أي سبب يجبر أمريكا التنازل لتركيا والسماح لها باجتياح شرق الفرات، خاصة أن هذه المنطقة بالأساس تحت إشراف التحالف.
من الناحية العسكرية: أما من الناحية العسكرية فالوضع مختلف كلياً بين عفرين وشرق الفرات أيضاً، فعدد القوات العسكرية وكمية ونوعية السلاح في عفرين ليست بعدد وفاعلية ما تملكه القوات شرقي الفرات ولا ننسى أن قوات سوريا الديمقراطية تلقت تدريبات جيدة من قبل التحالف، وخاضت معارك عنيفة مع داعش واكتسبت تجارب قتالية عالية، وهذه كلها ستساعد في إشعال جبهات قتالية واسعة وطويلة الأمد مع تركيا. وذلك بعكس وضع عفرين التي كانت محصورة في منطقة ضيقة ولا تملك ممرات مفتوحة لإمدادها بالمقاتلين والأسلحة.
من الناحية الجغرافية والاستراتيجية: المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية اليوم هي منطقة واسعة وتمتد حتى الحدود العراقية من الجهتين الجنوبية والشرقية، لذا فإنه يستحيل على تركيا إنشاء منطقة “آمنة” بعمق 20 ميل بالاجتياح العسكري، لأنه حتى لو تمكنت من إخراج كافة القوات الكردية وحتى الشعب من هذه المسافة فإنها لن تستطيع الحفاظ عليه وإبقائها “آمنة” لأن القوات الكردية ستكون خلفها مساحات كافية لمواصلة شن الهجمات على منطقة الـ 20 ميل، إذا في حال فكرت تركيا بإنشاء المنطقة الآمنة بالقوة العسكرية يتوجب عليها أن تضع نصب عينها احتلال كامل مناطق شرقي الفرات أولاً وإخراج كامل القوات العسكرية منها حتى تنشئ منطقة آمنة “لمنطقتها الآمنة على الحدود”، وهذا الأمر شبه مستحيل لعدة أسباب:
ولاً- لوجود التحالف الدولي في هذه المنطقة، وسيتطلب الأمر انسحاب أمريكا والتحالف من سوريا كاملة لإفساح المجال لتركيا بشن هجماتها الواسعة تلك، وهي بطبيعة الحال لن تسمح لتركيا اجتياح كامل جغرافية شرقي الفرات لأن هذا سيهدم كل ما حققته قوات التحالف في المنطقة، ويفتح الطريق أمام التدخل الإيراني والروسي إلى شرقي الفرات بسهولة.
ثانياً- دخول تركيا لهذه المنطقة سيُعيد إحياء داعش من جديد، وما سيتبعه من مجازر وموجات نزوح جماعية.
ثالثاً- وجود آلاف المعتقلين الدواعش من كافة الجنسيات، والآلاف من عوائلهم في مخيم الهول، وهم يشكلون قنبلة موقوتة تُفزِع العالم، ومسمار أمان هذه القنبلة هو بيد الكرد.
 رابعاً- وهو الأهم، “مشروع السلام في الشرق الأوسط” أو ما بات يعرف باسم “صفقة القرن” فأمريكا اليوم تعتبر منطقة شرق الفرات التي تسيطر عليها نقطة ارتكاز أساسية لتمرير مشروعها، لأن هذه الاستراتيجية من أهم أهدافها قطع يد إيران عن سوريا ولبنان، وقد رأينا أن أمريكا أعلنت سابقاً وضع الحرس الثوري وحزب الله على لائحة الإرهاب، وطرحت مشروع لوضع الإخوان أيضاً على هذه اللائحة، وذلك تمهيداً للقضاء عليهما، وبما أن حكومة أردوغان هي الداعم الرئيسي للإخوان فلا يمكن أن تقبل أمريكا بمد يدها في منطقة شرق الفرات ذات الموقع الاستراتيجي، بالإضافة إلى هدف أمريكا بالسيطرة على طريق الحرير المار من الشرق الأوسط وكردستان بشكل خاص، والتي تحاول الصين إعادة إحيائه لمنافسة النفوذ الاقتصادي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
 ما هي أهداف أردوغان من التهديدات والتحشيد العسكري على الحدود ؟
هناك عدة أهداف من التهديدات التركية الأخيرة لشرق الفرات ومنها:
1- إثارة الذعر في نفوس الشعب الكردي في روج آفا واتباع الحرب الخاصة والنفسية ضدهم، والتذكير بما حصل في عفرين، وإحباط عزيمتهم ودفع إدارتهم السياسية والعسكرية لتقديم أقصى ما يمكن من التنازلات لمنع هذا الهجوم، وهذه السياسية التركية تذكرنا بما اتبعه صدام حسين إبّان ارتكابه مجزرة حلبجة، وفي هجماته التالية على كركوك التي كان الكرد قد استعادوها، لجأ صدام إلى سياسة بث الذعر عبر استخدام الطيران المروحي في التحليق الأمر الذي أعاد فوراً إلى ذاكرة الشعب الكردي ما ارتكبه الطيران في حلبجة، ما دفعهم إلى التفكير بالفرار قبل التفكير في المقاومة. فكانت التهديد بالمروحيات كتكتيك لبث الذعر بين المدنيين ودفعهم للنزوح وليتمكن بعدها صدام من احتلال كركوك بأسرع وقت وبأقل الخسائر ودون الحاجة لاستخدام الكيماوي هذه المرة. وتهديدات أردوغان اليوم هي أشبه بذلك التكتيك بعد ما ارتكبه طيرانه من مجازر في عفرين.
2- وتعتبر هذه التهديدات التركية المُتزايدة باجتياح شمال وشرق سوريا، عامل مساعد للخلايا النائمة التابعة للمُخابرات التركية والتي تعمل في الآونة الأخيرة بالتعاون مع الإعلام القطري، على إطلاق حملة تشويه إعلامية ضدّ قسد، وذلك عبر فبركة انتهاكات بحق المدنيين العرب وادعاء أن من يقوم بذلك هم مقاتلون كرد، ويكون العنصر النسائي حاضراً في تلك الفيديوهات لإثارة واستفزاز المشاعر العربية ضد الكرد بهدف نشر الفوضى، وخلق فتنة عربية – كردية تسهّل على أنقرة تنفيذ مخططاتها بالاجتياح العسكري لتلك المناطق. وكنوع من محاولات ضرب القلعة من الداخل عبر بث الفتن بين مكونات المنطقة، بالإضافة إلى التكثيف من التفجيرات لخلق حالة من عدم الاستقرار ونوع من الضغط النفسي على الشعب وتحريضهم ضد الإدارة الذاتية على أنها لا تستطيع ضبط الأمن في مناطقها.
3- لا يخفى على أحد أن تركيا تعيش أزمات كبيرة في الداخل جرّاء سياسات أردوغان الذي استفرد بالحكم في البلاد بعد أن فرض النظام الرئاسي على تركيا، ويتعرض لمخاطر كبيرة جراء الانهيار الاقتصادي التركي ومساعي المعارضة وحتى أعضاء حزب العدالة والتنمية البارزين على تشكيل أحزاب جديدة تنافس أردوغان، وتهدف للإطاحة به، لذا يحاول أردوغان من خلال تهديد الشمال السوري توجيه أنظار الشعب التركي إلى الخطر الوهمي الخارجي، وأن يطيل من حالة الطوارئ في البلاد ويستخدمها لتأجيل أو تقريب الانتخابات الرئاسية بحسب ما تتطلب مصلحته، بحجة أن البلاد في حالة حرب، وبذلك يُضعِف موقف المعارضين له ليظهر نفسه على أنه الوحيد الذي يدافع عن الأمن القومي التركي.
لماذا يُصِرُّ أردوغان التعلق بعمق الـ 20 ميل للمنطقة الآمنة؟
تطالب أنقرة بأن يكون عمق المنطقة 20 ميلاً وتمتد على طول الحدود من جرابلس إلى فش خابور قرب حدود العراق، فيما أبدت واشنطن استعدادها لمنطقة بعمق خمسة كيلومترات وليس على طول الحدود، ويستثنى منها المدن الكردية الكبيرة، ولكن أردوغان متمسك كثيراً بشرط الـ 20 ميل، والسبب في ذلك أن هذا المطلب هو الخيار الأخير الذي قد يمكنه من القضاء على الإدارة الذاتية التي أعلنها الكرد، وتشتيت قواتهم العسكرية، لأن العمق الذي يطلبه أردوغان يشمل كافة مناطق روج آفا ذات الغالبية الكردية التي تعتبر القاعدة الأساسية لمشروع الإدارات الذاتية في شرق الفرات، وإن استطاعت تركيا اختراق هذه المنطقة، فإنها ستبدأ بتنفيذ عدة مخططات لهدم أركان هذه الإدارة ومنها:
1- المطالبة بتغيير هيكلية هذه الإدارات وإدخال شخصيات ضمنها من المرتبطين بالاستخبارات التركية، وبذلك ستقدم الدعم والتسهيلات للخلايا النائمة بزيادة نشاطها لإحداث فلتان أمني كما هو الحال في مناطق شمال غرب الفرات التي تحتلها تركيا.
2- إرسال آلاف السوريين المهاجرين في تركيا إلى شرقي الفرات وخاصة عوائل مرتزقتها أو الحاصلين على الجنسية التركية، بهدف إحداث تغيير ديمغرافي للمناطق ذات الغالبية الكردية على غِرار ما فعلت في عفرين، واستخدامهم لخلق صراعات إثنية وطائفية.
3- خلق حروب داخلية بين الكرد والعرب السوريين، ثم تتدخل تركيا عسكرياً في المدن التي ستجري فيها المعارك بحجة أنها ستحمي مواطنيها ممن يحملون الجنسية التركية.
4- المطالبة بإجراء استفتاء لضم منطقة الـ 20 ميل إلى تركيا وستعتمد في ذلك على من أرسلتهم من السوريين إلى المنطقة وحاملي الجنسية التركية، وذلك بعد أن تكون قد أنهت خطط التغيير الديمغرافي ومكّنت المجموعات المرتبطة بها السيطرة على المؤسسات الأمنية والإدارية في المنطقة وهجّرت غالبية الكرد من موطنهم كما يجري في عفرين وقبلها في جرابلس والباب حيث أفرغت كافة القرى الكردية في تلك المناطق، لتضمن بذلك أن الغالبية الموجودة ستستفتي على الانضمام لتركيا، على غرار ما فعلت في لواء إسكندرون وقبرص قبلها.
 هل يُمكن لأردوغان تحقيق هذا الحلم في الوقت الراهن؟
من خلال تتبع ما يجري على أرض الواقع بالإضافة إلى ما ذكرناه من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، يمكننا التنبؤ بأن أردوغان يحاول النجاة من الغرق، بعد أن حاصرته من الأزمات الداخلية والخارجية والتمسك بقشة الـ 20 ميل في محاولة أخيرة لإنقاذ نفسه والانتقام من الكرد الذين أفشلوا كافة مخططات تركيا الاحتلالية وحلم أردوغان ليصبح إمبراطوراً عثمانياً جديداً في المنطقة.
 ويبدو أن أمريكا لا تنوي في الوقت الحالي على الأقل التفريط في منطقة شرق الفرات، لأنه رغم كافة التهديدات التركية لم تتغير التحركات الأمريكية، فهي لاتزال ترسل شحنات الدعم العسكري واللوجستي لقوات سوريا الديمقراطية، ولاتزال توسّع من إنشاء قواعدها العسكرية في المنطقة، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين الأخيرة.
ويبدو إن أمريكا حسمت أمرها بمنع أي غزو تركي أو دخول تركيا لعمق 20 ميل، وتحاول الآن إقناع أو بالأحرى إجبار تركيا الرضوخ والقبول بمنطقة ما بين 4 حتى 14 كيلو متر وتكون تحت إشراف أمريكي مع دوريات تركية فيها كما يجري على خطوط التماس في منبج.
والملاحظ أن تركيا ستحاول المماطلة وزيادة التهديدات لكسب أكبر قدر ممكن من التنازلات من الإدارة الذاتية، وقد تطور تهديداتها إلى قصف بعض المواقع شرقي الفرات من خلف الحدود قبل الإعلان عن موافقتها على المقترح الأمريكي، ليوهم أردوغان الشعب التركي بأنه قَبِلَ الشروط من مصدر قوة وليس ضعف، ومع ذلك سيسعى باستمرار لإحداث الصداع للإدارة الذاتية عبر طرق ووسائل مختلفة قد يلجأ إليها بعد انتهاء حلمه في احتلال شرقي الفرات عسكرياً.