مجزرة شنكال: مشروع الإبادة لم ينتهِ والمقاومة تستمر

49
وكالة هاوار –

مجزرة شنكال، لا يمر ذكرها إلا وتمر أمام العين مناظر القتل والتنكيل والسبي، مفردات ثقيلة على النفس موجِعة للقلب، دامية في تفاصيلها موجِعة في أحداثها. هي الذكرى الخامسة تحل في تلك الربوع التي شهدت المجزرة وما زالت فصول منها تتكرر، وما زال الكثير من ضحاياها يدفعون الثمن، وما زال جلادو تلك المجزرة يحاولون إعادة فصولها بطريقة أو بأخرى، ولا تزال المقاومة مستمرة بكل عنفوانها.
تعتبر مجزرة شنكال التي بدأت في الثالث من آب 2014 من أكبر المجازر بشاعة وفظاعة في تاريخ الإنسانية الحديث، لهول ما حدث فيها من خيانة المجتمع الدولي قبل القوى المحلية التي باعت هذا الشعب كأضحية لسيوف الإرهاب العالمي المتمثلة بداعش، حيث القتل والخطف والتشريد والتهجير القسري بالآلاف.
شنكال المنطقة والوضع الاجتماعي والتنظيمي:
يعتبر قضاء شنكال ثاني أكبر قضاء في محافظة الموصل بعد قضاء تلعفر وتسمى بالعراق المصغرة لما تحويه من تنوع ديني وعرقي حيث يمثل المجتمع الإيزيدي فيه الأغلبية بنسبة 80% أو أكثر بقليل إلى جانبهم المكونات من الأديان والإثنيات  والقوميات الأخرى من “الكرد والعرب والتركمان المسلمين سنة وشيعة وكذلك السريان والأرمن المسيحيين”.
وهي أيضاً تقع في حلقة المناطق المتنازع عليها حسب المادة 140 في الدستور العراقي وذلك بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم باشور (جنوب كردستان)، وكانت تحت سيطرة قوات البيشمركة وأساييشها من الأمن الداخلي الى جانب تواجد مراكز للشرطة الاتحادية في مراكز بلدات شنكال والمدينة نفسها.
المجزرة: المخططون والمشاركون والداعمون:
كانت الأحداث متسارعة بشدة سنة 2014 حيث تزايدت مجموعات المرتزقة التي تحارب بالوكالة عن القوى الإقليمية والدولية في المنطقة في خضم ثورات الشعب المعلنة من أجل الحرية وإسقاط الديكتاتوريات.
وكانت الحصة الكبرى لتلك المجموعات من نصيب الدولة التركية وحلفائها من تنظيمات سياسية وعسكرية في الدول العربية والإفريقية.
ففي سوريا والعراق أعلنت داعش عن خلافتها المزعومة بدعم تركي قطري بحت ومعلن، حيث السلاح والمواد اللوجستية الكاملة والامداد بالمتطرفين من كافة دول العالم عبر الحدود المفتوحة للإرهاب والسلاح.
بتاريخ 9-6-2014 احتل داعش مدينة موصل لتعبئة قواعده بالسلاح والذخائر المتروكة لهم فيها هناك، ونشروا فيها الدمار والقتل والتشريد بمشاركة عدة جماعات محلية اعتبرت حاضنة لهم في الموصل نفسها، إلى جانب بقاء الدبلوماسيين الأتراك في قنصليتهم كجزء من الخطة في تمرير مشروع تركي لإزالة “عراقيل ” في المنطقة أمام مخططاتهم المرجوة.
لتتم اللعبة بإدخال 350 داعشي عبر حافلات من الأراضي التركية الى تل أبيض وتبديلهم بـ 50 موظف تركي كانوا قد بقوا في مدينة الموصل وفق المخطط له، حسب ما ذكره ضابط في جهاز المخابرات العراقي- فرع الموصل أثناء جلسة الاستماع للجنة المختصة بسقوط الموصل حيث أكد سيطرة القنصل التركي أوزتورك يلماز على قرارات الموصل وأن له يد في تسليمها لداعش، وكذلك ما أكده عناصر من داعش مسجونين لدى قوات سوريا الديمقراطية لوكالة هاوار، كانوا من ضمن العناصر في الصفقة السرية بين الاستخبارات التركية وداعش.
وكان داعش قد سبق في هجمته على شنكال بالسيطرة على عدة مناطق في محيط شنكال كالبليج والقائم ومعظم الحدود السورية العراقية غربي وجنوبي شنكال، بعد هروب الجيش العراقي من معظم مناطق محافظة الموصل ومركزها.
بحسب الوثائق والشهادات التي خرجت علناً وسراً فإن لعدة فئات وشخصيات داخل الحكومة العراقية وجيشها وكذلك للحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في باشور وللحكومة التركية والقوى المرتبطة بها داخل العراق يداً في المؤامرة المحاكة ضد شنكال وشعبها.
 هجوم داعش وهروب مسلحي PDK والشرطة الاتحادية وحصيلة المجزرة 
بالرغم من أن هجمات داعش كانت على تخوم شنكال والقرى الإيزيدية المحيطة وبالرغم من محاولات الشعب في دفع القوات الموجودة بالتصدي ورفع الجاهزية وتقديم الأسلحة الثقيلة، إلا أن قيادات مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني لم تعطِ أي أمر للصد أو الهجوم بل بقيت مكتوفة الأيدي ولم تحرك ساكناً.
بتاريخ 3-8-2014 بدأ داعش بالهجوم على أطراف قضاء شنكال المتمثلة بقرى كرزرك وسيبا شيخ ورمبوسي وتل بنات وكوجو، حيث لاقت مقاومة من قبل أهالي تلك القرى ولاسيما في كرزرك وسيبا شيخ، حيث استشهد العشرات من المواطنين خلال تلك الهجمات لحين تمكين العوائل من النزوح.
وبالرغم من توجه مجموعة من شخصيات ووجهاء من شنكال ونواحيها الى مركز لتجمع قيادات مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني في منطقة شرفدين خلال تلك الليلة للمؤازرة من أجل التصدي، إلا أن قياداتهم لم يقدموا أي جواب وحاولوا طمأنة الوفد على الوضع.
مع تقدم داعش نحو المدينة وفي ساعات الفجر الأولى بدأ مسلحو حزب الديمقراطي الكردستاني بالانسحاب حيث قدر تعدادهم بـ 18 ألف عنصر والمجتمعة معظمها في المدينة نفسها وفي نواحي “منطقة الشمال” شمالي جبل شنكال، وتوجهوا نحو محافظة دهوك ومن لم يتمكن من الهرب لجأ الى روج آفا ليحتمي بوحدات حماية الشعب.
بقاء الشعب فريسة لداعش في مواجهة الموت
أما الشعب في شنكال ومعهم مئات النازحين من الموصل وتلعفر ونواحيها فقد أصابهم الذهول وينهال الأهالي على الطريق الوحيد المؤدي الى الجبل أو تسلق الجبل من أقرب نقطة لهم سيراً على الأقدام وسط الحرارة المميتة.
واحتل داعش خلال ساعات الصباح الأولى مدينة شنكال ليقوم بالقتل العشوائي في الشوارع وداخل المنازل وخطف النساء والأطفال قدر المستطاع، مرافقاً بحالات حرق وتفجير للمزارات المقدسة الخاصة بالإيزيديين والشيعة في المدينة ومحيطها.
في الجانب الآخر، بدأت وحدات حماية الشعب بفتح أكبر ممر إنساني في التاريخ الحديث لإنقاذ الشعب من إبادة كاملة على يد مجموعة مرتزقة عالمية تمتلك كامل التقنية والسلاح وآلاف العناصر.
وتمكن مئات الآلاف من النجاة والوصول إلى مخيمات وقرى أفرغتها الإدارة الذاتية لاستقبالهم ومساندتهم. حيث استشهد في هذا الممر أكثر من 150 مقاتلاً من الوحدات. وبقي قسم آخر من الأهالي صامداً في الجبل تحت حماية مقاتلين من الكريلا ومتطوعين محليين معهم.
حصيلة المجزرة:
بحسب تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في باشور، فان عدد المخطوفين وصل الى 6413 أغلبهم من النساء، وبحسب المدير العام لشؤون الإيزيديين في وزارة الأوقاف خيري بوزان فأنه نزح 360 ألف مدني وفقد 1293 أخرين حياتهم في اليوم الأول من الهجوم.
كما يوجد 2745 طفل وطفلة يتيمة، وعدد المقابر الجماعية المكتشفة حتى الآن هي 69 مقبرة جماعية بالإضافة الى عشرات المقابر الفردية المتناثرة في المنطقة، وفجر 68 مزار.
محاولات مستمرة من قِبل القوى المحتلة منذ المجزرة إلى اليوم دون بلوغ الهدف
لم تتوقف الهجمات على شنكال والمجتمع الإيزيدي منذ تاريخ 3-8-2014 إلى اليوم، بهدف كسر إرادة الشعب والسيطرة على تلك المنطقة لمصالح تجارية وسياسية وعسكرية.
ففي الثالث من شهر آذار 2017 هاجمت مجموعات تركمانية مدعومة من تركية برفقة عناصر من استخبارات الأخيرة وقوات مسلحي حزب الديمقراطي الكردستاني وبعض من مرتزقة ما تسمى ببيشمركة روج، ناحية خانه صور شمالي جبل شنكال. وكان الهدف من الهجوم، كسر إرادة الشعب المتمثلة بالمجلس التأسيسي لشنكال و وحدات مقاومة شنكال الوحيدة التي قاومت داعش وحررت المنطقة، ليستشهد على إثرها 7 مقاتلين والصحفية نوجيان آرهان ومدنية.
وفي 15 آب 2018 استهدفت الطائرات التركية سيارة القيادي في منظومة المجتمع الكردستاني مام زكي شنكالي بعد عملية استخباراتية بدعم جهات عراقية وكردية ليستشهد على إثرها، وكانت ثاني محاولة لتهديد الإيزيديين في شنكال بالإبادة أو الاستسلام لاستبدادهم.
تتالت المؤامرات على الشعب في شنكال وأغلقت الحدود والمعابر الرابطة بينهم وبين أهلهم في روج آفا كحرب خاصة جديدة مترافقة بهجمات جوية للطائرات التركية، وكذلك اعتقال كل إيزيدي مساند للإدارة المتشكلة في قضاء شنكال، من قبل أساييش واستخبارات حزب الديمقراطي في دهوك وزاخو وهولير.
 المقاومة مستمرة والتهديد قائم من كافة الجهات ضد المجتمع الإيزيدي وشنكال
رغم كافة المحاولات في الهجوم والحصار والاعتقال والاغتيالات التي طالت الإيزيديين بعد مجزرة الثالث من آب 2014، لم يتوانَ الإيزيديون في إعادة الحياة إلى مناطقهم وبناء إدارتهم بإرادتهم وتشكيل كافة المؤسسات الاجتماعية والأمنية بعد فقدان الثقة بالحكومتين، كل ذلك وفق القوانين الدستورية في العراق الفيدرالية.
لكن لا تزال الحكومة العراقية متذبذبة في دعمها لشنكال وتعويض ما اقترفته بحق هذا الشعب من تهميش وتركه في أيام الشدة، أما حكومة باشور بحزبها الحاكم المتمثل بحزب الديمقراطي الكردستاني فما تزال طامعة في السيطرة بتحريض تركي لمنع ترسخ أي إرادة بارزة في تلك المنطقة تؤثر على مصالحهم الشخصية على الرغم من انسحابه المتتالي منها.
وكذلك الدولة التركية لا تزال تجعل شنكال بمجالسها وقواتها ومؤسساتها هدفاً لطائراتها الحربية مع صمت حكومي ودولي كامل في هذا الصدد.