ثورة روج آفا …تحرير ومقاومة

166
تحقيق / رامان آزاد –

تميّزت ثورة 19 تموز بأنّها ثورة المجتمع، متجاوزةً مفاهيمَ النخبِ والطليعةِ، أو تكون مرحلة طارئة لتحقيقِ أهدافٍ محددةٍ، فالثورة الحقّة استمراريّة للمحافظة على المنجزات وتحصينها وتطويرها، وعندما تكون حيازة السلطة هدف الثورة تفقدُ معناها وتصبح مجرد انقلابٍ، لأنّ الثورة انتقالٌ مجتمعيّ من حالة العقم والانقطاع إلى الإنجاز والتواصل، وإنهاء الإرهاب والوصاية والفساد والتضييق على الحريات، وبالمجمل هي تحصين الحياة في المجتمع. وسرّ الانتصاراتِ على الإرهاب أنّها استمدّت قوتها وزخمها من البُعد الثوريّ.
اختزل شعارُ “إسقاطِ النظام” الثورةَ في البعد المجتمعيّ، وأدّى إلى صراعٍ بين طرفين يسعى أحدهما لحيازة السلطة والآخر للاحتفاظ بها، واُختزل ذلك بعنواني الثورة والمؤامرة، وبذلك كان تبادلُ العنفِ هو النتيجة. فيما كان دخول الدخول المسلح إلى القرى والبلدات والمدن سقوطاً مريعاً للثورة.
 الخط الثالث …حل واقعي لا “وسطي”
لم يكنِ الطريقُ الثالث مساراً سياسيّاً بل كان خياراً وطنيّاً جامعاً، ومن السطحيّةِ بمكانٍ الإشارةُ إلى هذا الخيارِ بأنّه الخط الوسطيّ، لأنّه لا إمكانَ لقياسِ الوسط، فما لم يُعرف حدّاه لا يُعرفُ له وسطٌ. فالخطُ الثالث تبنّى الخيارَ السوريّ الوطنيّ، والمتمثلُ بالديمقراطيّة حلاً شاملاً للأزمةِ السوريّةِ، وكان ذلك نتيجةً طبيعيّةً لاستقراءِ تفاصيلِ الأزمةِ وتداعياتها والتماسِ الحلِّ لها والتصدّي لسوء الفهم التاريخيّ بين المكوناتِ السوريّةِ، أي أنّها تبنّت توصيفاً اعتباريّاً للأزمةِ وحالة المجتمع السوريّ ككلّ، دون شخصنتها قوميّاً أو طائفيّاً أو فئويّاً، فالقضية هي برفضِ الفسادِ والاستبدادِ والقمعِ والملاحقة الأمنيّة والإقصاء والتغييب الثقافيّ، فالمطلوبُ هو تحقيقُ الحريات والديمقراطيّة وتطويرُ بنيةِ المجتمعِ دون انغلاقٍ في إطارِ طائفةٍ أو فئةٍ، بل بجعل الوطنيّةَ السقفَ الأعلى لكلّ السوريين، يمارسون في ظلها خصوصياتِهم الاجتماعيّةِ والثقافيّةِ والتراثيّةِ.
أثبتتِ الأيامُ صوابيّة المنهج وبُعد الرؤيةِ لثورة روج آفا، فيما استمرتِ الصراعُ المسلحُ مطعماً بجنسيات أجنبيّة قدمت إلى سوريا تحت عنوان الجهاد فأوغلت في دماءِ السوريين وتقطيعِ البلاد وتكريس المذهبيّة، وعجزت الجولات المكوكيّة لمباحثات جنيف وأستانة وسوتشي عن إيجاد أيّ مقاربة للحلّ السياسيّ، والنظام السياسيّ لم يغادر موقعَ الخطابِ القوميّ الأوحد، وحصر في نفسه ثلاثيّة (الوطن والدولة والنظام)، فيما واصلتِ المعارضة انشطارَها وانقسامَها على نفسها بتعددِ الجهاتِ الخارجيّةِ الداعمة لها، فتعددت منصاتُها وتبادلت فيما بينها خطاباتِ التخوين.
منح الخيارُ الوطنيّ ثورة روج آفا المناعة الكافية فلم تُستدرج إلى أتونِ الحربِ الدائرة على الأرض السوريّة، ولم تتطاول على المرافق العامة والخدميّة، بل حافظت عليها إذ أنّها لا تخصُّ نظاماً سياسيّاً أو أفراداً، وعملت على مأسسة المجتمع وتفعيلِ الدور الخدميّ للمؤسسات، ولم تكن بمنأى عن محاولاتِ المعارضةِ باستهدافها وكيل اتهاماتٍ متناقضة تارةً بموالاة النظام وطوراً بالتقسيم والانفصال، وواصلت لعبَ دورٍ هدّامٍ لتوصل البلاد إلى حالةِ انقسامِ الفكريّ وتغليبِ لغةِ السلاحِ والعنفِ لكلّ ما يخالفها وضرب العناصر الوطنيّة السوريّة.
ثورة المقاومة والفِداء
من أهمِ ثوابت ثورة روج آفا عدم النظر إلى أيّ طرفٍ سوريّ آخر من موقع العداوةِ أو الرفضِ، وعلى هذا الأساسِ لم تبادر إلى أيّ عملٍ عدائيّ، بل توخّتِ السلميّة في منطلقها وسياقها فكراً وعملاً.
شهدتِ الجغرافيا السوريّة منذ بداية الأزمة حالات تسلّح عشوائيّة وفوضى بانتشار السلاح، وتدفق السلاحُ ليكون عاملَ تأجيج الصراع  تمدّها بأسباب الانتشار أكثر فأكثر واُستقدم المقاتلون الإرهابيون من أصقاع العالم، ولتصبحَ سوريا خلال فترةٍ وجيزةٍ ميدانَ حربٍ عالميّةٍ تجسّد صراع إرادات متناقضة، وكلٌّ يحاولُ فرضَ أجندته الخاصة، ويحسّن شروط تفاوضه من أجل مصالحه عبر المفصل السوريّ.
إزاء هذا التطور في الوضع السوري تمّ اعتماد توجيهات القائد عبد الله أوجلان خارطة طريقٍ للعمل، وتضمنت ثلاث نقاط رئيسيّة هي: ألا يكون الكرد في روج آفا طرفاً في أيّ صراع داخليّ سواء أكان مع النظام أو المعارضة بل طرفاً ثالثاً وأن يتمَّ العملُ على بناءِ قوة عسكريّة في روج آفا وقد عُرفت لاحقاً بـاسم وحدات حماية الشعب YPG، وبوشر العمل على مأسسة المجتمع ببناءِ المؤسساتِ المدنيّةِ والخدميّة والأمنيّة.
لم يمض الزمان طويلاً حتى أصبحت (YPG) قوة يشهد لها بالإرادة والبأس ومضت تدحر الإرهاب والجماعات التكفيريّة وتطهر الأرض من رجسها، وأثبتت بأنّها قوة وطنيّة سوريّة تدافع عن كرامة السوريين، وانضم إليها عشرات الشبان من مختلف المكوّنات وامتزجت دماء الشهداء لتكتب عهداً جديداً لسوريا عنوانه إخوة الشعوب، إلا أنّ الأمية التي سبّبتها أمراض الشوفينيّة والمذهبيّة حالت دون قراءة البعض لهذا العهد.
تَدخّل أنقرة وعِداء الكرد
تجاوزت ثورة روج آفا مراحل العقم الفكريّ والمراوحة في التاريخ، وخرجت على أطر الدولة القوميّة المتحجّرة، فتخوفت منها حكومة “العثمانيّة الجديدة”، فدعمتِ الجماعات المسلحة واحتضتنها سياسيّاً لضرب مناطق روج آفا.
لم تتجاوز “الثورة السوريّة” الشعارَ الذي غدا مادة إعلاميّة، وتحوّلت إلى حربٍ ضروسٍ فضحت ممارسات وتآمر مختلف الأطراف بالمحيط الإقليميّ وتعاون شركاء الداخل، وليتبين أنّ الأطراف المتآمرة وفي مقدمها تركيا وسعيها لضمان مصالحها عبر التحكم واللعب والمتاجرة بحياة السوريين ودمائهم وحريتهم واغتيال تطلعاتهم بالخلاصِ من رحى الحربِ التي طحنتهم دون تمييز.
دعمت تركيا الفصائل المسلّحة وكلّ المرتزقة، وفتحت حدودها على الغارب لمرور اللاجئين الهاربين من لظى الحرب، بالمقابل سهّلت الحركة العكسيّة لعبور المرتزقة وتمرير السلاح بأنواعه، ولم تدخر جهداً في تقديمِ الدعمِ اللوجستيّ والإمدادِ العسكريّ والدعمِ بالخبراتِ والإشرافِ وتوفيرِ المعلوماتِ الاستخباريّة. ولم تكن صادقة في نيتها بتأييد “الثورة” لإيجاد بديل للنظام القائم، بل سعت لضرب شعوب روج آفا ومنعها من إيجاد مشروعٍ سياسيّ يجسّد أحلام السوريين بالحرية والديمقراطيّة، ويكون منطلقاً نحو مرحلة جديدة للشعوب المظلومة بالمنطقة تتمتع فيها بالحقوق الطبيعيّة التي سُلبت منها عبر سياسات القمع والصهر والإبادة.
أنقرة المصابة بفوبيا الكرد دعمت فصائل ما سُمّي “الجيش الحرّ” الذي قطع الطرق إلى عفرين وشنَّ الهجماتِ على القرى الآمنة وقصفها بالقذائف، كما دعمت مرتزقة النصرة بمسمّى “غرباء الشام” للهجومِ على سري كانيه في 16/1/2013، بهدفُ القضاء على أيّ بنيةٍ تنظيميّةٍ بالمناطقِ ذات الغالبيّة الكرديّة رغم إيجابيّة دور الكرد بإدارةِ تلك المناطق، وليتضح أنّ الطرفَ المستفيدَ هو تركيا إذ تحاول تحويلَ المواجهةِ العسكريّة لتكونَ مع المكوّن الكرديّ وتجرّه إلى حرب عربيّة – كرديّة وتحرّض النزعة القوميّة. بالتوازي مع استهداف الكرد في عفرين وحيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدنيّة حلب.
في 16/9/2014 هاجمت قطعانُ مرتزقة داعش مدينة كوباني بعدما سيطرت على مساحات واسعة من القرى والبلدات المحيطة بها، وتمكنت من دخول المدينة في 3/10/2014 تشرين الأول. وقد خيضت معاركَ استثنائيّةً بالمدينة على مدى 112 يومٍ من الاشتباكات المتواصلة وسُطرت خلالها ملاحم البطولة والفدائيّة حتى تحريرها في 26/1/2015. ويومها انتبه العالم كله إلى شمال سوريا وإلى الكرد. ولكن الانتصار لم يرق لسلطان العثمانيّة، إذ أعلن أردوغان في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام التركيّة غداة تحرير كوباني وطرد مرتزقة “داعش” منها، أنّ تركيا لا تريد منطقة كرديّة خاضعة لحكم ذاتيّ في سوريا على غرار باشور ، ولكنه كان مرتاحاً بإغارةِ قطعان الإرهابِ على المواطنين الآمنين وارتكابها المجازرَ.
أواخر شباط 2015 تمّ تحرير بلدة تل حميس بعد أسبوعين من المعاركِ الضارية وكان مرتزقة داعش قد سيطروا على البلدة نحو عامين.
في أيار 2015 بدأت وحدات حماية الشعب ومعها المجلس العسكريّ السريانيّ ومقاتلو عشائر عربيّة بحملةٍ عسكريّةٍ غرب  الحسكة، وحرّرت 4 آلاف كم2، وفي 23/6/2015 شنَّ مرتزقة داعش هجوماً جديداً على أجزاء من مدينة الحسكة، فتمّ التصدّي وردّهم على أعقابهم.
تمّ تحرير مدينة كري سبي /تل أبيض في 16/6/2015 وجاء الإعلان عن إدارتها الذاتيّة الديمقراطيّة في 21/10/2015.
 ولادة قسد وحملات التحرير
تأسست قوات سوريا الديمقراطيّة في 10/10/2015 من مجموعة من الفصائل والألوية العسكريّة المقاتلة التي تنتمي إلى كافة مكوّناتِ شمال سوريا، (وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، جيش الثوار، غرفة بركان الفرات، قوات الصناديد، وتجمع ألوية الجزيرة، المجلس العسكري السريانيّ)، ومنذ تأسيسها نظّمت هذه القوات العديد من الحملات العسكرية ضد مرتزقة “داعش”. وهذه الحملات مُرتّبة حسب التسلسل الزمنيّ:
في 15/10/2015 أطلقت قسد حملة عسكريّة لتحرير ريف الحسكة الجنوبيّ، وتحديداً منطقة الهول تلبيةً لنداءات الأهالي، فحرّرتها مع 196 قرية ومزرعة.
وأطلقت الحملة الثانية بمنطقة سدّ تشرين جنوب كوباني، وحرّرت المناطق الواقعة بين بلدة صرّين وسدّ تشرين وتُقدر المسافة بينهما بـ 60 كم. وفي 26/12/2015 تمّ تحريرُ سد تشرين الاستراتيجيّ.
الحملة الثالثة أطلقتها القوات في 28/2/2016 باسم حملة الانتقام لإيلين وجودي، بعد هجمات مرتزقة داعش على قرى كري سبي بدعم تركيّ عبر فتح حدودها أمام المرتزقة، وشملت الحملة المنطقة الممتدة من جبل كزوان (عبدالعزيز) حتى شمال الرقة، وخلال الحملة تمّ تطهيرُ المنطقة الواقعة بين جنوب غرب الحسكة والريف الشماليّ الشرقيّ لمدينة الرقة، إضافة لتشكيل حزام دفاعيّ حول مقاطعة الجزيرة ومنطقة كري سبي.
في 19/2/2016 بدأت حملةُ غضب الخابور لتحرير مدينة الشدادي انتقاماً للجرائم المروّعة بحقِّ الفتيات والأطفال الإيزيديين حيث حوّل المرتزقة المدينة لسوقِ للنخاسة لبيعهم فيها.
في 12/8/2016 حملة تحرير مدينة منبج الاستراتيجية. وتمّ تشكيل الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة بمنبج في 14/3/2017
في10/5/2017 تحرير الطبقة. وتشكيل الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة بالطبقة في 1/11/2017
20/10/2017 حملة غضب الفرات لتحرير ريف الرقة وتُوجّت بالإعلان عن تحرير الرقة. وتأسيس مجلس الرقة المدنيّ  في 18 /4/2017
21/3/2019 قيادة عمليات غضب الفرات تعلن تحرير بلدة الباغوز آخر معاقل مرتزقة داعش، وبذلك تكون معركة دحر الإرهاب قد انتهت في كامل جغرافيا شرق الفرات. وكانتِ الحملة قد بدأت في 9/9/2017 لتحرير ما تبقى من مناطق ريف الحسكة وديرالزور.
الإرهاب التركيّ والعدوان على عفرين
لم تتوقف تركيا عن المشاغبةِ والعدوانِ على روج آفا فواصلت قصف نقاط تمركز وحدات حماية الشعب عبر الوكلاء المرتزقة، وسخّرت كلَّ الإمكانات الماديّة وقدّم الجيشُ التركيّ وعناصرُ الاستخبارات (الميت) الدعمَ اللوجيستيّ للمجاميع المسلّحة المتطرفة والتكفيريّة المرتزقة كالنصرة وداعش وفتحت لهم الحدود لشنِّ الهجماتِ على سري كانيه وكوباني وعفرين والشهباء وكري سبي، وانتقلت إلى مرحلة التدخّل العسكريّ المباشر بعد محاولات مكثفة لاسترضاء مراكز القرار الدوليّ وضمان صمتها فاحتلت جرابلس في 24/8/2016 والباب لمنع التواصل بين عفرين وكوباني.
صباح 25/4/2017 ارتكبت أنقرة مجزرة عبر القصف الجوي على قره جوخ، وواصلتِ الحرب الخاصة والخفية والضخّ الإعلاميّ، وسعت إلى عرقلة حملات التحرير التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطيّة بالعدوان على عفرين.
ففي 20/1/2018 بدأ الجيش التركيّ ومعه مجاميع المرتزقة من كلّ لون حرباً على قرى وبلدات المقاطعة واستخدمت الطيران إضافةً للمدفعيّة والأسلحة الثقيلة لتخرق كلّ القوانين الدوليّة وتنتهك السيادة الوطنيّة السوريّة، وكان شعبنا في عفرين على قدر المسؤوليّة بتبني خيار المقاومة ومارس حقه الطبيعيّ في الدفاع عن الذات، وغدا نموذجاً اليوم حقيقيّاً في المقاومة والنضال إذ صمد 58 يوماً أمام أعتى آلة حربيّة عمياء، وليؤكّد مسار مقاومة كوباني الأسطوريّة الباسلة وصلابة الإرادةِ الشعبيّةِ في سري كانيه والحسكة؛ وليكون قيمّة أخلاقيّة ووطنيّة تُضاف إلى ملاحم ثورة روج آفا.
العدوان على عفرين عرّى سياسات أنقرة وكشف عن حجم حقدها الدفين وتوحّشها، فبعد الاحتلال استباحت المنطقة وأطلقت يدَ الإرهاب تمارس فيها كلّ أنواع الجرائم (السرقة والنهب واعتقال الأهالي وتعذيبهم وقتلهم واختطاف النساء واغتصابهن وحرق البيوت والأشجار ومصادرة الأملاك) وغدت عفرين سجناً كبيراً، فيما فضح الصمت الدوليّ ازدواجيّة المعايير ونفاق العالم.
مع احتلال عفرين انتقلتِ المقاومة إلى مرحلة جديدة تتطلب الدعم والمساندة بكلِّ الوسائل من قبل عموم شعبنا في باقي المقاطعات وكلّ أنحاء العالم والقيام بكلّ ما من شأنه إيصال الصورة الحقيقيّة لممارسة الضغط على مراكز القرار الدوليّ وصولاً لإنهاء الاحتلال. ولنعلم أنّ شعبنا في عفرين لا ينفصل عن نضال كلّ الأحرار في العالم وفي سوريا، وعفرين اليوم تجاوزت عتبات التاريخ لتكون مأثرة مقاومة فهي كلها أضحت عائلة الشهداء وأرضها مثوى الشهداء، لن ترضى إلا بالنصر على الاحتلال التركيّ.
في مناطق الشهباء ترسخّت فكرة التعايش وأخوة الشعوب، فيما أسقطتِ الجزيرةُ حلمَ الإرهابيين وقضت على طموحاتهم بإثارة الفتنة، وفي كوباني أُسقط وهمُ التهديد الإرهابيّ وتحقق أول انتصارٍ مزلزلٍ ودافعت عن السلام نيابةً عن الإنسانيّة، ليفقد أردوغان صوابه ويحذّر من تكرار تجربة كوباني في عفرين، بعدما تكرّست لديه فوبيا الكرديّ والديمقراطيّة، فما انفكّ ينعت مقاتلي وحدات الحماية الكرديّة بـ “إرهابيي كوباني”. وأنّه لن يسمح بتكرار ما جرى في كوباني في عفرين أيضاً!” وقد كشفت عفرين قُبحَ المساوماتِ والصفقاتِ وكانت ميدان مقاومة بطوليّة نادرة لم يتوقعها أحد، وما يبديه الآن شعبنا في عفرين وفي المخيمات مقاومةٌ تاريخيّة نادرة مثّلت أرقى قيم حقّ الدفاعِ المشروع عن الوجود والتاريخ والجغرافيا، وستغني بتجربتها الميراث النضاليّ العالميّ وهي درسٌ لكلّ شعوب العالم وأحراره.
لم يكن غريباً أبداً انضمام أعدادٍ رمزيّة من المتطوعين الأمميين إلى صفوف قواتنا الباسلة، هؤلاء ممن تجاوزوا الدعاية السوداء ونُوّرت عقولهم بقيم الإنسانيّة والعدالة وبعضهم ارتقى إلى مرتبة الشهادة، تأكيداً على أنّ صراعَ الحق مع الباطل لا يتوقف عند حدودِ الجغرافيا أو اختلاف اللون واللغة، بل هو قضية إنسانيّة صرفة.
مازالت قوات سوريا الديمقراطيّة محلّ الثقة وموئل الرجاء ويتواصل رفدها بأبناء العشائر العربيّة في أرياف الرقة و منبج ودير الزور وجرابلس. ما ينعكس بزيادة عديدها وقوتها واتساع حاضنتها، واللافت في هيكليّة هذه القوات أنّها  تضمُّ مجالس عسكريّة للمدن أو المناطق تضمَّ إليها أبناء المناطق.