الثقافة المشتركة والعريقة مِن سِمات ثورة 19تموز

103
روناهي/ قامشلو : بدأت ثورة روج آفا من كوباني، لتغدو شجرة ظليلة تستظل بها شعوب شمال وشرق سوريا، وشجرة مثمرة وبيادر عطاء لشعوب سوريا قاطبة، بعد أن استطاعت إيصال صوت الشعوب المتطلعة إلى الحرية للعالم أجمع، وكانت الثورة الثقافية التي فجّرت ينابيع عطاء ثقافية جديدة، وحافظت على عراقة وأصالة جميع  الشعوب في المنطقة.
لكل ثورة في العالم نتائج ومسببات رئيسية، حثت ضمير ووجدان الإنسان ليقوم وينتفض ويظهر ما يريد وما يحق له في هذه الحياة، لأن الإنسان حرٌ بطبيعته ومن حقوقه العيش بسلام وأمان وممارسة حق الهوية واللغة والتعليم في كل أرجاء العالم، ولكن لم يكن للكرد حق أو بصيص أمل لعيش حياة ديمقراطية، وتعرضوا عبر الزمن لسياسات طمس الهوية وتشتيت الفكر الكردي الموحد، وتمزيق كتب تاريخهم، وزج مفكريهم ومثقفيهم في السجون، ولكن شمس الحرية التي حُجبت عن الشعب الكردي لدهور بدأت بالإشراق ووصل نور شعاعها إلى العالم أجمع.
 ثورة 19 تموز في روج آفا جلت سواد أعوام من الظلم والقهر، مسحت دموع الأطفال منحتهم أقلام وكراسات ليدوّنوا بلغتهم تاريخهم، هذه الثورة التي كانت بمثابة النور للأعين التي أغلقتها الأيادي الحاكمة، بل وأعطت كافة مكونات المنطقة حق الحرية والتعبير ولم تكن كالأنظمة التي تفرض لغة ونظام وإرادة ثابتة راكدة، وتشابكت الأيادي الكردية مع مكونات المنطقة كلها لتكون يداً واحدة وبقوة وروحٍ موحدة وثقافة مشتركة تتعايش بسلام وودٍ.
وبتطور لافت بدأت المؤسسات بتداول اللغة الكردية، وحمل السلاح إلى جانب الكاميرات والقلم، وانتشروا باحثين عن الحقيقة مدافعين عن حقوقهم بكل بسالة، وأخذت الثقافة والفلكلور الكردي دربها الصحيح وافتتحت العديد من المراكز الثقافية وبدون شك كانت المدارس وتعليم النشء باللغة الكردية العلوم والآداب من أعظم إنجازاتها، ومن هنا بدأت الشعوب في روج آفا وشمال سوريا باستنشاق نسمات الحرية كما الآخرين بدون قيود وشروط محكمة، ووصل صوتها للعالم أجمع.
الالتفاف حول الثقافة المشتركة رغم الاختلافات الفكرية:
وتعتبر الثقافة والفن على مر العصور؛ الواجهة الحضارية لكل منطقة، باعتبار أنها تمتلك إرثاً حضارياً كبيراً. فكيف ذاك  إذا كان حال المنطقة تغيرت برمتها بعد ثورة روج آفا؟ فقد أعطت زخماً فكرياً أكثر من ذي قبل من خلال قبول كافة النخب المثقفة على اختلافها في التوجه السياسي إلا أن ذلك لم يمنع أبداً من قبولهم على طاولة الثقافة والفكر. فكانت أولى مفرزات ثورة روج آفا على الصعيد الثقافي؛ هيئة الثقافة والفن، وإنشاء لجانٍ الثقافة والفن في المناطق التي تمتعت بإدارة مدنية، إذ يلقى على عاتقها رعاية جميع الأنشطة والفعاليات الثقافية على تنوع الفنون والأجناس الأدبية، فضلاً عن استقطاب المثقفين والمفكرين لعرض نتاجهم بجوٍ من الحرية الشخصية، وإبداء الرأي والرأي الآخر.
كما يتبع إلى لجان الثقافة والفن؛ عدد من الأقسام، تتمثل؛ بدائرة الآثار، ومركز الثقافة والفن، ومكاتب عامة. وفي المناطق المحررة مؤخراً بات الحراك الثقافي يشهد حراكاً منقطع النظير، يتمثل بإقامة سلسلة من الندوات والمهرجانات والمحاضرات، إذ لا يكاد يخلو أسبوع دون أن تمر مناسبة ثقافية في إحدى قاعات الثقافة والفن، وتُقدم أيضاً على مسارح الثقافة العديد من المسرحيات المختلفة ضمن مناسبات، تنظم في المهرجانات الرسمية على مستوى روج آفا كاملة. كما يبرز دور دائرة الآثار في الحفاظ على الهوية الثقافية للمدن بعدما طالتها يد الإرهاب، فكان أن بدأت أعمال ترميم الكثير من المواقع الأثرية.
 المؤسسات الثقافية صروح للمعرفة:
لم يكن للمؤسسات الثقافية من وجود في روج آفا، فالمؤسسات الثقافية العربية كانت حكراً على النظام والدعاية له وتمجيده، وأما القليل من الأصوات الثقافية التي كانت تصل إلى من كان ينتظرها فكانت مبحوحة مرتعبة أو مؤدلجة، وغما أنها كانت مبرمجة سلفاً، أما المؤسسات الثقافية السريانية فكانت بتواجد خجول، وبما يكفي لرفع العتب وإسكات بعض الأصوات التي كانت تطالب بها من قبيل الرجاء، وفيما يخص المؤسسات الكردية فقد كانت معدومة الوجود فكيف لمؤسسة ثقافية كردية أن تتواجد في مكان ينكر وجود الكرد ويحارب وجودهم وينكر عليهم أسماءهم ولغتهم.
مع بداية ثورة روج آفا التي كانت الانتصارات العسكرية أهم سماتها وثورة المرأة أهم صفاتها، كانت هناك ثورة حقيقية في جميع مجالات الثقافة والأدب والفن، تجلت بدايتها في الاهتمام باللغة الكردية التي تحولت عشرات البيوت من أجلها إلى شبه مدارس، ومن ثم كان افتتاح المدارس وإطلاق التعليم باللغة الام لكل المكونات واعتبار الكردية والعربية والسريانية لغات رسمية، ومن ثم كانت المراكز الثقافية التي انتشرت في كل المدن والبلدات وكان شعارها وسعيها دوماً نحو حماية الموروث الشعبي لكافة الشعوب والاهتمام وبها وتطوير الفن وتنظيم المهتمين والعاملين فيه، وتأسيس العشرات من الفرق الموسيقية وفرق الغناء وفرق الرقص وغيرها، وافتتاح عشرات الدورات الفنية إلى جانب افتتاح دار للموسيقا باسم “أوركسترا روج آفا”.
في عام 2014 كان تأسيس اتحاد المثقفين في اقليم الجزيرة وتوسع الاتحاد ليفتتح فروع له في مدن وبلدات الجزيرة واصبح له ثمانية فروع تضم العشرات من المثقفين بهوياتهم المختلفة، وقدم الاتحاد العشرات من المحاضرات التي تهم المجتمع بجميع شرائحه، وطبعت عشرات الكتب القيّمة من نتاجات أعضائه وسواهم، وأقام العديد من المهرجانات وشارك في العديد منها، واقام عشرات من المعارض الفنية ومعارض الكتب وشارك فيها جميعاً، كما كان إعلان تأسيس العديد من المؤسسات الثقافية الأخرى، التي ضمت اليها عشرات المثقفين والمهتمين بالأدب والفن والتراث، ساهمت أعمالها ونشاطاتها في إغناء الثقافة ورفدها بالكثير.
إلى جانب ذلك كانت المطابع ودور النشر التي بدا انتشارها جلياً واخذت دورها في رفد الشارع الثقافي بالمطبوعات والكتب، وكانت العديد من دور النشر العامة والخاصة، بالإضافة إلى العديد من المطابع ومن أبرزها مطبعة سيماف في قامشلو ومطبعة الشهيد هركول في ديريك، والتي ساهمت في طباعة عشرات الكتب وبعشرات الآلاف من النسخ.
 المهرجانات الثقافية المنوعة ثورة إبداع وفن:
المهرجانات السنوية الثقافية وبتنوعها اللافت أيضاً باتت سمة للواقع والحراك الثقافي، ومنها مهرجان الأدب ومهرجان المسرح ومهرجان الموسيقا ومهرجان فن وأدب المرأة ومهرجان فن وأدب الطفل ومهرجان السينما، كلها أصبحت من ينابيع الثقافة والفن، وفي جميع هذه المهرجانات دور أساسي وريادي للمرأة إضافة إلى المهرجانات والفعاليات الخاصة بها، كمهرجان أدب وفن المرأة ونشاطات رابطة المرأة المثقفة و”حركة الهلال الذهبي”.
 ثورة روج آفا نهضة تعليمية:
وأولت ثورة روج آفا التعليم والارتقاء بالمستوى العلمي لأطفال المنطقة إلى مستويات عالية أهمية كبرى، فقد تحولت بعض مدارس في المناطق التي وقعت تحت سيطرة المرتزقة لفترات معينة إلى خرابٍ وتحولت المدارس إلى مراكز للخطف والتعذيب، لأن المرتزقة هدفوا إلى تدمير البنية التحتية لكل منطقة يسيطرون عليها، ألا وهي الصروح التعليمية فالعلم يحارب الفكر المتطرف، وكانت اللغة الكردية أسيرة تعرضت لقمعٍ كبير، وتم التضييق عليها وإنكارها ومنعها، وكانت اللغة العربية أساس كل شيء في سوريا برمتها، وكان تعلم اللغة الكردية من قبل بشكل سري تام ومحاط بخوفٍ رهيب، ولكن على الرغم من كل هذه الظروف القاسية لم تُنسَ وحافظ عليها الكرد وبعد ثورة روج آفا توسعت أفق تعليم اللغة الكردية، وافتتحت المدارس والمعاهد والأكاديميات لتدريس اللغة الكردية، وتخرج مختصي باللغة الكردية كوادر تعليمية كبيرة وأنضم الآلاف من الطلبة إليها إلى أن افتتحت كليات للأدب الكردي في جامعات روج آفا، وسلكت اللغة الكردية طريقها إلى الحرية وباتت اللغة الرئيسية مع شقيقتيها اللغة العربية والسريانية.
 المكتبات العامة ومعارض الكتب مناهل ثقافة ومعرفة:
خلال الأعوام الستة الفائتة كانت المكتبات العامة تعود إلى الحياة من جديد وتم افتتاح العديد منها في مدن ومناطق مختلفة في شمال وشرق سوريا ومن أبرز تلك المكتبات على سبيل المثال لا الحصر، مكتبة أمارا وحديقة القراءة في قامشلو، مكتبة ملا غزيل في منبج، ومكتبة عامة في مخيم سردم في الشهباء ومكتبة عامة ضخمة في كل من ديريك، والرقة والحسكة وسواها، وكان معرض الكتاب “معرض هركول للكتاب” بنسختيه السابقتين تظاهرة ثقافية مميزة وتقام بنسختها الثالثة حالياً، فيما كان معرض الكتاب المتجول نقلة نوعية وخطوة رائدة في مجال معارض الكتب ونشر الثقافة.
أن الحديث عن الثقافة والفن في إطار ما بعد ثورة روج آفا لا ينتهي، فهي من أعطت تتجدد بصمات مبدعيها للنهوض بواقع ثقافتهم عبر منح جميع الشعوب والمواطنين الحق بممارسة طقوسهم الخاصة دون أي إقصاء أو تهميش من أحد.