فرحان خليل: “ثورة 19 تموز أعادت لشعوب المنطقة كرامتها وحقوقها”

74
حوار/  آلـدار آمـد  –

لقد شهد نهايات القرن التاسع عشر صراعاً طويلاً بين علماء الاجتماع والفلاسفة حول تطور المجتمعات من حيث نظامها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتكللت مع بداية القرن العشرين بالثورة الاشتراكية في روسيا. لكن؛ هذا النظام الاشتراكي افتقد إلى الكثير من المقومات لاستمراره، والحفاظ على مصالح الشعب والمجتمع وأولها افتقاده إلى تحليل علمي لمفهوم الدولة والسلطة؛ مما أدى إلى انهيارها في صراع مرير مع الحداثة الرأسمالية التي تمكنت من الانقضاض عليها وترويض النظام الاشتراكي وجعلها في خدمة الحداثة. ومع نهايات القرن العشرين بدأت تظهر مفاهيم جديدة لكل من السلطة والدولة والديمقراطية والاقتصاد، من خلال تحليل يستند على المادية التاريخية وتطور المجتمعات، كانت تستطيع أن تكون رداً على السلبيات التي أدت إلى انهيار النظام الاشتراكي، ليكون المجتمع هو الهدف الأساسي في ثورة قد تطبق هذه الأفكار والتحاليل التي صحّحت مسار التاريخ كان من نتاج فلسفة القائد أوجلان التي بدأت ثمارها تظهر مع ثورة 19 تموز في روج آفا وشمال سوريا، الثورة التي أعادت تصحيح المسار والحقوق لشعوب المنطقة كافة.
ولإلقاء المزيد من الضوء على نتائج ثورة 19 تموز والمراحل التي مرت بها؛ حاورت صحيفتنا الشخصية الوطنية والسياسية والاجتماعية فرحان عثمان خليل وكان الحوار التالي:
ـ كيف يمكنكم التحدث عن ثورة 19 تموز التي بدأت شرارتها الأولى من كوباني؟
عندما نتحدث عن ثورة 19 تموز تعود بنا الذاكرة مباشرة إلى ما قبل هذا التاريخ، والمعاناة التي كان يعاني منها شعبنا من ظلم واضطهاد من قبل الحكومات المتعاقبة التي كانت تحكم بقبضتها الحديدية، في ظل انعدام كل أشكال الحرية والديمقراطية، بالإضافة إلى حالة من الفقر والتخلف التي كان يعاني منها المجتمع عامة وبكافة شرائحه وأطيافه. مع بداية انطلاقة ثورات شعوب المنطقة؛ كان الشعب السوري إحدى هذه الشعوب التواقة إلى الحرية، وعند إتاحة الفرصة له انطلقت شرارة الحرية الأولى من مقاطعة كوباني لتنير دروب الحرية أمام باقي مناطق الشمال السوري، ولتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ سوريا، وتحولت بعد فترة وجيزة من عمرها إلى ثورة شعب لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. من حيث المقاومة والإرادة التي أبداها شعبنا ضد كل قوى الإرهاب والمرتزقة، لقد كانت ثورة الإرادة والإيمان بالحرية والديمقراطية التي اعتمدت على إمكانات محدودة جداً، وسرعان ما أصبحت محط أنظار جميع شعوب العالم والقوى الدولية.
ــ برأيكم ماذا يعني انطلاقة هذه الثورة المباركة من كوباني، وإلامَ يرمز ذلك؟ 
كوباني عانت من الظلم والاضطهاد أكثر من باقي مناطق شمال وشرق سوريا، كما أنها من أكثر المناطق التي تأثرت بحركة التحرر الكردستانية في باكور كردستان، وتأثرت كثيراً بفكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، وفلسفة الحرية والديمقراطية التي تدعو إلى حرية الشعوب من الظلم والاستغلال ولا سيما من الأنظمة الفاشية والديكتاتورية التي حكمت المنطقة على مدى قرون عديدة، في كامل منطقة الشرق الأوسط وبخاصة كردستان. لهذا؛ كانت الأرضية الفكرية والسياسية والتنظيمية مهيأة وجاهزة لانطلاقة شرارة الثورة لدى شعبنا هناك، حيث بدأ الشعب بتنظيم نفسه وبناء مؤسساته وهيئاته لإدارة شؤونه بنفسه على المستويات كافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.
ــ تعرّضت ثورة 19تموز في مقاطعة كوباني لأعنف عدوان في التاريخ من قِبل المرتزقة والإرهابيين منذ انطلاقتها ما الهدف من وراء ذلك العدوان؟
الجميع يعلم بأن ثورة 19 تموز كانت ثورة شعب ثائر وتواق إلى الحرية والديمقراطية، استندت في انطلاقتها إلى فلسفة القائد عبد الله أوجلان، هذه الفلسفة التي تعتمد على مبدأ الأمة الديمقراطية في العيش المشترك بين جميع الشعوب والأقوام، على مبادئ الأخوة والاعتراف بالآخر دون تمييز أو تهميش لأحد، وهذا ما ترفضه جميع الأنظمة في المنطقة، وهو الجانب الأكثر أهمية في ثورة 19 تموز. أما الجانب الأخر فاعتمدت على الشعب دون الاعتماد على الآخرين، وهذا ما أثار حفيظتهم، حيث كانت المعارضة السورية في باقي المناطق تعتمد على الدول المجاورة في رسم سياساتها، وتحديد مسار نضالها. لهذا؛ بدأت الأنظمة الإقليمية وخاصة تركيا بحشد كل قوى المرتزقة ودعمتها بالمال والسلاح للانقضاض على هذه الثورة والقضاء عليها. ولكن؛ إرادة الحرية انتصرت على كل قوى الشر والعدوان من خلال المقاومة التاريخية التي أبداها شعبنا، وأصبحت منارة لكل القوى المناضلة من أجل الحرية والديمقراطية.
ــ في الذكرى السابعة لانطلاقة ثورة 19 تموز ماذا حققت هذه الثورة من الناحية السياسية والاجتماعية والمجالات الأخرى؟
حققت ثورة 19 تموز الكثير من المنجزات على الصعيدين السياسي والاجتماعي، حيث كانت تجربة الإدارة الذاتية فريدة من نوعها على صعيد المنطقة برمتها، وكانوا يراهنون على نجاحها واستمرارها في ظل التحديات الكبيرة التي كانت تواجهها من الداخل والخارج، وبخاصة أن الفاشية التركية حاولت منذ البداية على إفشال هذه التجربة بالتدخل العسكري فيها، ودعم المرتزقة والإرهابيين وعملائها. كما كانت تراهن على الحرب الطائفية والمذهبية في المنطقة، إلا أن كل مخططاتها ومؤامراتها ذهبت أدراج الرياح؛ بسبب تكاتف وتعاضد شعوب المنطقة مع بعضها وإدراكها بأن الدولة التركية هي الدولة المعادية لمصالح شعوب المنطقة وأمنها، وتمكنت الإدارة الذاتية الديمقراطية من بناء مؤسساتها وهيئاتها، واستطاعت أن تدير شؤون المواطنين في كل أنحاء شمال وشرق سوريا بنجاح باهر. وهذا ما جعل الدولة التركية المحتلة التي وجدت في هذه التجربة الديمقراطية خطراً على كيانها، مما حال بها بالهجوم العسكري على مقاطعة عفرين التي كانت مثالاً للديمقراطية والتعايش الأخوي بين شعوب المنطقة، واحتلالها عسكرياً بعد فشل مرتزقتها في القضاء على التجربة الديمقراطية. وما تمارسه الدولة التركية المحتلة في عفرين من تغيير ديمغرافي وتهجير للسكان وإمحاء الثقافة والتاريخ هي سياسة تأتي في هذا المضمار، كما أن بناء جدار التقسيم يهدف إلى سلخ عفرين عن سوريا وإلحاقها بالدولة التركية وهو جزء من الحلم العثماني، وهذا ما ترفضه شعوب شمال وشرق سوريا وستقاوم هذه المشاريع بكل قوة وحزم ومهما كانت التضحيات وستستمر الثورة حتى تحقيق كامل أهدافها.