عندما تصمت الغابة ويتكلم الطين

55
الجزيرة –

في خشوع غابات قرية “سجنان”، تصعد خديجة في صمت الطريق الزلقة بين أشجار الصنوبر والكينا، لا تحمل في مواجهة هذا المكان الرهيب بسكونه سوى مسحاة ودلواً، في رحلة يومية للبحث عن الطين الذي تصنع منه عرائس الفخار كما ألهمتها أرواح الأسلاف.
قرية سجنان غرب محافظة بنزرت شمال تونس، عُرفت الحضارة القبصية التي ظهرت منذ العصور الحجرية القديمة وتواصلت حتى الوسيطة والحديثة، ولا تزال آثارها في الجبال حتى اليوم، وكانت أيضاً ساحة اقتتال جيوش التحالف والنازيين إبَّان الحرب العالمية الثانية.
تعيش من صناعة عرائس الطين
تتقن خديجة (أربعون عاماً) صناعة عرائس الطين منذ صغر سنها، وتقول مبتسمةً إنها وجدت الجدة والأم تمارسان هذه الحرفة، ودون أن تشعر وجدت نفسها طفلة صغيرة تداعب بأناملها الطين لتعرف نشوة الإبداع رغم غرابة مجسماتها في تلك السن.
وتضيف أنها تعيش من صناعة عرائس الطين، وهي لا تدرك أن هذه العرائس تبعث من خلالها ومثيلاتها منذ قرون الشيء الذي جعل منظمة اليونسكو تدرج المعارف المرتبطة بهذه الحرفة ضمن قائمة التراث العالمي غير المادي.
على مرمى حجر من بيت خديجة تلمح الصخور التي نحت فيها القبصيون قبورهم، في انصهار كلي ومتجانس مع الطبيعة البِكر التي تحيط بها. قبور أموات منذ آلاف السنين تشهد على الاحتفاء بحياة ضاربةً في القدم بإيقاع هادئ ترقص عليه عرائس من طين.
تبدأ خديجة يومها فجراً مثل كل امرأة ريفية في ملامحه الأولى، من تنظيف وطبخ وحلِب للأبقار، غير أن جدول أعمالها يختلف ما إن تبزغ الشمس، لينصبَّ كل تركيزها فيما تبقى من يومها على توفير مستلزمات صناعة الفخار وعرائس الطين قبل دخول الورشة.
تنتبذ خديجة من أهلها مكاناً قصياً في ساحة بيت ريفي، فالورشة عبارة عن غرفة منعزلة غير مكتملة البناء، والأكيد أنها لا تقييها الرياح أو الأمطار أو لسعات الشمس الحارقة، ولكننا عند مراقبتها وهي تعمل عرفنا أنها تعبر إلى زمن آخر لا يقيم لمثل هذه العوامل وزناً.
تفترش محدثتنا الأرض وتبدأ بعرك الطين والماء بنسق منتظم، لا تلهيها حركتنا حولها ولا الحجارة التي تصيب يديها فتلقيها جانباً غير عابئةً بها. إنها عملية مرهقة تتواصل لأكثر من ساعة، فأما الحصى فيذهب جفاء وأما ما ينفع خديجة فيمكث في الدلو حتى حين.
تحرس الطين والذاكرة دون أن تعلم
تلتفت إلينا وهي تزيل ما علق بيديها من مخلفات معركتها، لتسرد لنا أنها حينما تعثر على حفرة طين من النوعية الممتازة فإنها تلجأ لتمويه المكان وتحرسه عن بعد من المتطفلين خشية تبديد كنزها الثمين، إنها ببساطة تحرس الطين والذاكرة دون أن تعلم.
تبدأ الصنع وتبدأ استحضار أطياف من التاريخ تحوم على المكان فتتشكل شيئاً فشيئاً ملامح ما تصنع. لا يمكن تحديد ماهية الشيء ولا مراحل الإنجاز بدقة، ولكن في وهلة تباغتك عين عروس الطين وترمقك بخوف وتعجب، كعين وليد تُفتح أول مرة.
تسترد خديجة أنفاسها بعد هذا المخاض الفني والتاريخي، وتترك أيضاً الفرصة لهذه الوافدة الجديدة أن تنصت للغابة والطيور تؤوّب حولها حتى تألف المكان، لتتشكل عروساً مكتملة الملامح سجنانية الأعراق.
تمضي خديجة بمولودتها الجديدة إلى النار، ربما تريد أن تلقنها أول دروس الجلَد والتشبث بالحياة. هو امتحان لا بد منه لاكتشاف صلابة وتماسك العناصر تجتازه مثيلاتها منذ مئات السنين، هنا لا مكان للهشاشة أو التفتت، الحياة تكتب وتلين للصلب وتخضع للقوي.
بعد مضي ساعة تقريباً تزيح خديجة ما تبقى من جذوة نار بدأت تخبو، وتنظر إلينا بغبطة طفولية رسمت ملامح فتاة أتمت عقدها الرابع من العمر، لتبشرنا أن العروس استوت ونجحت في الاختبار، وحق لها الآن الزينة والتلميع مثل قريناتها على مر العصور.
لتزيين وتلميع وتحضير عروس الطين تعدّ مواد مستخرجة من الطبيعة، إذ لا مجال لاستخدام مواد مصنعة أو كيميائية. في ربوع سجنان تستعمل الحرفيات -أمثال خديجة- طلاء “المغرة” المستخرج من نبتة الذرو للحصول على اللونين الأسود والأخضر الداكن.
ربما لم تكن لعرائس الطين بسجنان أن تعرف النور لولا تجند واصطفاف ثلة من الجامعيين والإطارات الثقافية من أبناء الجهة وراء وزارة الشؤون الثقافية التونسية، للدفع بملف ترشيح المعارف المرتبطة بعرائس الطين لتكون على قائمة التراث العالمي غير المادي.
وفي انتظار ما ستفضي إليه دفاتر مناقشات المسؤولين ومفاوضاتهم، ربما في يوم من الأيام، سيوقظ شيء غامض الابنة الصغرى لخديجة من النوم، لتتبع خطوات أمها نحو الغابة الخاشعة، في ذلك اليوم وكما جرت الطقوس منذ قرون، ستصمت الغابة ويتكلم الطين.