سياسة أنقرة في سوريا… متغيّرات وأهداف

108
تحقيق / رامان آزاد –

بوصول  حزبِ العدالةِ والتنميةِ إلى السلطة جرت على نحو متسارعٍ عمليةُ تحوّلٍ وتغييرٍ بالتموضعِ السياسيّ، وتمردت على التقاليدِ الأتاتوركيّةِ التي فرضت عليها الانقطاعَ عن الإطار الإقليميّ وتقنينَ علاقاتها مع الدولِ العربيّةِ الإسلاميّة والتوجّه إلى أوروبا والتمظهر بتبنّي العلمانيّة، وأيّدت أنقرة الربيع العربيّ، وتدخلت في كاملِ مسارِ الأزمةِ السوريّة وكل تفاصيلها، وهي موجودة اليوم فعليّاً في الجغرافيا الحدوديّة من جرابلس إلى إدلب، فيما أهدافُ السياسة العامة تتجاوزُ الجغرافيا السوريّة.
“العدالة والتنمية” حزبٌ سياسيّ تركيّ ذو جذورٍ إسلاميّة تأسّس على يدِ أعضاء سابقين بحزبِ الرفاهِ الإسلاميّ الذي تزعمه نجم الدين أربكان في 14/8/2001، ويقول إنّه يتّبعُ مساراً معتدلاً، فلا يُعادي الغربَ، ويتبنّى رأسماليّةَ السوقِ، ويسعى لانضمامِ تركيا إلى الاتحادِ الأوروبيّ.
من الانكفاءِ إلى الانفتاحِ
بقي الدور التركيّ الإقليميّ محلَّ التكهنِ بدايةِ العقدِ الأولِ من القرن 21، بعد وصولِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ إلى السلطة عام 2002، وثمّة حادثة من تاريخِ أردوغان الشخصيّ تنبئ عن عقيدته وتطلعاته، ففي عام 1999 أمضى في السجن أربعة أشهر، بتهمةِ التحريضِ على أساسٍ دينيّ، إذ ألقى قصيدةً في تجمعٍ شعبيّ قال فيها: “المسجدُ معسكرُنا، وقبابُه خوذاتنا، والمآذنُ رماحنا، والمؤمنون جنودنا”. ولهذا يتأرجّحُ الحزبُ في توجّهاته بين الإسلاميّة والعلمانيّة. ويجمعُ بين الإسلامِ والليبراليّة والعَـلمانية في خلطةٍ جديدةٍ، محاولاً تقديم نفسِه بديلاً عن كثير من الحالات الإسلاميّة.
يُطلقُ على الحزبِ وسياساته لقبُ العثمانيين الجدد، وقد أقرَّ وزير الخارجيّة أحمد داود أوغلو ذلك في 23/11/2009 في لقاء حزبيّ: “لدينا ميراثٌ آل إلينا من الدولة العثمانيّة. إنّهم يقولون هم العثمانيون الجدد. نعم نحن العثمانيون الجدد. ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدولِ الواقعةِ في منطقتنا. نحن ننفتحُ على العالمِ كله، حتى في شمال إفريقيا. والدول العظمى تتابعنا بدهشة وتعجب”.
كان ذلك تحوّلاً نوعيّاً بالسياسة التركيّة الخارجيّة، ولتخرج مع بدايةِ العقد الثاني السياسةُ التركيّة عن إطارِ التكهُنِ إلى العلنِ، وقد أنهت تحضيراتِها للمرحلةِ الجديدة، وانتقلت إلى التنفيذِ العمليّ، بالتوازي مع انطلاقِ ربيعِ الثوراتِ العربيّة.
تطمحُ تركيا إلى إحياءِ صيغةٍ قريبةٍ من الخلافةِ الإسلاميّة العثمانيّة وهو مشروعٌ سياسيّ تحتلُ فيه موقعَ المركزِ، عبر استخدامٍ مركّزٍ للقوةِ اللينة (المساعدات الإنسانيّة والمعونات الإغاثيّة وبناء المساجد)، فتركيا لن تستأنفَ الحربَ مع القيصريّة الروسيّة ولن تُـحاصر فيينا أو تحتلَ البلقان بلِ الانضمامَ إلى النادي الأوروبيّ، ولن تبعثَ جحافلَ عسكريّة إلى شمال أفريقيا، بل زيادة زخمَ العلاقاتِ الاقتصاديّة ومعدلاتِ التبادلِ التجاريّ لصالحها، وتقفز من الترتيب الاقتصاديّ 16 عالميّاً والسادس أوروبيّاً، إلى ترتيبٍ متقدمٍ، وتوظّفَ عوامل الموقع الجيوسياسيّ بالجغرافيا الأوراسيّة، هو حلم التحوّل إلى قوة كبيرة بدون حدود.
القضية الأمنيّة هاجسٌ تركيٌّ متوارث، وتستندُ لعواملِ التاريخِ وتأسيس الدولة والسياسةِ وطموحاتِ الدولة القوميّة ولا تتصل بالواقع، وتحتلُ نظرية المؤامرة حيزاً مهماً من اللاوعي التركيّ، ويتم توظيفها في تفاصيل السياسة الداخليّة وحملاتِ الانتخاب، وهناك تصوّرٌ بتحقيق معادلة الأمن خارج الحدود الوطنيّة وتوسيع آفاقه في إطار نظرية “العمق الاستراتيجيّ” واستخدام القوة اللينة.
من التوترِ والتهديدِ إلى التنسيق
كانتِ العلاقةُ السوريّةُ التركيّةُ متذبذبة جداً يغلبُ عليها التوترُ وعدم الاستقرار منذ أن نالت سوريا استقلالها عام 1946 وحتى توقيع اتفاقية أضنه الأمنيّة 20/10/1998. حيث بداية الانعطاف، وبدء العدُّ التنازليُّ من أقصى من مستوياتِ التصعيدِ والتهديدِ بالحربِ لتأخذَ العلاقةُ منحى التنسيقِ والتعاون.
على مشارفِ القرنِ العشرين انتقلتِ العلاقةُ السوريّةُ التركيّةُ إلى آفاقٍ جديدةٍ، فدمشقُ المعزولةُ ضمن الإطار العربيّ وجدت بتركيا ضالتها، واعتبرتها متنفساً لها. صحيحٌ أنّها ترتبط بإيران بعلاقة استراتيجيّةٍ متعددةِ المستوياتِ إلا التوازنَ تطلبَ الانفتاحَ على دولةٍ إقليميّةٍ كبيرةٍ، وكانت تركيا الهدفَ، لعدةِ اعتباراتٍ أولها خصوصيّةُ الجوارِ وطولُ الحدودِ المشتركة والملفاتُ الحسّاسة بينهما (الأرض، المياه، الأمن)، وتموضعُ أنقرة ضمنَ الحلفِ الأطلسيّ، وكونها معبر جغرافيّ إلى أوروبا.
أولى المبادرات الرسميّة كانت في13/6/2000، عندما زار الرئيس التركيّ السابق أحمد نجدت سيزار دمشق معزياً بوفاةِ الرئيس السوريّ حافظ الأسد.
بوصولِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ إلى السلطة عام 2002 بدأت أبرزُ التحوّلاتِ بالعلاقاتِ التركيّةِ السوريّة، وارتفعت وتائر التعاونِ السياسيّ والاقتصاديّ، ما انعكس بزيادةِ حجم التبادلِ الاقتصاديّ بين البلدين ليصلَ إلى نحو ملياري دولار سنويّاً وتمّ التخطيط للوصول إلى 5 مليارات دولار.
في 6/1/2004 قام الرئيس السوريّ بشار الأسد بأول زيارة رسميّة إلى تركيا. وخلال زيارة أردوغان لدمشق في 22/12/2004 وُقعّت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع 2007، فضلاً عن تفعيل مجلس الشراكة السوريّ – التركيّ المنبثق من اتفاق منطقة التجارة الحرّة ومن ضمنها اتفاقية إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين “شامْ غِنْ” (منحوتة من كلمة شنغن).
كانت دمشق بحلجة ماسّة لكسر العزلة المفروضة عليها بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانيّة رفيق الحريريّ في 14/2/2005 فكانت تركيا هي مجال الانفتاح، وزار الرئيس السوريّ أنقرة مرة ثانيةّ في 16/10/2007، ووُقّع عددٌ من الاتفاقاتِ المشتركةِ في مجالاتٍ عدّةٍ.
في عام 2008، عملت تركيا على دورِ وساطةٍ بين دمشق وتل أبيب للتوصّل لحلٍّ سلميّ بينهما وأعلنت دمشق ثقتها الكاملة بدورها، وتوقفتِ المساعي بتدهورِ العلاقات بين أنقرة وتل أبيب على خلفيّة الهجومِ الإسرائيليّ على قطاع غزة نهاية عام 2008، ثم على قافلة الحرية عام 2010.
أبرزُ المحطاتِ في تاريخِ العلاقاتِ “الإيجابيّة” بين أنقرة ودمشق كانت في 16/9/2009 وزيارة الرئيس السوريّ إسطنبول والتوقيع على 40 برتوكولاً في مختلف المجالات، وكان الهدف تحويل دول المنطقة إلى ممرٍ إلزاميّ للطاقة والبضائع والأشخاص من وإلى الجهات الأربع، أي إعادة الدور التاريخيّ للمنطقةِ وتطويرِ التجارةِ والترانزيت، وتمّ إنشاء “مجلس التعاون الاستراتيجيّ”، وبنفس العام أجرى البلدان مناوراتٍ عسكريّةً مشتركةً “غير مسبوقة” واعتبرت مؤشراً على التطور المطّرد في العلاقات والتعاون بينهما. ووقّع البلدان “وثيقة” تنصُّ على إنشاء “مجلس للتعاون الاستراتيجيّ رفيع المستوى” يهدفُ إلى “تأمين حدٍّ أقصى من الاندماج” وخصوصا الاقتصاديّ. بينما قام الرئيس التركي عبدالله غل بزيارة دمشق في العام نفسه.  وفي تشرين الأول 2009 قالت وزارة الداخليّة التركيّة إن دمشق سلمتهم 122 شخصاً بالفترة 2003-2009. في تلك المرحلة وصف أحمد داوود أوغلو (كسينجر تركيا) وواضع نظرية العُمقِ الاستراتيجيّ الحدودَ بين البلدين بالمُـصطنعة.
 توترٌ وتصعيدٌ متسارعٌ بالعلاقة مع سوريا
ظلتِ العلاقاتُ بين الجانبين تتطورُ إيجابيّاً إلى أن بدأتِ الأزمة السوريّة في آذار 2011، وحينها كان الخطابُ التركيّ تصعيديّاً اعتباراً من توجيه النصيحة ومن ثم التحوّل ضد دمشق، وفي حزيران 2011 وصف أردوغان في تصريح لوكالة أنباء الأناضول السلطات السوريّ بأنها تتعامل بـ”وحشيّة” مع مواطنينها، وطالبها بعدم القيام بمجزرة حماة ثانية. وأُعلن لاحقاً تعليقُ العلاقاتِ والاتفاقياتِ الموقّعة بين البلدين.
26/3/2012 تركيا تعلن تعليق أنشطة سفارتها في دمشق وإغلاقها بسبب تدهور الظروف الأمنية في البلاد، والمجلس الوطني السوري ينظم مؤتمرا لقوى المعارضة السورية في تركيا للاتفاق على خطة موحدة للإطاحة بالنظام.
1/4/2012 عقد مؤتمر أصدقاء سوريا في مدينة إسطنبول في تركيا، وضم ممثلي أكثر من سبعين دولة، بهدف مناقشة تقديم الدعم للمعارضة و زيادة الضغط على حكومة الرئيس السوري بشار الأسد لتطبيق بنود خطة السلام التي اقترحها المبعوث الدولي والعربي كوفي أنان.
6/4/2012 تركيا تحذر الأمم المتحدة من احتياجها إلى المساعدة لمواجهة تدفق اللاجئين السوريين إلى أراضيها، وتقول إن أزمة اللاجئين السوريين أصبحت “مشكلة عالمية”.
في 22/6/2012، أسقطت الدفاعات السوريّة طائرة عسكريّة تركية قرب الحدود، وقالت دمشق إنّ الطائرة انتهكت الأجواء السوريّة، إلا أنّ أنقرة نفت ذلك. وأعلن رئيس الحكومة أردوغان في 26/6/2012 أنّ الطائرة التركيّة، التي لم تكن تحمل أسلحة، وأُسقطت دون تحذير وبشكل عدوانيّ، وأنَّ بلاده تحتفظ بحق الردِّ.
كان حديثُ أنقرة عن وحدة سوريا مشروطٌ بانتقال السلطة إلى أفرادٍ أو توجهاتٍ متحالفة أيديولوجيّاً واستراتيجيّاً معها. وجاء التدخل الروسيّ في 30/9/2015 ليسقط الحسابات التركيّة ولتدركَ أنّ طموحاتها غير واقعيّة، بالنظر إلى موازين القوى الدوليّة والإقليميّة وحالة التنافس. ولكنها لم تسلم بالأمرِ تماماً فمازالت تتحكم بمعظم المجاميع المسلّحة على اختلاف مسمياتها الجهاديّة وغير الجهاديّة، التي تتشارك برسم الحدود وفواصل الجغرافيا بالنار وتمارس الإرهاب، لا بل إنّ  كثيراً من الفصائل يقاتل تحت العلم التركيّ ويرتدي أفرادها بدلات عليها العلم التركيّ، في إشارة واضحة للولاء لأنقرة. وهنا تماماً محلُّ رهان أنقرة.
إغلاق أقنية الحوار مع الكرد
لحلّ القضايا الإشكاليّة هناك خيارات وعندما يُرفض نظامٌ سياسيّ الخيار السياسيّ السلميّ فالبديل المطروح هو الصراعُ المسلح، وفتحُ مجالات الحوار هو مهمة النظام القائم، والسؤال الأساسيّ الذي يجب طرحه لماذا لا تحلّ أنقرة مشكلتها الداخليّة وتورّثها من حكومة لأخرى؟ وفيما تتظاهر بالديمقراطية  ترفض الإقرار بحقوقِ أكثر من 20 مليوناً من شعبها، وانقلبت على نتائج الانتخابات البرلمانيّة في 7/6/2015 لأنّها أوصلت الكرد إلى البرلمان ليكونوا شركاء في العملية السياسيّة، وتوقفت عملية السلام مع حزب العمال الكردستانيّ في22/7/2015.
منعُ تشكّلِ كيانٍ قابلٍ للحياةِ في سوريا بإدارةٍ كرديّةٍ وبأيّ نسبة كانت، هو هاجسُ أنقرة، وتخشى عدوى انتقال التجربةِ إليها، وتعتبرُ الجغرافيا الممتدةَ من الحدودِ العراقيّةِ إلى البحرِ المتوسط بيئةً مناسبةً لهكذا تحوّلٍ. وهو ما تسميه تهديداً لأمنها القوميّ، وعاملَ تغييرِ اللعبةِ الجيوسياسيّة. ولهذا تبنّت أنقرة سياسةً متعددةَ الأهدافِ أولويتها معاداة الكرد، وروّجت لحالة اختزالٍ للقضيةِ وحصرها بأبعادَ حزبيّةٍ ووصّفته بالإرهاب، وقد بلع الكثيرون الطعم بينهم كرد، وبذلك استباحت الحدود السوريّة الوطنيّة وكذلك العراقيّة وتدخّلت في باشور. ونظراً لتقاطعِ المصالح لم ينبس أحدٌّ بكلمة اعتراضٍ أو تنديدٍ للسياسة التركيّة. فكان احتلال جرابلس في 24/8/2016 والعدوان على عفرين في 20/1/2018 ومن ثم احتلالها واستباحتها.
لا تكتفي أنقرة بعداءِ الكردِ بالداخلِ بل في دول الجوارِ. ويمكنُ فهمُ أنّ الأمنَ القوميّ التركيّ في حقيقته ليس مسألة سياديّة ووطنيّة بل هي توجّهات حزبيّة قوميّة وحتى مذهبيّة، تتناهى في الاختزال لتكونَ فرديّة تمَّ تحصينها بتعديلِ الدستورِ إلى نظام حكم “الفرد”.
اللاجئون السوريون لعبة ابتزازٍ تركيّة
موضوعُ اللاجئين السوريين من أهمِّ المواضيع التي عملت عليها أنقرة، وتقول إنّها استقبلت نحو 3.6 مليون شخص، ومنحت بعضهم الجنس بعضهم وتوطينهم بالمناطق الحدوديّة المقابلة لسوريا، بالتوازي مع سياسة التغيير الديمغرافيّ التي تعمل عليها في عفرين المحتلة، وبذلك تصنعُ حاجزاً ديمغرافيّ على الحدودِ. كما أنّها ابتزت الدول الأوروبيّة بملف اللاجئين وحصّلت على مساعدات بقيمة 10 مليارات دولار وهددتها بفتح باب الهجرة لتغرقَ دول أوروبا باللاجئين.
باكتفاءِ أنقرة من اللاجئين أغلقتِ الحدودَ لمنع توافد أعدادٍ إضافيّة، ولكنها اليوم وقد استهلكت ملف اللاجئين  وعدّلت تموضعها السياسيّ، نفذت أولى عمليات الترحيلِ القسريّ للاجئين، فنقلت عدداً منهم إلى عفرين المحتلة، وأصدرت قرارات بتقييد حركة اللاجئين داخل تركيا. وخوفاً من تدفق اللاجئين أو يندس بينهم آلاف المتطرفين تعارضُ بشدةٍ العمليّة التي تقودها دمشق لاستعادة السيطرة على إدلب، فالمعركة ستُفقدها أهمَّ أوراق تفاوضها وتفتح النقاش حول المناطق المحتلة من قبلها (اعتباراً من جرابلس حتى عفرين). ولذلك تعارضُ أيَّ متغيّر ميدانيّ بإدلبٍ.
كانتِ الحربُ الأهليّة السوريّة مكلفةً للغايةِ لتركيا على مختلفِ المستوياتِ وتسبّبت بانهيارِ محادثاتِ السلامِ مع الكرد، وقوّضت الخطواتِ الإيجابيّة لحلّ القضية الكرديّة في تركيا خلال العقدِ المنصرم. وجلبت 3.6 مليون لاجئ سوريّ، ووقوع هجماتٍ إرهابيّةٍ، أسفرت عن سقوط مئات الضحايا المدنيين. ولكن أنقرة تلاعبت على ذلك عبر ماكينتها الإعلاميّة واستثمرته في لعبة الانتخابات ووضعت المواطن التركيّ أمام خيارات افتراضيّة إما التصويت لصالح العدالة والتنمية أو الفوضى، وأما هدف حكومة أنقرة اليوم فهو احتواء النزاع، ووقف موجات اللاجئين ثم عكسها، ومنع تأثيرات الصراع على تركيا.
وافقت روسيا وتركيا وإيران في 15/9/2017 أيلول، خلال محادثات أستانة6، على إقامة أربع مناطق خفض صراع في سوريا، كان أصعبها إدلب بسبب صعوبة الفرز والإدارة. واُتفق على أن يرسل كل طرفٍ 500 جندي للإشراف على وقف إطلاق النار. وإنشاء مركز تنسيقٍ مشترك، وأن تتمركز القوات التركيّة داخل مناطق “المعارضة” والروسيّة خارجها.
تعتقد أنقرة أنّها تجاوزت محنة صواريخ إس 400 فواشنطن ستستوعُب المتغيّر التركيّ وتلغي صفقة طائرات إف 35 وعقوبات اقتصاديّة، وستواصلُ التعاونَ عبر أستانة مع روسيا وإيران واحتواء “هيئة تحرير الشام” بالضغط عليها أو دفع حلفائها لمقاتلتها، الاحتفاظ باحتلال أنقرة عفرين وإجراء التغيير الديمغرافيّ الكامل فيها ليكون الكرد فيها أقليّة، ومنع إقامة ما تسمّيه “معبراً كرديّاً” على طول الحدود، ومنع تدفق موجات اللاجئين من إدلب قد يتجاوز 1.5 مليون، ومن ثم إخلاء الحدود من الجماعات المسلحة. وتكون لها مشاركة فاعلة في مسار الحلّ النهائيّ ومستقبل سوريا، بعد الهزيمة العسكريّة لمرتزقة “داعش” في الباغوز في 23/3/2019. والحفاظِ على نفوذٍ فعّالٍ في صياغة الأحداث التالية، فتسعى للبقاءِ مع آخر اللاعبين الذين سيحددون التطورات الميدانيّة، والاحتفاظ بأدواتها (الفصائل المسلحة الإرهابيّة بمختلف تسمياتها) وزجّها بالعمليّة السياسيّة بعد تجميلها، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي زيادةِ وجودها العسكريّ في سوريا. وهذا بالتحديد ما تفعله أنقرة حتى اليوم. وبالإضافة إلى جنوحِ طموحاتها، تتطلعُ أنقرة لحصدِ الفوائدِ الاقتصاديّة من عمليةِ إعادةِ إعمارِ سوريا، وتعتبر نفسها الأولى بحكم القرب الجغرافيّ.