عفرين سجنٌ يُديره قطاع طُرق… “شيه” نموذجاً-2

80
تحقيق/ باهوز أحمد –

تعرضت ناحية شيه للتغيير الديمغرافي الممنهج من قِبل الجيش التركي والفصائل الموالية له، ووفق الأرقام التي تم توثيقها في الناحية وقراها، فإن نسبة 60% من قاطنيها الحاليين هم من المستوطنين وعوائل الفصائل المرتزقة، وبعد احتلال عفرين فرض فصيل “شهداء سليمان شاه” أو ما يُعرف بالعمشات نسبة لقائده أبو عمشة، نفسه على الناحية وقراها كفصيل وحيد يتحكم في كل شيء هناك.
 التغيير الديمغرافي يسيُر وفق خطط مبرمجة
والخطة التركية للتغيير الديمغرافي في عفرين مرت بعدة مراحل، أولها جلب عوائل المسلحين إلى عفرين وإسكانهم في منازل الكرد المُهجَّرين، ثانياً نقل مهجري حمص والغوطة وغيرهم إلى عفرين، والثالثة إصدار هويات عامة للمستوطنين وسكان عفرين الأصلين من الكرد والعرب، دون أي اختلاف بين مقيم ونازح، وأخيراً تمثل بإغلاق مكاتب المهجرين في خطوة لتثبيت وجودهم في عفرين على أنهم أصحاب الأرض ونقل عوائل مرتزقة هيئة تحرير الشام وغيرهم من الفصائل المتشددة إلى عفرين، وتشرف بعض المجموعات المسلحة على توطينهم في منازل المدنيين الكرد، ومثال ذلك ما حدث في قرية قرمتلق التابعة لناحية شيه، حيث أقدم فصيل العمشات على إجبار عشرات العائلات على إسكان عوائل من إدلب في منازلهم والذي يرفض، يُطرد من منزله، وكذلك ظهرت حوادث مشابهة في جندريسة وماباتا “ناحية معبطلي” وبالتحديد قرية كوتانى التي أطلق المرتزقة الرصاص الحي على الأهالي لرفضهم الخروج من منازلهم، وذكر “م.ا” أن فصيل العمشات هدد الأهالي الذين يرفضون الحصول على الهوية المستخرجة من المجلس المحلي بدفع غرامات مالية تصل إلى مئة ألف ليرة سورية إضافة للسجن، مما دفع الأهالي للحصول على الهوية عنوة ودفع مبلغ ألف ليرة عن كل شخص.
 المساجد تحوّلت لمنابر دعائية للمسلحين
ويورد “م.ا” أن العمشات تعمل على نشر الدعايات والترويج لهم في كل يوم جمعة عبر ابتداع حفلات خطابية بعد صلاة الجمعة في ساحة البلدة ومنْ يتخلف عن المجيء يتعرض للمساءلة في اليوم التالي، إضافة لتحويل المسجد إلى مكانٍ للدعاية ومنع رفع الآذان من قبل إمام الجامع الكردي وتنصيب أحد الصبية الذي لا يتعدى عمره الخمسة عشر سنة مكان الإمام، وبهذا بقية وظيفة الإمام هي دعوة الأهالي لاجتماعات العمشات عبر مكبرات الجامع باللغة الكردية على اعتبار أن غالبية كبار السن من الكُرد لا يفهمون اللغة العربية.
 وظهرت في عفرين، سمات إسلامية مشابهة لأفعال عناصر داعش في سوريا والعراق، لكن “م.ا” لم يشاهد شيء من هذه الأفعال بأم عينه، لكنه سمع بحدوثها في نواحي أخرى مثل راجوا وماباتا “معبطلي” مثل منع خروج النساء دون ارتداء الحجاب والنقاب، ودعوة الرجال للصلاة عنوة ومنْ يتخلف يعاقب، وفي بلدة شيه أيضاً، كان الأهالي الذين لا يؤدون الصلاة يلتزمون منازلهم في أوقات الصلاة خوفاً من تعرضهم للإهانة والضرب، وكذلك سمع الشاب قصص عن اختطاف النساء وتزويجهن بالقوة من العناصر المسلحة في فصيل الحمزات وأحرار الشرقية، إضافة لظهور مقاطع فيديو لتهديد المختطفين بالذبح تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي بشدة في إشارة إلى أن فكر داعش متجذر في بنيان الفصائل المسلحة بعفرين على اعتبار أن غالبية عناصرهم كانوا منتسبين سابقين في داعش وجبهة النصرة.
 السرقة والصلاة فروض يومية للمرتزقة
وعن السرقات والأحوال الاقتصادية السيئة، يتحدث “م.ا” دون كلل وملل، فالحالة الاقتصادية للأهالي مزرية نتيجة فقدان الأمان وانتشار السرقات والإتاوات والفدية المالية، ويورد مثال موسم الزيتون، الذي فرض فيه فصيل العمشات إتاوات بنسبة 25% من الموسم للفصيل، ونسبة 10% حصل عليها المجلس المحلي بأمر من سلطات الاحتلال التركي، إضافة لضريبة 50 ألف ليرة سورية من كل عائلة بعد نهاية الموسم، ويؤكد الشاب أن الأهالي لم يتمكنوا من سداد تكاليف الزراعة نتيجة فقدان نسبة 40% من الإنتاج كضريبة وإتاوات، ناهيك عن مصاريف الإنتاج التي تراوحت بين 30-40%، إي لم يبقَ للمزارع سوى نسبة 20% فقط من الإنتاج، وهو ما لا يكفي مصاريف العيش في ظل الاحتلال.
ولدى سرد الشاب الذي بات اليوم يعمل على جَرار لنقل المياه في تل رفعت، تبيّن أن الكرد في عفرين اليوم يحاولون النأي بالنفس عن المستوطنين لعدم تعرضهم للاختطاف والابتزاز، ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية السيئة ومحاولات الفصائل المسلحة المرتزقة لتركيا سلب الأهالي ممتلكاتهم بحجج واهية وغير مُقنعة، وبالمقابل يفسح المرتزقة المجال للمستوطنين وعوائلهم للعمل بحرية في شتى المجالات بهدف خلق فجوة اقتصادية واجتماعية بين المستوطنين وأهالي عفرين الأصليين مما يساهم في دفع الكرد للهجرة عن موطنهم الأم وبالتالي تثبيت التغير الديمغرافي على أرض الواقع كسياسة مشتركة بين تركيا والمسلحين الموالين لها.
 تمييز عنصري يدفع الكُرد لمقاطعة التعليم
ويعمل الاحتلال التركي على تغيير كل شيء في عفرين، عبر استهداف ثقافة المنطقة واللغة الأم إلى جانب التغيير الديمغرافي، وهنا يُشير الشاب “م.ا” إلى أن والده قرر عدم إرسال أخوته الصغار للمدرسة نتيجة تغيير المناهج التعليمية وفرض اللغة التركية بدلاً من الكردية، وكذلك طرد المدرسين الكرد وإحلال آخرين من المستوطنين ومدرسين سابقين لدى النظام السوري مكانهم، إضافة للتمييز العنصري الذي يواجهه الأطفال الكرد في المدراس، ويورد الشاب حادثة صغيرة تعرض له شقيقه الأصغر في المدرسة العام المنصرم بالقول: “بعد الاحتلال تم تحويل المدرسة الابتدائية إلى مقر عسكري للقوات التركية، وتم افتتاح مدرسة ابتدائية مكان المدرسة الثانوية، وفي بادئ الأمر التحق شقيقي الأصغر بالمدرسة لكن هناك تعرض للمضايقات والضرب في أحد الأيام من قِبل أطفال مستوطنين، وهنا ظهرت نعرات عنصرية شوفينية عربية تجاه الكرد في المدرسة وكان المدرسين العرب الموالين لتركيا يغذون هذه النعرات، ونتيجة لذلك منع والدي أشقائي من متابعة دراستهم درءً للمشاكل التي ربما تنجم عن تصادم الأطفال في المدرسة، وبهذا لم يلتحق غالبية الأطفال الكرد في البلدة بمقاعد الدراسة في تلك المدراس التي يديرها الأتراك والمستوطنين”، والجدير بالذكر أن المناهج الدراسية التي فرضها الاحتلال في عفرين تحمل أفكار إسلامية متشددة ويتقاضى المدرسون رواتبهم بالليرة التركية وهو ما يشكل خوفاً حقيقياً على مستقبل الأطفال في عفرين عامة.
 معبر “حمام” مُخصص لنقل السرقات لتركيا
وعمل الاحتلال التركي نهاية العام المنصرم على افتتاح معبر في قرية حمام بحجة أن هذا المعبر سيغذي الاقتصاد في عفرين، لكن ما حدث هو العكس إذ وردت معلومات عديدة أن هذا المعبر يستخدم فقط لنهب خيرات المنطقة إلى تركيا، وتشرف فصائل مسلحة مرتبطة بالمخابرات التركية عليها بشكلٍ أساسي، ويؤكد “م.ا” على إن معبر حمام مخصص للأشخاص المقربين من الاستخبارات التركية، إذ يمنع على التجار الكرد من استخدامه، وهو معبر عسكري بالدرجة الأولى وتستقدم تركيا عبرها بعض السلع التي تغرق بها سوق عفرين والمنطقة الشمالية عبر تجار مرتبطين بالفصائل المسلحة والجهات الاستخبارية، وينوه الشاب إلى أن تركيا منعت عدد من تجار جندريسة الكرد من توريد المنتجات الزراعية المنتجة في عفرين إلى تركيا أو استيراد بضائع تركيا إلى عفرين فقط لأنهم كُرد، وهنا يبرز الجانب الأمني والاستخباراتي من افتتاح تركيا لذلك المعبر والذي تسبب في اقتلاع أكثر من 1500 شجرة زيتون معمرة عائدة للمدنيين الكُرد نهاية العام المنصرم.
إضافة لقيام الجيش التركي على افتتاح معابر عسكرية في بعض القرى الحدودية، منها قرية قرمتليق، وهذا المعبر مخصص لتنقل الضباط الأتراك وقادة الفصائل المرتزقة بين تركيا وناحية شيه.
 هل تسرق المشافي التركية أعضاء البشر؟
ويواصل الشاب “م.ا” حديثه عن الحالة الإنسانية والصحية في المنطقة التي لم يقدم فيها الاحتلال التركي أي نوع من الرعاية الصحية لأهالي المنطقة خلاف ما يروج له الإعلام التركي، وهنا يضطر غالبية الأهالي للتوجه إلى تركيا رغم المخاطر التي قد ترافق ذلك، ويسرد “م.ا” حادثة عن سرقة أعضاء البشر بحسب اعتقاده ويقول “تعرض العم صبري حنان 50 عاماً لجلطة دماغية ونقل على إثرها إلى تركيا، لكن بعد أيام عاد جثة هامدة، ولدى محاولة عائلته تفقد الجثمان منع عناصر العمشات ذلك، ولكن بعد إصرار العائلة تم الكشف عن الجثة وإذ فوجئت العائلة بوجود عمل جراحي في الرأس ومنطقة الصدر وأسفل البطن، وهنا وردت عدة تساؤلات عن أسباب هذا العمل الجراحي”، هذا واشارت تقارير متعددة أن بعض المشافي التركية تعمل على استئصال أعضاء البشر ولاسيما المرضى السوريين وحدثت حوادث عدة متشابهة على مدى الأعوام المنصرمة من الأزمة السورية، لكن لم تعمل إي منظمة حقوقية دولية للكشف عن تورط المشافي التركية في سرقة أعضاء البشر، ويؤكد الشاب “م.ا” على أن هذه الحادثة دفعت الأهالي لعدم إرسال مرضاهم إلى تركيا وفضل عوضاً عن ذلك نقلهم إلى إعزاز او مناطق سيطرة النظام عبر مهربين وسماسرة.
إلى متى سيستمر الصمت الدولي على انتهاكات تركيا في عفرين؟
ناحية شيه التي تعتبر أصغر نواحي عفرين من حيث المساحة الجغرافية وعدد السكان، تتعرض اليوم لسيل من الانتهاكات اليومية التي تدفع أبنائها للهجرة وإحلال مستوطنين غرباء عوضاً عنهم، هذا السرد المبسط هو تجسيد مصغر لما يحدث في عفرين في ظل الاحتلال التركي، وغالبية الانتهاكات لا يتم توثيقها بالشكل المرجو نتيجة خوف الأهالي من التواصل مع أقاربهم أو الوسائل الإعلامية خارج عفرين، وهنا نستطيع القول إن عفرين تعيش حالة فريدة من التنكيل والإبادة العرقية والثقافية وسلب الكُرد كل ما يمثلهم، وما يحدث في عفرين هو ترجمت واقعية للمشروع التركي الهادف لإبادة الشعب الكردي ليس في باكور كردستان فقط بل في كامل جغرافية كردستان والعالم إن أمكن، لذا يتوجب على الرأي العام العالمي فضح هذه الانتهاكات والسياسات التركية اليومية في عفرين وترجمتها لأفعال تدين تركيا في المحافل الدولية والمطالبة بإنهاء احتلالها لأراضي السورية عامة مما يخلق المجال لإيجاد حل سياسي سوري والمحافظة على وحدة سوريا جغرافيةً وسياساً.