عفرين سجنٌ يُديره قُطاع طُرق “شيه” نموذجاً -1

162
تحقيق / باهوز أحمد –

رغم كل محاولته التأقلم مع سجنه الكبير المفروض عليه وعلى الآلاف من أمثاله، لم يستطع “م.ا” في العقد الثاني من عمره الاستمرار بالحياة وسط حشود من المستوطنين والمسلحين الغرباء، الذين غيّروا كل شيء في ناحية شيه “شيخ الحديد” التابعة لمنطقة عفرين، بعد احتلالها في أذار 2018 من قبل الجيش التركي والفصائل الإسلامية المدعومة منها.
تعرضت ناحية شيه للتغير الديمغرافي الممنهج من قبل الجيش التركي والفصائل الموالية لها، ووفق الأرقام التي تم توثيقها في الناحية وقراها، فإن نسبة 60% من قاطنيها الحالين هم من المستوطنين وعوائل الفصائل المرتزقة، وبعد احتلال عفرين فرض فصيل “شهداء سليمان شاه” أو ما يعرف بالعمشات نسبة لقائده أبو عمشة، نفسه على الناحية وقراها كفصيل وحيد يتحكم في كل شيء هناك، ويقول الشاب الذي تمكن من الخروج من عفرين بوساطة سماسرة ومهربين إلى الشهباء، أن فصيل العمشات يُسيطر على بلدة شيه وقراها البالغة 18 قرية، دون تدخل أي فصيل آخر بهذه المنطقة سوى الجيش التركي الذي يتمركز في مدرسة البلدة وبعض النقاط الحدودية.
وتقع ناحية شيه 40 كم غربي مدينة عفرين، ويصل عدد المنازل في البلدة الرئيسية “شيه” إلى 1400 منزل، لكن العائدين من أهلها الأصلين لا يتعدى 500 عائلة وعدد منهم لم يسمح لهم العودة والمكوث في منازلهم نتيجة سيطرة المسلحين عليها.
 يسرد “م.ا” قصته في بلدته التي تعرض فيها مرتين للاعتقال ودفع الفدية وفي المرة الثالثة فضل الهروب خوفاً من مصير مجهول ينتظره بعد أن تم اختطاف أحد أقرانه “عمر حبش” منذ قرابة خمسة أشهر وما يزال مصيره مجهولاً.
زرعْ الخوف في النفوس وحصاد “الفلوس”:
أثناء لقائنا بالشاب الذي هرب من عفرين وتوجه إلى مدينة تل رفعت للمكوث عند أقارب له، بدى عليه الخوف من التحدث للوسائل الإعلامية عن ما شاهده في عفرين وتعرّض له، ولدى استفسارنا عن سر خوفه رغم أنه بات اليوم بعيداً عن المرتزقة، كان “الخوف”، نعم الخوف من تعرض بعض أقاربه للخطف والتعذيب، ولكن بعد فترة قصيرة بدأ الشاب بالحديث عن حالة الخوف التي فرضها الاحتلال على الأهالي ووصف المنطقة التي كان يعيش فيها “بلدة شيه” بالسجن الكبير، وقال: “الشعب الكردي هناك يخاف التحدث مع بعضهم ويخافون من التحدث مع أقاربهم في الشهباء أو مناطق الإدارة الذاتية، لأنه جرى اختطاف وضرب العديد منهم بهذه التهمة رغم إنه لا يوجد إثبات على ذلك، ووصل الحال بالعمشات لنشر أكاذيب عن وجود أجهزة ترصد المكالمات ومحادثات تطبيقات التواصل الاجتماعي”، وهذا ما دفع الأهالي لعدم نقل ما يجري في الداخل إلى أقاربهم هنا في الشهباء مباشرة، وتابع الشاب قوله: “لذا كنا نلجأ لإرسال مقاطع صوتية لأقارب لنا في الدول الأوربية ليقوموا بإرسالها فيما بعد إلى أقاربنا في الشهباء وبالعكس”، ربما كانت طريقة التواصل هذه عبر وسيط ثالث من العائلة تبعث الطمأنينة في نفوس الكرد بعفرين، لكنه يظهر في الوقت ذاته مدى الخوف الذي يعيش فيه العفرينيين بالداخل في ظل الاحتلال الذي يحاول فرض هيمنته بشتى الطرق واللعب بالحالة النفسية للمدنيين وابتكار طرق متعددة لابتزازهم وطلب الفدى المالية لعدم التعرض لهم.
وبعد أخذه لقسط من الراحة تابع “م.ا” سرد تفاصيل عودته مع عائلته إلى منزلهم في شيه بعد خروجهم منها، ومكوثهم في عفرين ومن ثم التوجه إلى قرى شيراوا نتيجة العدوان التركي على عفرين، وخرجت العائلة في بدايات شهر شباط عام 2018 من بلدة شيه ومكثوا في قرية حج حسنة القريبة منهم فترة من الزمن والتوجه لاحقاً إلى مركز مدينة عفرين وثم قرية كميار في شيراوا، وبعد احتلال تركيا لعفرين عادت العائلة إلى مدينة عفرين بعد اجتيازهم لعدة حواجز للمرتزقة ودفع رشى مالية قدرت بأكثر من 50 ألف ليرة سوريا، ثم التوجه إلى شيه، لكن لحظة وصولهم للحدود الإدارية للناحية لم يسمح مرتزقة العمشات لهم ولعشرات العائلات الأخرى بالعودة إلا بعد دفع مبلغ 50 ألف ليرة سورية للسماح لهم بالعودة إلى منازلهم التي هجروها قبل شهرين، وهنا اضطرت العديد من العائلات لدفع المبلغ المطلوب ولكن لم يسمح لبعض العائلات بالعودة لمنازلهم وإجبارهم على المكوث لدى أقارب لهم أو في منازل أخرى، لأن تلك المنازل باتت لعائلات المرتزقة ومقار عسكرية.
ومع عودة الأهالي بفترة قصيرة، بدأت الاعتقالات العشوائية وحالات الاختطاف تظهر، هنا تم اعتقال أكثر من 130 شاباً من البلدة والعشرات من القرى المجاورة وتجميعهم في مدرسة قرية قرميتلق التابعة لناحية شيه والواقعة على الحدود مع باكور كردستان، والتهم ذاتها للجميع “الانضمام لوحدات حماية الشعب أو أداء واجب الدفاع الذاتي وتهم أخرى واهية”، وطالب المرتزقة الشبان جميعاً بدفع مبالغ تراوحت بين 150-300 ألف ليرة سوريا للإفراج عنهم وإلا سيتم تحويلهم لجندريسه وتسليمهم للجيش التركي بتهمة الانضمام لوحدات حماية الشعب، وبالفعل تم الإفراج عن غالبية الشبان بعد دفع الفدى المالية المطلوبة، لكن ما لبث أن تم إعادة اختطاف غالبيتهم لمرة ثانية من قبل العمشات والمطالبة بدفعة ثانية من المال وهذه المرة كان المبلغ يفوق الـ200 ألف ليرة سوريا، وهنا اضطر “م.ا” والعديد من أقرانه لدفع أكثر من ألف وثلاثمئة دولار أمريكي خلال أقل من شهرين.
مجالس محلية أشبه بهياكل كرتونية:
بُعيد احتلال تركيا لعفرين، حاول الجيش التركي إظهار المنطقة على أنها أمنة ومستقرة رغم أن الكُرد فيها كانوا يعانون التميز العنصري المُمنهج وتم تغيير ديمغرافية المنطقة بخطوات متلاحقة ومدروسة من قبل الاحتلال، وعملت الاستخبارات التركية على إنشاء ما يسمى بالمجالس المحلية للنواحي ومدينة عفرين ووضع عدد من أهالي المنطقة فيها، وكان “م.ا” شاهداً على آلية تشكيل هذه المجالس وكيف فرض الاحتلال على بعض الأشخاص العمل فيها رغم عدم قبولهم، وخدعتهم بأن صلاحيات هذه المجالس موسعة وسيكون لها دور في إدارة عفرين، لكن بعد أشهر فقط من تشكيل تلك المجالس بدء كل شيء بالظهور علنية، فالمتحكم الوحيد بأقدار البشر وبالأخص الكرد في عفرين هم الجيش التركي والفصائل المسلحة، وسرد “م.ا” ما حدث مع رئيس المجلس المحلي للبلدة المُعين من قبل سلطات الاحتلال وتعرضه للإهانة والشتم والاعتقال من قبل عناصر العمشات لمحاولته فرض بعض القوانين المدنية في الناحية، مما دفعه للهروب إلى تركيا وترك كل شيء خلفه خوفاً على حياته، والرئيس الجديد “محمد حجي” قدم استقالته لكن لم يتم قبولها من قبل الاستخبارات التركية، وما حادثة القتل تحت التعذيب لنائب المجلس المحلي لناحية شيه “أحمد شيخو” في سجن العمشات في صيف 2018 إلا دليل حي على مدى قدرة هذه المجالس الحفاظ على حقوق الكُرد بعفرين وتطبيق القوانين التي يروّج لها الإعلام التُركي والسوري الموالي له، هذه الصورة التي نقلها الشاب عن آلية عمل المجالس التي باتت واجهة إعلامية فقط، تظهر الصورة الحقيقة لحكم الفصائل المسلحة المسيرة وفق أهواء الاحتلال التركي لعفرين، لتتحول بذلك إلى سجن كبير لأهله الكُرد.
سجنٌ كبير يحكمه قُطاع طرق:
هذا السجن الكبير الذي تحدث عنه هذا الشاب، هو في الواقع مقسم إلى أجزاء أصغر وفق تقسيمات فرضتها الجماعات المسلحة التي تمركزت كلاً منها في مناطق معينة، ويقول “م.ا”: “حرية التنقل في عفرين مرهونة بموافقة أمنية من الفصائل المسلحة”، ويذكر “م.ا” أنه أجبر على قطع وصل عبور من المجلس المحلي لقاء ألف ليرة سورية، لعبور حاجز العمشات الواقع خارج القرية بغية التوجه إلى ناحية جندريسة وشراء تلفزيون وحاجيات أخرى، وتابع “لن تتمكن من العودة إلا بورقة مشابهة تحصل عليها من المجلس المحلي في جندريسة”، وفرض الاحتلال التركي قوانين تعسفية على أهالي عفرين الكرد دون المستوطنين الدخلاء، إذ يتوجب على أصحاب الآليات المختلفة من سيارات وآلية زراعية وحتى الدراجات النارية الحصول على ورقة معينة لتمكنهم من عبور الحواجز ويتم تجديد هذه الورقة كل فترة وفي بعض الأحيان لا يتعرف فصيل مسلح بتلك الأوراق بهدف الحصول على رشى مالية، فالحياة اليوم في عفرين بات أشبه بقطاعات يسيطر عليه قطاع طرق وتضطر لدفع المال للجميع للمحافظة على أملاكك وحياتك.
تمييز عنصري ضد الكُرد لم يستثنى منه أحد:
في عفرين يتعرض الكرد عامة للتمييز العنصري الممنهج، ويختطفون ويقتلون على الهوية، والرموز الكردية ممنوعة، حتى تلك الرموز التي كان يتوقع بعض الكرد الذين ساعدوا الاحتلال التركي ممثلة ببعض شخصيات وأطراف المجلس الوطني الكردي المنضوي تحت سقف الائتلاف السوري المعارض أن تكون محصنة، هي الأخرى ممنوعة، ويذكر “م.ا” أن المرتزقة منعوا الأهالي من الاحتفال بعيد النوروز في 21 أذار المنصرم، وهددوا الأهالي بالاعتقال والتعذيب في حال تم إشعال نيران النوروز بالناحية، وهو ما دفع الأهالي لعدم الاحتفال والبقاء في منازلهم في ذاك اليوم التاريخي بالنسبة للشعب الكردي، إضافة لحادثة اختطاف “محمود يوسف” أحد أبناء البلدة وتعرضه للتعذيب فقط لوجود صورة لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني “مسعود البرزاني” في منزله، هذا الرمز الكردي الذي يقيم نظام أردوغان علاقات اقتصادية معه، يمنع حمل صورته في عفرين أيضاً رغم ان أعضاء المجلس الوطني الكردي الموالي لمسعود البرزاني ساعدوا تركيا في احتلال عفرين إعلامية وسياسياً وعسكرياً عبر فصائل حملت الطابع الكردي لكن تم تصفيتها بعد الاحتلال بفترة، من هنا يتضح أن التمييز العنصري في عفرين يصل إلى أوجه، وأشارت بعض التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية إلى التمييز العنصري الممنهج الذي يواجهه الكرد في عفرين الكردية.