دفاع الهوريين الميتانيين عن روج آفا وسورياـ2

60
 هكذا امتدح الفرعون المصري نفسه واصفاً خصمه الميتاني بالخسيس, دون أن يظهر للآخرين فشله في إخضاعه من ناحية, ومن ناحية أخرى يؤكد، بدون قصد منه، على شجاعة الميتانيين الذين قاوموا احتلاله من بين شعوب سورية, علماً أن الملك الميتاني ظل ذو شخصية قوية في المنطقة, وبقيت مملكته تمارس سياستها وسيادتها الوطنية على تراب أرضها (في سوريا), الذي جعل الفراعنة المصريين متحولين فيما بعد إلى حلفاء أقوياء لدولتهم ,حيث وقع تحوتمس الثالث مع ساوشاتار اتفاقية تضمنت:
أولاً: الاعتراف بسلطان الميتانيين على شمال سوريا بما فيها مملكتا حلب وكركميش.
ثانياً: تقوم ميتاني بتأمين منطقة نفوذ لمصر على نهر الفرات وفي ساحل بلاد الكنعانيين حتى مصب نهر العاصي.
ثالثاً: إبقاء الممالك السورية الأخرى على حالها بشرط أن تدفع الجزية للمصريين.
رابعاً: تقسيم سورية وفلسطين إلى منطقتي نفوذ فيما بينهما.
على ما يبدو إن ساوشاتار لم يكن راضياً عن المعاهدة, فقد اعتبرها انتقاصاً من النفوذ الميتاني في سورية, والدليل إنه عندم توفي تحوتمس الثالث 1436ق.م وخلفه امنحوتب الثاني, اغتنمت المملكة الميتانية الفرصة وحرضت أمراء سورية على مصر من جديد, وشكلت حلفاً جديداً، أراد امنحوتب الثاني أن يضرب هذا الحلف, فسار بجيشه على سورية, ووصل إلى لبنان ومنتصراً بعد ذلك على قوات الحلف, فزحف نحو الشمال السوري وأوقع سبع من أمرائها في الأسر مصطدماً مع جيش مملكة ميتاني, وعاد إثر ذلك بغنائم كثيرة, منها خمسين طن من الماس و830 كغ من الأواني الذهبية, والسبب في هذه الهزيمة للميتانيين هو إن أحد أكبر قادتهم الذي لم ينتمِ إلى الأسرة المالكة وهو القائد آتخي, تآمر على الملك الميتاني آرتاشوارا واغتاله, وتوج ابن شوتارنا القاصر 1360ق.م , اسمه توشراتا مكانه, ولكن توشراتا بعد أن رسخ سلطته أنتقم من قتلة أخيه آرتاشوارا وأعدمهم, بالرغم من تلك الحالات العسكرية في العلاقات الميتانية المصرية التي لم تستمر, فقد أصبحت علاقات صداقة وسلم .
علاقات سلم وصداقة ومصاهرة:
بالرغم من الحروب العديدة والطويلة التي شنها الفراعنة المصريون ضد الهوريين الميتانيين ولكنهم أدركوا عدم جدواها لذا سلكوا طرق السلم مهم وخاصة في عهد خلفاء امنحوتب الثاني 1450- 1425 ق.م وتحوتمس الرابع 1425-1405 ق.م, هذا الأخير الذي قوى التحالف مع الميتانيين بزواجه من ابنة الملك الميتاني التي اسمها ماتمويا والتي أنجبت له الفرعون امنحوتب الثالث, الذي خلف والده على العرش, وأصبحت مع, العلاقات الميتانية المصرية على أفضل وجه وكان زواج تحوتمس الرابع من موتمويا بعد إلحاح طويل إذ أرسل ستة وفود إلى الملك الميتاني أرتاتاما الأول يطلب يد ابنته, ولكنه كان يرفض كما تقول وثائق العمارنة, إنما الفرعون أصر على الزواج مرسلاً الوفد السابع, وسار الفراعنة على هذا الخط في الزواج من الميتانيات, إذ تزوج الفرعون الكاهل امنحوتب الثالث أيضاً من الأميرة الميتانية جيلو خيبا (تيدوهيبا), تذكر بعض المصادر اسمها بصيغة تيدو خيبا التي تحولت في مصر إلى نفرتيتي التي معنى اسمها الفتاة الحسناء قادمة وهي ابنة الملك شوتارنا, حيث زودها والدها بجهاز عروسي ضخم وبحاشية مؤلفة من 317 امرأة بين وصيفة وخادمة. لقد دون أمنحوتب الثالث هذا الزواج على الجعرانات الكبيرة التي أمر بصنعها في هذه المناسبة, وبمقابل ذلك استفاد الملوك الميتانيون الهوريون من هذه العلاقات القائمة على المصاهرة بكسب حليف قوي إلى جانبهم وكذلك الذهب الكثير من مصر.
حافظت هذه المصاهرة على صفاء صداقتها, وخير دليل على ذلك رسالة الملك الميتاني توشراتا إلى الفرعون المصري ومما جاء فيها:” إلى نيموريا الملك الكبير ملك مصر أخي وصهري الذي أحبه ويحبني وهكذا يتكلم توشراتا الملك الكبير عمك الذي يحبك ملك الميتانيين أخوك أنا بخير علك بخير عل بيتك بخير وأختي وبقية نسائك وأطفالك وعربتك وخيولك وبلادك بخير، وكل ما تملك كلهم بخير كبير جداً, كانت صداقة قوية تربط فيما مضى بين آبائك وآبائي لقد وطدتها وكانت تربطك صداقة قوية مع والدي ولأننا الآن في علاقة صداقة قوية مع بعضنا فقد جعلتها أنت أقوى بعشرة أضعاف عما كانت عليه في عهد والدي ونزولاً عند رغبة تيشوبوآمون وستبقى كذلك…”
ظل الملك الميتاني على صداقته بعد وفاة أمنحوتب الثالث في 1375 ق .م, إذ نراه يرسل إلى خليفته وابنه أمنحوتب الرابع، الذي عرف باسم أخناتون، رسائل فيما يلي واحدة منها يواسيه فيها بموت والده:” عندما علمت أن نيموريا (اسم امنحوتب الثالث في الكتابة المسمارية) قد ذهب إلى قدره عندئذ بكيت في ذلك اليوم ولقد قعدت ليلاً ونهاراً ولم آكل ولم أشرب لأنني كنت حزيناً, وقد قلت لو إن آخر فقط في بلادي أو بلاد أخي قد مات, وإن أخي الذي احببته واحبني كان لا يزال حياً لأن حبنا باقٍ كالسماء والأرض باقية…”
بالإضافة إلى تلك الرسالة كتب توشرانا رسالة أخرى إلى أرملته المدعوة (تي) مؤكداً على الصداقة المصرية الميتانية.
ولكن العلاقات السورية المصرية (الميتانية الهورية- المصرية) قد تقلصت بعد ذلك لسببين متعلقين بوضع مصر الداخلي, أولهما هو انشغال امنحوتب الرابع وزوجته نفرتيتي بالدعوة الدينية الجديدة أو ما تعرف بالإصلاح الديني الذي هو نجاح نفرتيتي الكردية في إقناع الفرعون امنحوتب الرابع بوجود الإله الواحد الذي يرمز إليه رع أي الشمس (رو) مما جعل أمنحوتب الرابع أن يغير اسمه إلى أخناتون أي خادم الإله.
وثانيهما نجاح الخصم الديني في مصر الذين هم كهنة آمون ضد أخناتون وأضعافه ومن ثم إبعاده عن الميتانيين عندما كانوا يخفون الرسائل التي يبعثها الملك الميتاني تأكيداً على صداقتهم وبذلك حصلت القطيعة بين الحليفين.
بالختام نقول: حقاً أن التاريخ يعيد نفسه, إذ أن ما حققه الاجداد من انتصارات تاريخية في سوريا وروج آفا يحييه اليوم الأحفاد في حمل راية النصر العسكري والسياسي في “روج افاي” كردستان أو ما تم استخدامه في المصطلح الجديد شمال وشرق سوريا وقد تصبح فاتحة خير على كامل أرض سوريا مثلما أنجزه أجدادنا الهوريين الميتانيين.
الكاتب والباحث: برادوست ميتاني
المصادر:” تاريخ كرد و كردستانـ العلامة محمد أمين ذكيـ ج1-ج2، تاريخ أسلاف الكردـ د. أحمد محمود خليل، الحوريون تاريخهم وحضارتهمـ جرنوت فيلهلم، سلسلة العلاقات السورية المصرية عبر التاريخـ  د.محمود عبد الحميد أحمد- ج1، موجز تاريخ سوريا القديمـ محمد حرب فرزات”.