الحرب الثقافية الرأسمالية

192
  عبد الله أوجلان –

يتميز دورُ الثقافةِ بأهميةٍ حياتيةٍ في المدنيةِ الرأسمالية، باعتبارها الحصيلةُ الذهنيةُ لكافةِ الميادينِ الاجتماعية. حيث تَعمَلُ أولاً على صهرِ الثقافة (أَقْلَمَتِها ومواءمتِها مع السلطةِ الاقتصادية والسياسية)، ومن ثَمَّ تُصَيِّرُها صناعةً في سبيلِ نقلِها على أوسعِ النطاقاتِ وبكثافةٍ مرتفعةٍ إلى جميعِ الجماعاتِ في أرجاءِ المعمورة (الأمم، الشعوب، الدول القومية، المجتمع المدني، والشركات). وبتشييءِ الميادينِ الأساسية، وعلى رأسِها الآدابِ، العلومِ، الفلسفاتِ، الحقولِ الفنية الأخرى، التاريخِ، الدينِ، والحقوق؛ تَكُونُ قد بَضَّعَتها. أما الكتبُ، الأفلامُ، الجرائدُ، الفضائيات، الانترنيت، والإذاعاتُ وغيرُها من الوسائل، فتؤدي دورَ سلعِ هذه الصناعة. وبالإضافةِ إلى تمهيدِ هذه البضائعِ الثقافيةِ السبيلَ لإدرارِ أرباحٍ طائلة، فإنّ وظيفتَها المدمرةَ الأساسيةَ تتمثلُ في تحقيقِ أَسْرِ الذهنيةِ بأبعادٍ لا نظيرَ لها على مَرِّ المسارِ التاريخي، لِتتلاعبَ في نهايةِ المطاف، بعدَ أنْ تَكُونَ قد بَنَت من الطبقاتِ والأممِ والعشائرِ وشتى أنواعِ الجماعات جماهيراً تَغدو في حالةٍ أسوأ من حالِ الأبقار والمواشي، مفتقدةٍ لكل معانيها، وباختصار، خاوية المضمون، عديمةِ الملامح والشكل، وقريبةٍ في نَهَمِها إلى شهواتِ القِرَدَة. والبَنَّاؤون المشرفون على ذلك هم الدولُ القوميةُ والشركاتُ العالمية والاحتكاراتُ الإعلامية. ولا يَهُمُّهم من شؤونِ المجتمع شيءٌ أكثر من جنيِ الأرباحِ منه واستهلاكِه. فحتى الشرائحُ التي أُفقِرَت، أصبحَ لا هدفَ لها تُفَكِّرُ به سوى ربحُ المالِ الكثيرِ يوماً ما، لتعيشَ على هواها.
لننتبهْ إلى أنّ الإفقار يُستَعمَل كظاهرةٍ ثقافية. فبينما كان الإفقارُ دافعاً وباعثاً على التمردِ والعصيانِ في العصورِ الوسطى التي لا نُعجَب بها، فإنّ تَصيِيرَ التهافتِ على الأجرِ والمعاشِ هدفاً أولياً في كنفِ الهيمنةِ الثقافية الرسمية، إنما يَدُلُّ على الانتصارِ الثقافيِّ للنظامِ القائم.
والجانبُ الوخيمُ الأخطرُ في الهيمنةِ – وبالتالي الأَسْر – التي تُحرِزُها الصناعةُ الثقافية بالتداخلِ مع صناعةِ الجنس، يكمن في عيشِها طواعيةً، بل وتَسمِيتِها بانفجارِ الحرية. مؤكَّدٌ – بلا أيِّ شك – أنّ هذا يُشَكِّلُ الركنَ والعِمادَ وأداةَ الشرعنةِ الأقوى التي تَستَنِدُ إليها الإدارة الحاكمة. فمرحلةُ الإمبراطوريةِ الرأسمالية غيرُ ممكنةٍ إلا بالصناعةِ الثقافية. بالتالي، فالكفاحُ تجاه الهيمنةِ الثقافيةِ تقتضي أعسرَ وأصعبَ أنواعِ الصراعِ الذهني. وما من إمكانيةٍ لإحرازِ النجاحِ أمامَ أيِّ كفاحٍ في سبيلِ الحرية والمساواةِ والديمقراطية، ما لَم يُنَظَّمْ هذا الكفاحُ ويُصَعَّد شكلاً ومضموناً في مواجهةِ الحربِ الثقافيةِ التي يَشُنُّها النظامُ القائمُ عبر الغزوِ والصهرِ والتصنيعِ الذهني.