زيلان عاشِقة الحرية والحياة

148
هيفيدار خالد –

الحياة والموت أضحيا لغزان محيران لدى الإنسان، تتلاعبان بعواطفه وتزيداهُ ألماً. فكلما شارف شخصٌ ما على الشيخوخة أو فقد عزيزاً في حياته، تثور أحاسيسه وغرائزهُ الحياتية التي تصارع تلك الحقيقة المحتمة على البشر بأنهم فانون مهما طال الزمن.
البعض عرف الحياة مقارنة بالموت، على أنهما قرينتان متناقضتان، على الرغم من كل التطورات الخارقة في العلم، إلا أن الإنسانية ما زالت بعيدة عن معرفة الحياة، فما بالهم أن يدركوا أنها الموت وحقيقته، لذا باتوا يخشون الآخرة، متناسين بأن الحياة ليست ممكنة إلا بالموت. فنعود لنسأل؛ إذا كان الموت يعني العدم فما هو سر اندفاع أولئك المتطوعين لإنكار الذات في سبيل حقيقة، أو قضية، فما هي عظمة إفناء جسد في قضية؟. تناقضات بتنا نعيشها لدى التعمق في كل عملية فدائية لمناضلين ضحوا بأغلى ما لديهم في سبيل حياة كريمة. كان الرفيق مظلوم دوغان المبشر الأول لتلك الحياة بإضرام نار نوروز في بدنهِ لينير ردهات السجون. أتممت الرفيقة بريتان تلك الروح محلقةً من أعالي الجبال لتسطر أسمى آيات للمقاومة في وجوه الخونة. والمناضلة زيلان التي أثبتت لكافة القوى المعادية للحياة الحرة بأن التضحية في سبيل الحياة هي من أعظم القيم التي لا يُستغنى عنها. وحوّلت جسدها إلى شظايا قنابل تتفجر في قلب العدو. ليقف المرء حيرة عند البحث في أسرار الحياة المخفية بين ثنايا هذه الشهادة.
أقبلت زيلان على عمليتها البطولية لشدة حبها للحياة وليس سئماً منها، فكتبت في رسالتها الخالدة: “إن ارتباطي والتحامي بالحياة ارتباط نموذجي، لذا أريد أن أكون صاحبة عملية كبيرة وحياة ذات معنى عظيم. ولأني أحب الإنسانية كثيراً أريد القيام بهذه العملية”. النظام الرأسمالي خلق الفرد الذي يعيش اللحظة ناسياً الماضي ومهملاً للغد، لكن المغزى الكامن وراء فلسفة الشهيدة زيلان إنه معاكس لذاك المفهوم الرأسمالي تماماً. فقد رأت زيلان بأن حب الحياة هو أن تكون صاحب حياة ذات معنى عظيم، وقد جعلت الموت خلوداً في سبيل الحياة. كانت عملية مليئة بالجسارة أدهشت كافة القوى التي كانت هدفها القضاء الإنسانية وجعلها ملكاً تحت سيطرتها، لكن المقاومة زيلان لم تقتل بهدف القتل، بل أصرّت القيام بعمليتها في سبيل الحياة وحبها للإنسانية؛ مكتوبة في رسالتها: “إن ما يجبرنا على الحرب هو الحب”.
كان حب الإنسان والطبيعة بالنسبة لزيلان هو الصراع الدائم في وجه النظام الذي يفرغ كل شيء من قيمه المعنوية، النظام الذي حوّل الإنسان إلى وحش كاسر حيال المجتمع والطبيعة. وأضحت رسالتها نداءً للشعب الكردستاني ليعوا في أن إصرار العدو على القمع والاستغلال، إنما بدوره يحث الشعب الكردي على الإصرار والسعي من وراء الحياة الحرة والكريمة رغماً عن كل الآلام والمصاعب. لهذا فإن انبعاث الشعب من رماده، مسؤولية كافة مناضلي الحرية. لذا نفذت الشهيدة زيلان عمليتها على أكمل وجه، مقتحمة حدود الموت برباطة جأش، وعواطف حب تاركةً خلفها بسمة حفرتها على القلوب. تقول زيلان: “كل هذا جعلني أن أصبح صاحبة عواطف جميلة لا أستطيع التعبير عنها”.
حقيقة الشهيدة زيلان لا تكمن في خلق الحياة من الموت فحسب، بل تتفاداها لتصبح نبراساً للمرأة الحرة. حيث أنها وثّقت الرابطة في ما بين الحياة والمرأة.