سلطان الأصقة: “الإرهاب وداعش صنيعة الدولة التركية باميتاز”

88
حكم الدولة العثمانية كان احتلالا وإذلالاً لشعوب المنطقة، وهو ما يسعى أردوغان بتجديده رغم فشل مشروعه؛ سعياً لإحياء ما يسميه أمجاد الدولة العثمانية المحتلة. وحول التدخلات التركية لمحو ثقافة وإرث وتاريخ المنطقة وحضارتها كانت لوكالة فرات للأنباء حواراً مع الباحث الكويتي الدكتور سلطان الأسطة، وإليكم نص الحوار:
ـ ما أبرز الاستنتاجات التي توصلتم إليها حول التاريخ العثماني في المنطقة؟
التاريخ العثماني في المنطقة؛ كما قال المؤرخ حسين مؤنس في كتابه “الشرق الإسلامي في العصر الحديث” سكن كل شيء في المنطقة وخمد وخمل، وأظلمت جوانبها، وعاشت في ركود أربعة قرون كاملة، والجميع يعلم أن الأتراك خرجوا من أواسط آسيا واستوطنوا الأناضول، بعد سقوط الدولة السلجوقية التابعة للعباسيين، واستمرت دولتهم قرابة 600 عام، من بينهم 400 عام قاموا خلالها باحتلال مناطق عدة من الشرق الأوسط منها العديد من الدول العربية. وهذا واقع تاريخ تلك الفترة، فالبلاد العربية منذ الاحتلال العثماني تكاد تخلو من مراكز الفكر والعلم، حيث لا مدارس أو جامعات سوى ما تبقى من الأزهر في مصر، والحرمين الشريفين، والمسجد الأموي في سوريا. وعليه؛ فاعتبار الوجود العثماني احتلالٌ للمنطقة، فهو اعتبار له وجاهته، ولا يوجد ما يقارعه أو يدحضه؛ فالدولة العثمانية لم تبنِ مدرسة واحدة، بل إن السلطات العثمانية كانت تتعمد تجهيل العرب؛ كما شهد بذلك المعاصر لحكم الدولة العثمانية آنذاك؛ وهو الشيخ والمفكر والمصلح طاهر الجزائري في سوريا، وذكر عنه المفكر والأديب محمد كرد علي في مذكراته ـ المجلد الأول، وذكره عبد الرحمن الكواكبي في كتابه أم القرى.
ـ كيف كان تأثير احتلالهم على شعوب المنطقة وماذا تركوا خلفهم؟
ادعوا أنهم آخر دولة للخلافة الإسلامية، لكن شروط الخلافة لا تتوافر في الدولة العثمانية، هي دولة احتلال وليست فتوحات كما ادعوا، حيث إنها لم تدخل بلاداً عربية إلا ومارست صفات المحتل من سلبٍ ونهبٍ لا صفات الفاتح المُنقذ، إضافة إلى ظلم وإذلال العثمانيين للعرب وللكرد عبر التاريخ ولكافة الاقليات في الدولة العثمانية، من أرمن وإيزيديين وأبناء الجزيرة العربية والخليج العربي وحتى الفرس وغيرهم، حيث كانوا يسمّون أهل نجد، مثلاً، بقاذورات الخوارج والحشرات وغيرها.
ـ من خلال قراءتكم للتاريخ؛ إلى أي مدى يسعى الرئيس التركي لاستنساخ الممارسات التركية خلال الفترة الراهنة؟
أردوغان من خلال حزب العدالة والتنمية، النخبة التي كونها على مدار عقدين من الزمان صنع وهم يسمى بــ”العثمانيين الجُدُد”، وأردوغان نفسه قد أعلن أنه يسعى لاستعادة ما يراه مجداً للدولة العثمانية، فقد صرح أردوغان في كانون الثاني 2009 بعد حرب غزة، قائلاً: “أنا لست زعيم دولة عادية… أنا زعيم أحفاد العثمانيين”، وقال أحمد داوود أوغلو في كتابه الشهير: “يسموننا العثمانيون الجُدد، نعم؛ نحن العثمانيون الجُدُد، وسنعيد الاهتمام بالمنطقة”، في إشارة إلى الشرق الأوسط، وهو يقصد المنطقة العربية، وغيرها من المناطق المحيطة بتركيا التي سعى بعد عامين من هذا التاريخ أي حرب غزة مع ظهور ما سمي وسمته تركيا بالربيع العربي، للهيمنة على المنطقة من خلال تيار الإسلام السياسي المتمثل بالإخوان، وتصريحاتهم تلك مشهورة معلومة، في وسائل الإعلام التركية، ومفاهيم العثمانية الجديدة رصدتها وحللتها مجلة “الشؤون التركية” التابعة للمركز الاستراتيجي للأهرام في مصر منذ سنوات طويلة.
ـ يُعادي أردوغان الكرد ويشن الهجمات ضدهم في سوريا والعراق وينسّق مع إيران لقمع الوجود الكردي، كيف تجد هذه الممارسات في التاريخ وتقيّم الفكرة التي يروّج لها أردوغان “العثمانية الجديدة”؟
أردوغان استخدم في البداية “سياسة القوة الناعمة”، وقد أفلحت سياسة قوته الناعمة في البلاد العربية إلى مدىً بعيد خلال السنوات الماضية، وسياسة القوة الناعمة لديه تقوم على غزو العالم العربي غزواً فكرياً، ولذلك قام بغزوه من خلال الأعمال الدرامية، والترويج السياحي، والسياحة العلاجية، وغيرها. لكن؛ حينما لا تُفلِح سياسة القوة الناعمة في مكان من الأماكن، ينتقل إلى استخدام سياسة القوة الخشنة؛ كما فعل في عفرين المحتلة ومعارك ما أسماه “غصن الزيتون”، وهو استغل الحرب من أجل تحقيق أطماعه في المنطقة، من خلال احتلال شمال سوريا؛ بحجة مواجهة داعش التي صنعها.
ـ هناك مساعٍ لإعادة تدخل الدولة التركية المحتلة في الحج والعمرة؛ كيف تقرأ ذلك في ضوء الادعاءات الأردوغانية بأن أجداده كانوا يدافعون عن البيت العتيق، وأنت قلت لم يسبق لسلطان عثماني طِوال فترة الدولة العثمانية زيارة بيت الله الحرام للحج أو للعمرة؟
أبداً، أبداً، أنا لم أقل في يوم من الأيام أن سلاطين الدولة العثمانية لم يحجوا ولا مرة في حياتهم، أنا لم أقل هذا، إنما الذي قاله وأكّده ووثقه المصادر التاريخية، وأنا أنقل عنها ذلك ما جاء فيها، أنه لم يحج ولا سلطان من سلاطين الدولة العثمانية إطلاقاً، لا قبل توليهم السلطنة ولا بعدها، بل لن تجد من يشكك في ذلك. وقد نشرت من مراجعهم وأرشيفهم ما يثبت ذلك، ومن بينها شهادة مؤرخ تركي متعصب للترك العثمانيين، وهو يلماز أوزتونا، في كتابه “تاريخ الدولة العثمانية، أليس هذا بالأمر الغريب أنهم يدعون بخلافة المسلمين بالأقوال ولكن الأفعال هي عكس ذلك تماماً. وانظر للمصادر التاريخية وسترى أن كل ما قيل عنهم هو عين الصواب. وعلى الرغم من هذه الحقيقة التي لا ينكرونها نراهم يصورون أنفسهم كواجهة للعالم الإسلامي كما حاولوا أن يدعوا قيادة العالم الإسلامي، وهو جوهر فكرة العثمانية الجديدة التي يتزعمها أردوغان الآن، والذي يقول بأن لتركيا الأحقية بهذه القيادة المزعومة، وقد ظهر وجهها الحقيقي اليوم في سوريا وليبيا والعراق وغيرها من الدول، حتى في الدول التي لديها أقليات مسلمة أو “تركية” سواء في شرق أوروبا أو دول البلقان وحتى ألمانيا وفرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى.
ـ ما هي حقيقة شخصية آرطغرل التي يروّج لها بأنها شخصية عظيمة لها ملاحم بطولية في التاريخ العثماني؟
في كتابي القادم جمعت كل ما يوثق أنه شخص مرتزق، وثني وليس بمسلم من الأساس، كما زعموا أنه شخصية عظيمة، وابنه أوصمان مثله وثني مرتزق، أسلم فيما بعد وصار اسمه عثمان، وهذا موثق في التاريخ، ومن يقولون غير ذلك فاعتمادهم هذا أساطير وخيالات، وقد بدأت تلك الشخصية تظهر حقيقتها الآن للمشاهد ومن يبحث، وقد قدمنا لشعوب المنطقة كل ما يلزم للبحث في المصادر التاريخية ومعرفة حقيقة هؤلاء.
ـ وجدنا كيف أطاح أردوغان خلال مسيرته السياسية بحلفائه السابقين من الإسلاميين ورفاق دربه؛ كيف تفسرون هذه الصراعات على السلطة بين أنصار العثمانية الجديدة؟
أردوغان لا يختلف عن السلطان سليم الأول، ومثل سليمان القانوني وعبد الحميد الثاني، بل حتى أتاتورك، وسننهم سنن مغولية في الحكم، ينقلبون على بعضهم البعض وقد تكون هذه الانقلابات دموية لا تعرف سوى لغة الدم والتصفية الجسدية، وتؤدي إلى تصفية أقرب المقربين إن شكّلوا خطراً على السلطة الحاكمة.
ـ ما هو دوركم كباحثين في التنبيه لخطورة السموم التركية التي تدسّها في المنقطة عبر الأعمال الفنية التي تسعى من خلالها لممارسة الحروب النفسية والاختراقات الثقافية للمنطقة من خلال القوى الناعمة؟
صناعة الوعي التي يقوم بها الكثيرين آتت أكلها اليوم وشعوب المنطقة أدركوا الخطر التركي عليهم، فبدأ الناس يقرأون ويبحثون ليجدوا خلاف ما تروجه الدراما التركية من أباطيل، وإذا تابعنا على سبيل المثال الدراما الرمضانية سنجد شبه اختفاء للدراما التركية التي كانت مسيطرة في أزمنة سابقة، كما أن جاذبية وسائل إعلامهم الناطقة بالعربية في تراجع كبير؛ لأنها كشفت عن وجهها الحقيقي وعدم مصداقيتها. وهناك مشاريع ثقافية نعمل عليها من أجل مواجهة الدعاية الأردوغانية الباطلة والكاذبة التي تروّج لها الهالة الإعلامية التركية، وستظهر قريباً جداً.