الكُرد يُقرّرون مصير إسطنبول

169
فوزة يوسف –

للمرة الثانية؛ هزم حزب العدالة والتنمية في انتخابات إسطنبول؛ والسبب في ذلك بسيط جداً وهو أنّ أردوغان يحصد ما زرعه، فقد قام وعلى مدى سنين حكمه باستغلال القضية الكردية كوسيلة من وسائل إطالة مدة حكمه، فتارة سوّق نفسه على أنه قائد سلام وبأنه سيحل القضية الكردية، وتارة أخرى؛ قام باستهداف الكرد وإثارة المشاعر الشوفينية لدى الأتراك ضدهم، إلا أن السحر انقلب على الساحر هذه المرة ولم تعد هذه السياسة منتجة وناجعة كما كانت في السابق.
من حسم معركة إسطنبول هم الكرد، فقد كانوا نقطة التوازن أو بيضة القبان بين الحزبين المتنافسين، والتزامهم جانب أي الطرفين يعني بأن كفة الميزان سترجح لصالح ذاك الطرف. وحالة كون الكرد يشكلون اليوم نقطة التوازن بين مختلف الأطراف لا تقتصر على تركيا فقط؛ إنما تتجاوزها إلى مناطق أخرى كسوريا مثلا وهذا ينبع من حقيقة أن القوة المنظمة هي القوة المؤثرة وإن كان حجمها صغيراً، فإن لم تستطع أن تكون ملكاً؛ فاصنع الملوك إذاً؛ وهذا ما حصل بالضبط في انتخابات إسطنبول، ويجب على جميع الدول التي يتواجد فيها الكُرد أن يدركوا هذه الحقيقة جيداً ويتعاملوا مع الكرد وفقاً لذلك.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن؛ ماذا ستكون ردة فعل أردوغان على نتائج هذه الانتخابات ؟! هل سيعيد النظر في سياساته ويعلن عن فشل تحالفه مع حزب الحركة القومية ويتخذ مساراً جديداً في تعامله مع القضية الكردية وقضية التحوّل الديمقراطي في تركيا التي انحدرت مؤخراً إلى الحضيض، أم أنه سيجتر السياسات التعسفية والعقيمة نفسها ضد الكرد والقوى الديمقراطية التركية!.
هناك من يقول بأن أردوغان رجل براغماتي وبما أن الخطر مُحدق به الآن إلى درجة غير مسبوقة؛ فهو مضطر لإعادة النظر في سياساته. بالطبع هذا ما يطمح إليه الجميع؛ لأن سياسات أردوغان المؤذية والتعسفية لم تقتصر على دولة الاحتلال  التركي فقط، إنما تجاوزتها إلى دول الجوار، حيث هدد أمن المنطقة برمتها. واذا ما أخذنا بعض الأمثلة المشابهة في منطقتنا؛ فان الصورة ليست واعدة البتة، فقد وجدنا الكثير من زعماء هذه المنطقة أصرّوا على اجترار مواقفهم وسياساتهم التدميرية فالتهمتهم فيما بعد والتهمت معهم دولهم، وأردوغان يملك في شخصيته الكثير من خصائص أولئك الزعماء التدميرية. لذلك؛ من الصعب التكهن بمآلاته وما سيقوم به.
ثمة شيء ثابت يمكن التكهن به ببساطة وهو إذا ما اختار أردوغان الاستجابة لنداء القائد أوجلان وبدأ مرحلة جديدة من المفاوضات الجدية؛ فإن ذلك يمكن أن يطيل فترة حكمه. ولكن؛ اي سياسة في ظل استمرار الزواج المدمر بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية سيكون محكوماً عليه بالفشل مسبقاً والعد التنازلي الذي دخل فيه حزب العدالة والتنمية سينتهي إلى نقطة الصفر إن لم يتدارك أردوغان أخطاءه وسياساته التعسفية؛ كما انتهى مع أحزاب تركية سابقة كحزب تانسو جيلر.
إذاً الكرة الآن في ملعب أردوغان وهو أمام خيارت صعبة جداً، فإما أن يقوم بإعادة النظر في سياساته واستراتيجيته المعادية للشعب الكردي ويكسبهم وبالتالي يكسب الفوز وإما أن يستمر في محاربة الكرد؛ فيخسر في انتخابات 2023م مثلما خسر في انتخابات إسطنبول.