سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“الوطن والمرأة” مسؤولية وأولوية الشركسي

13
تقرير/ آزاد كردي –

روناهي/ منبج ـ “أديغا ـ خابزة” عنوان محاضرة نظمها اتحاد المثقفين في منبج ومركز الثقافة و الفن وتمحورت حول الأصول الشركسية ودور المرأة في النهوض بالواقع، والإشارة إلى الشخصيات الشركسية البارزة في التاريخ.
تشهد مدينة منبج وريفها في هذه الآونة حِراكاً ثقافياً لا مثيل له على النشاط الثقافي من قبل اتحاد مثقفي المدينة، ومركز الثقافة والفن اللذان يتقاسمان الكعكة الثقافية بامتياز من خلال الندوات والمحاضرات التي تستقطب أبرز النخب الثقافية والفكرية؛ بقصد بلورة واقع ثقافي جديد.
وضمن ذلك الحراك أقام مركز الثقافة والفن في مدينة منبج وريفها بالتعاون مع اتحاد المثقفين في منبج محاضرة حملت عنوان؛ “أديغاـ خابزة”، وألقتها كلاً من الرئيسة المشتركة للجمعية الشركسية؛ “هند داغستاني”، ومسؤولة منسقة للمكون الشركس بمركز الثقافة والفن؛ “روزا إسحاق”، وذلك في مدرج صالة الثقافة التابعة لمركز الثقافة والفن الواقع أمام المجمع التربوي. بحضور العشرات من العشرات من المهتمين والناشطين في حقلي الثقافة والفن، إلى جانب حضور العديد من مؤسسات المجتمع المدني بالمدينة.
التفاصيل العريضة لموطن الشركس
واستهلت المحاضرة بالوقوف دقيقة صمت؛ استذكاراً على أرواح الشهداء، ثم ابتدأت الرئيسة المشتركة للجمعية الشركسية في مدينة منبج وريفها؛ “هند داغستاني” الحديث؛ عبر طرح تساؤل للحضور، ضمنته عمن يعرف كثيراً عن قوم الشركس، فكثر هم الذين سمعوا عن الشركس أو الشراكسة, ولكن قلة ممن يعرف أصولهم، وقد يكون الأمر معني بهم، أي؛ الشراكسة أنفسهم الذين لا يعرفون هذه الحقيقة أو تفاصيلها. وفي حديثها عن موطن الشركس، وتوزع الدول، ومساحتها، وأبرز مظاهرها الطبيعية، فقالت:” تعتبر البقعة الواقعة بين البحر الأسود غرباً وبحر قزوين شرقاً, وشمالاً من نهر القوما وصولاً إلى هضبة أرمينيا جنوباً؛ موطناً لشعب القوقاز, وتقدر مساحة هذه الأرض بـ400 ألف كم. وتنقسم المنطقة لقسمين؛ أولهما يعرف بشمال القوقاز، وثانيهما جنوب ما وراء القوقاز. وتنتشر فيها سلاسل جبلية عالية، وترتفع شمالاً وتنخفض كلما اتجهنا جنوباً. وأعلى قممها جبل البروز بعلو5600م، وغالباً ما يكسوه الثلج، ويكنى شيخ الجبال أو الجبل المبارك. وينحدر منه نهر قوبان, وتكسو هذه الجبال غابات كثيفة جداً ومخيفة أحياناً. وعلى هذه الأرض عاش القوقاز، وهو الاسم الجامع لكل سكانها. أما اسم شركسي، فهو وصف، أطلقه الأجانب عليهم إذ لا توجد أي قبيلة منهم، تحمل ذات الاسم، ويعتقد أن أصل التسمية؛ إيراني أو تتري، ويعني سكان القوقاز جميعاً ممن تجمعهم حضارة واحدة، وإن اختلفت لغاتهم. وتضم شعوب شمال القوقاز؛ الأديغة، والبجدوغ، والأبازاخ، والشاب سوغ، والقرشاي، والتشمقواي، والنختواي، والوي ناح، والداغستان”.
العشائر الشركسية تحافظ على تراثها وعاداتها
 وأردفت قائلة:” لا تزال العشائر الشركسية تحافظ على تراثها وعاداتها، وما أن وطئت أقدام الشركس أرض الشام حتى؛ “خلعوا أحذيتهم ومشوا فيها حفاة”، لاعتقادهم أنها أرض مقدسة. وكثيراً ما يتناقل الشركس هذه الرواية، منذ هجرتهم من القفقاس قسراً في ستينيات القرن التاسع عشر، ووصولهم بلاد الشام في سبعينيات ذلك القرن، نتيجة حربهم مع روسيا القيصرية من أجل الحفاظ على دينهم الإسلامي الذي اعتنقوه في ذلك الحين. واستقر معظم الشراكسة المهاجرين في تركيا، بينما استقرت مجموعات منهم؛ سورية والأردن وفلسطين. وكانت أول مجموعة من القادمين إلى عمان هي قبيلة “الشابسوغ”، إذ عبرت تركيا إلى دمشق، ثم من هناك إلى عمان حيث استوطنوا فيها. أما المجموعة الثانية الكبرى فهي”القبرداي”، إذ قدمت عبر الطريق البحري من البلقان إلى بيروت، وعبرت حلب متوجهة إلى عمان، وأقامت أول قافلة شركسية في المدرج الروماني في البتراء بالأردن. ومن ذلك الزمن، اندمجت العشائر الشركسية في المجتمع الذي قدمت إليه، ويعود حفاظهم على عاداتهم بسبب اعتزازهم بتراثهم وانتمائهم لجذورهم، ومن عاداتهم وتقاليدهم المهمة؛ احترام كبير السن إلى جانب التقدير البالغ للمرأة”. وفي هذا المقام، من الطبيعي أن يحصل أبناء الابنة على سبيل المثال على قسط مضاعف من المحبة بخلاف أبناء الابن بسبب ارتباط محبتهم بمحبة أمهم. وهناك مثال آخر، فلو كان ثمة وجود خلاف أو شجار بين مجموعة من الشركس وبالصدفة تواجدت امرأة، حينها ينفض الشجار بسرعة احتراماً لها, حيث يعتبر من العار أن تقوم مشاجرة أمام امرأة. وهناك اعتقاد ظهر بعد الهجرة الكبرى، وهو إن الشركسي خارج القفقاس، يحمل مسؤوليتين مزدوجتين؛ اتجاه الوطن الذي يعيش فيه، واتجاه وطنه الأم”.
دور الشركسية في النهوض بواقع أصلهم الطبيعي
وتابعت القول:” تنشط الأسرة الشركسية للحافظ على موروثها الثقافي من خلال التمسك بالهوية والتراث المتمثل؛ باللغة، إلى جانب عزف الموسيقى الشركسية واللوحات الفنية التي تقدمها الفرق الفنية المتخصصة، وكذلك الأمر في طهي الأطعمة الشركسية المعروفة؛ كلقم أركيتزا، والزاتيج، والحلفا، وهي أنواع مختلفة من المعجنات، فضلاً إلى جانب الطبق المعروف؛ شيبس وباسطا مع الصلصة المخصصة له، وهي الشبجي داغ”.
وأضافت:” الزي الشركسي التقليدي، يفيض بالحشمة والجمال؛ للمرأة، والفروسية والقوة؛ للشاب. وتتكون ملابس المرأة من فستان وطاقية طويلة، يتدلى من أعلاها منديل شفاف وزنار. وقد يصل قطع الزي إلى العشرة، ويتميز بتطريز خيوط الفضة والذهب. أما الشاب فتتكون ملابسه من جاكيت طويل اسمه؛ تسي، وبنطلون وقميص وطاقية اسمها؛ بئة، وخنجر اسمه؛ قامة، وسيف طويل اسمه؛ سون كه، إضافة إلى سترة محشوة بالرصاص، وحذاء طويل”. ونوهت هند بالقول:” لم تعد هذه الملابس التقليدية مستعملة حالياً ويقتصر ارتداؤها في الفرق الموسيقية، والحفلات والمناسبات الخاصة. وتؤدى الرقصات في المناسبات، وتقدم من خلال لوحات فنية، يتم عرضها بدول مختلفة؛ عبر فرق محترفة، وأهم الرقصات؛ رقصة الأمراء المسماة؛ قافا، ورقصة الأبخازي، ورقصة الشيشان، ويعطي الشركسي اهتماماً بالغاً بالموسيقى خصوصاً تلك المعزوفة على الأكورديون؛ البشنه”.
ظاهرة زواج الخطيفة عند الشركس
أما القسم الثاني من المحاضرة، فألقتها مسؤولة منسقة للمكون الشركسي في مركز الثقافة والفن بمدينة منبج، “روزا إسحاق” التي تحدثت عن زواج الخطيفة، فقالت: “ما يمتاز به الشركسيون هو؛ زواج الخطيفة، أو ما يعرف “بالدقواسا”، وكانت إلى عهد قريب متبعة، وكان لها طقوس تعبّر عن مبادئ وقيم المجتمع الشركسي، حيث يتفق الشاب والفتاة على الزواج مع بعضهما، وتذهب الفتاة مع الشاب وذلك بعلم أمها وشقيقاتها وشباب الحي، إلى التحامتا، وهو الزعيم أو الوجيه. ويكون هذا الوجيه على دراية بالأمر، أما بالنسبة لوالد العروس فربما قد لا يعلم بذلك، وتبقى الفتاة عند الوجيه ريثما يذهب الشاب الذي يسمى؛ شاوا، ويختفي عن الأنظار عند صديق له، وينزل ضيفاً مع إخطار والد الفتاة، يطمئنه أن ابنته بخير”.
وأضافت قائلة:” يتم الزواج في بيت الوجيه تكريماً له، ثم تزف الفتاة إلى بيت العريس. وتغدو المراسم؛ شبيهة بالزواج العادي من حيث الاحتفالات، وهنا ينتقل المحتفلون إلى المضافة، ويبقون إلى قبل طلوع الشمس، إذ يعود الشاب إلى بيت صديقه قبل أن يراه أقاربه، ثم تذهب العروس لتسلم على حماتها بحضور القريبات. ويتم زفاف العريس في اليوم التالي إلى بيته بحضور أقاربه وأعمامه والأصدقاء. وإذا كان العريس لا يملك بيتاً، وتجنباً لبقاء العروس في منزل أسرة زوجها، كان يتعاون الأقارب والجيران ببناء بيت للعروسين. ولابد من القول أن هذه العادة قد اندثرت في كثير من البلدان المضيفة للشركس بسبب عادات هذا البلد. أما في القفقاس. فما زالت الدقواسا؛ متبعة بشكل كبير، ومن المعروف أن الاختلاط بين الشباب والفتيات الشركس مسموح به ضمن رقابة الأهل والاحترام المتبادل بين الطرفين”.
شخصيات شركسية كبيرة حَفِظها التاريخ
 واختتمت حديثها بالقول:” لقد كان لشعب الشركس حضور لافت على مستوى التمثيل الثقافي والسياسي، والعسكري، ومن ذلك البطل الشهيد؛ “جواد أنزور” الذي ولد عام 1901م واستشهد في معارك مع الجيش الإسرائيلي في عام1948م. كذلك من الشخصيات البارزة؛ “أحمد نامي”، وهو أول رئيس للدولة السورية، وحاكم رئيس لسوريا منذ زوال العثمانيين بين 2 مايو 1926 و15 فبراير 1928، وقد ألّف خلال هذه المدة ثلاث حكومات، عبّر خلالها عن مطالب وطنية، فطالب بوحدة البلاد السورية، وسن دستور لها، وإصدار عفو عام عن جميع المتورطين في أعمال عنف خلال الثورة السورية الكبرى، فضلاً عن شخصيات شركسية أخرى كبيرة”.
الاطلاع بواقع الشركس الحضاري ومشاطرته الآخرين
وفيما يلي آراء لبعض من المواطنين من شعوب مختلفة بمدينة منبج وريفها؛ حول رؤيتهم من إمكانية تعبير شعوب المنطقة عن تراثهم وموروثهم بحرية مطلقة. التقت صحيفتنا” روناهي” بالمواطن “جاسم طرمش” من المكون التركماني الذي حدثنا أنه قادر على التعبير بشكل مطلق عن ثقافته، فقال: “لا يمكن التغاضي عن مظاهر الصهر والإبادة التي تعرضت لها المكونات في السابق بعدم قدرتهم على ممارسة طقوسهم وعاداتهم، بينما الواقع قد تغير الآن، وهذا شيء جميل. إذ صار بالإمكان ومقدور أي مكون من الانفتاح على الأخرين وتلقي ما يرونه مناسباً لطرحه بشكل يتقبله الجميع”.
بينما رأى المواطن “عمر محمود” من المكون الكردي أن في ذلك فسحة من الانفتاح، فقال:” لا شك أن هذه الفترة تشهد انفتاحاً واضحاً من قبل جميع الشعوب؛ للاطلاع بواقعهم الحضاري ومشاطرته الآخرين في عالم يضج بالاتساع الثقافي، وهذا الشيء ملموس في الإدارة المدنية الديمقراطية في مدينة منبج وريفها عبر دعمها؛ إقامة العديد من المحاضرات لكل الشعوب؛ بهدف إحياء الثقافات وحوار الحضارات”.