سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أنقرة… خطةُ انتشارٍ إنسانيّة ومضمون مشبوه

8
رامان آزاد –

تعملُ حكومةُ العدالةِ والتنميةِ الإسلاميّةِ منذ توليها السلطة في تركيا على التمدّدِ والتوسّعِ، بالتركيّز على دعمِ الإسلامِ السياسيّ والجماعات المسلحة المتشددة بالجوار القريب (القوة الخشنة)، فيما تعاطت مع الدولِ والحكوماتِ عبر المساعداتِ وبناء المساجدِ، وتأهيلِ أئمةٍ يتبعون لأنقرة مباشرة للإشراف على هذه المساجد (القوة الناعمة).
 طموحٌ لقيادةِ العالمِ الإسلاميّ
بوصولِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ الحاكمِ اهتزَّ الأساسُ العلمانيُّ للدولة التركيّة، وبدأ التشكيكُ العلنيُّ به ووصل درجة الرفض، وتمّ الإيحاء بأنّ المرحلة العلمانيّة التي أسسها أتاتورك خروجٌ على تقاليدِ الأصالةِ. وجاءت فكرةُ إعادةِ تركيا لمركزِ العالمِ الإسلاميّ، على أنّها استعادةٌ للأصالةِ والتاريخ وبثِّ الروحِ بالحضارةِ الإسلاميّةِ المنكوبةِ.
في عام 1453 سقطتِ القسطنطينيّة على يدِ محمد الفاتح، وتدريجيّاً ودانتِ المنطقةُ لسلطانِ الدولةِ العثمانيّةِ التي تحوّلت إلى إمبراطوريةٍ متراميةٍ الأطراف تمتدُّ على ثلاثِ قاراتٍ واستمرَّت نحو أربع قرونٍ، وفي عام 1924أعلن مصطفى كمال أتاتورك نهايةَ الدولةِ ونفى الخليفة لتتوقفَ ساعةُ الأستانة الإسلاميّة، ويبدأ الانفصالُ عن العمقِ الإسلاميّ والعربيّ حتى وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة نهاية عام 2002 حاملاً في جعبته نظرية العمق الاستراتيجيّ ومشروع التحوّل وتصفير المشاكل، وأعلنت شعار العثمانيّة الجديدة، لتعيد ترتيب المنطقة وفقَ التوقيتِ المحليّ لإسطنبول وإسقاطِ أنظمة بالعالم العربيّ، ولتأخذَ على عاتقها التمددَ بشعاراتٍ دينيّةٍ إسلاميّةٍ.
يذكر يوكسيل تاسكن الأستاذ المساعد بجامعة مرمرة: أنّ مصطلح “مدنيِّتجيليك” المتداول داخل حزب العدالة والتنمية يعني الحضارات بالعصر الذهبي للإسلام بقيادة العثمانيين”. ويضيف: “إنّهم يحاولون زرع صورة أنّ الحضارةَ الإسلاميّة ستزدهر مجدداً. وبالطبع سيكون الأتراك قادة الميلاد الجديد، وهي مسألة تستخدم كثيراً على المستوى المحليّ في تركيا كما هو الحال على نطاقِ العالم الإسلاميّ”.
ليس مصادفة أنّ النهضة التركيّة والانفتاح على المنطقة ترافق مع الربيع العربيّ وتقدّم المشروع الإخوانيّ بكلِّ المنطقة، والرسالة التي تبعثُ بها أنقرة إلى شعوبِ الربيع العربيّ مفادها، أنّها جديرةٌ بقيادتها وسبق لها أن جمعتها تحت رايةٍ واحدةٍ خلال الحقبة العثمانيّة، والتي تمثل آخر مرحلة للخلافة الإسلاميّة، والمسألة تتقاطع مع مشروع سيد قطب نفسه.
هدف أنقرة لا يقتصرُ على علاقاتِ التعاونِ والتنسيقِ النديّةِ، بل يتجاوز الإطارَ الإقليميّ للتحوّل لدولةٍ عظمى، وحشدِ التأييدِ لفكرةِ حصولِ دولةٍ مسلمةٍ على العضويّةٍ الدائمة بمجلسِ الأمنِ الدوليّ عن المجموعة الإسلاميّة، مقعدٍ دائمٍ، وبالوقتِ نفسه تعدُّ قضيةُ مكافحةِ “الإسلاموفوبيا” (رِهاب الإسلام) مشروعاً آخر يطرحُه أردوغان وحكومته بكلّ مناسبة. ويعتقدُ أردوغان أنّه حققَّ هدفه ويصدقُ هذا الأمر بالفعل”، وحيازة قوةٍ عسكريّةٍ، وفي سابقة تاريخيّة اعتقدت أنّه بالإمكان أن تحصلَ على أحدث ما في التكنولوجيا العسكريّة الأمريكيّة والروسيّة.
السلوكُ التركيّ خلال الربيع العربيّ لم يكن متوازناً فقد انحاز إلى دعمِ الإخوان المسلمين بتونس ومصر، إلا أنَّ المزاجَ العربيّ لم يكن موحداً، وهناك من يعتبر الحقبةَ العثمانيّةَ احتلالاً وسببَ تخلفِ شعوبِ المنطقة اليوم وكذلك التناقضِ المذهبيّ، وهذه العواملُ أثّرت على الحلم التركيّ بقيادة العالم الإسلاميّ. ويقول تاسكن إن “تركيا لم تعد محبوبةً بالشرق الأوسط ربما باستثناءِ فلسطين، بسببِ أخطاء سياسيّة ارتكبتها بعد الربيع العربيّ”.
يستخدمُ أردوغان في خطاباته لهجةً شعبويّةً قويةَ الإيقاعِ ويركّز على عداوةِ الغربِ، وأنَّ تركيا حامية الإسلام من الخطرِ الغربيّ، وفي كلمته أمام اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصاديّ والتجاريّ (كومسيك)، إحدى لجان منظمة التعاون الإسلاميّ، في كانون الأول 2014 قال: “صدقوني، إنّهم (الدول الغربيّة) لا يحبونا. ربما يظهرون في صورةِ الصديقِ لكنهم يرغبون في قتلنا. إنّهم يحبون رؤيةَ أولادنا يموتون”.
 البدايةُ من البلقان
تسيرُ حكومةُ أنقرة في علاقاتها السياسيّة ومجمل نشاطاتِها لتوسيعِ نفوذها ونشاطاتها وفق خارطة توسّعِ الدولةِ العثمانيّةِ، والبلقانُ هو المنطلق. وبفضلِ الازدهارِ الاقتصاديّ الذي تشهده البلادُ منذ مطلع الألفيّة الثالثة، توفر لدى أنقرة فائضٌ ماليّ لدعمِ مثل هذه المبادرات، وإضافة لبناء المساجد، يأتي تعزيز التعليمِ الدينيّ كركيزةٍ أساسيّةٍ لتحريكِ عجلةِ النفوذِ من خلالِ عروضٍ لمنح دراسيّة في الجامعات التركيّة وبرامج تبادل طلابيّة.
مع وصول أردوغان للسلطةِ تبنّتِ الحكومةُ التركيّة خطة توسيعِ أعمالِ بناءِ المساجدِ، وترميم وإعادة إحياء المنشآت الأثريّة التي تعودُ للعهدين السلجوقيّ والعثمانيّ في شتى بقاع العالم. والخطة جزءٌ من استراتيجية تركيا الخارجيّة، فزاد عددُ مكاتبِ رئاسة الشؤون الدينيّة التركيّة (ديانت) عالميّاً بشكل ملحوظ. وترصد البروفيسورة إستار غوزايدن خبيرةُ شؤونِ الدينِ والدولة التركيّة، هذا التوسّع بقولها: “زاد نطاق تأثير ديانت منذ عام 2005 بمنطقةِ البلقان والقوقاز لاسيما في دول مثل مقدونيا وألبانيا والأهم في البوسنة. وهذا جزءٌ من حنينهم للحقبةِ العثمانيّةِ وللعودةِ لدورِ ما يُطلق عليه (الأخ الأكبر) بتلك الدول”.
كانت ألبانيا أفقر دول أوروبا، وِجهة الوكالة التركيّة للتعاون والتنسيق (تيكا) ونفذت فيها أكثر من 200 مشروع، بما في ذلك ترميم مساجدَ عثمانيّة. وتمويل برامج أخرى في تيرانا، كتطوير الحدائقِ وبناء مساكن جامعيّة. وأعلنت رئاسة الشؤون الدينيّة التركيّة (ديانت) عن بناءِ أكبر مسجد بمنطقة البلقان بالعاصمة تيرانا.
وفيما يتفاءل عمدةُ مدينة تيرانا إيريون فيلياج، برؤيةِ المسجد الجديد قرب الكاتدرائيات الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة وتمنحه “متعة هائلة”، ويعتقدُ أنَّ التنوعَ الإسلاميّ بألبانيا سيبقى بمنأىً عن النفوذِ التركيّ بعد سنواتِ الإلحادِ. فإنّ البعضَ يمتعضُ من التدخلِ التركيّ، والطرازِ المعماريّ العثمانيّ لمسجد تيرانا الكبير، ويعتبره كثيرون قوةً أجنبيةً جديدة تهتم ببلدهم، بحسب المؤرخ الألبانيّ أورون تار. الذي يقول: “هناك تنافس دينيّ، لديك هذه البلدان المختلفة، هذه الأنواع المختلفة من الهيئات الدينيّة التي تتلاقى جميعاً هنا”.
قلقٌ أوروبيٌّ من النشاطِ التركيّ الدينيّ
وفق موقع “تركيّ بيورج”، فإنّ إمام مسجد بمدينة كوبنهاجن فضح توغل العملاء السريين لأنقرة بالعاصمة الدنماركيّة، وتجسسه على أربعة مقيمين أتراك و14 مدرسة لاشتباه الاستخباراتِ التركيّة في علاقتهم بحركة غولن. وصرّح عدنان بولنت بالجو الداعية التركيّ بالدنمارك لصحيفة محليّة: “إنّ جمعَ المعلوماتِ عن المعارضين هنا أخذ وتيرةً متسارعةً بعد مسرحيةِ الانقلابِ في 15/7/2015 التي قُتل وسُجن وفُصل بعدها آلاف الأتراك، واستغل أردوغان رئاسة الشؤون الدينيّة “ديانت” وحوّلها لإدارةِ جواسيس بالمراكز والمساجد التي تشرف على تشييدها بالدول الأخرى.
وينتشر القلقُ بشأنِ أنشطةِ ديانت على نطاق أوسع بأوروبا، وحققتِ العديدُ من الدولِ في أنشطتها. وبحسب أحمد يايلا، الأستاذ المشارك بمركز الدراسات الأمنيّة بجامعة جورج تاون ومدرسة إدموند، فقد أجرت “ألمانيا وبلجيكا والنمسا وهولندا وسويسرا والنرويج والسويد تحقيقاتٍ حول الأئمة الأتراك، الذين عيّنتهم ديانت، بسببِ التجسسِ لصالحِ المخابراتِ التركيّة ضد المواطنين الذين يعيشون في بلادهم، وتعتبرهم الحكومةُ معارضين لأردوغان”.
أعلن مسؤولون نمساويون مؤخراً أنّهم سيغلقون سبعة مساجد، ويقيلون نحو 60 إماماً تموّلهم دولٌ أجنبيّة، لمواجهة التطرف.  وفي أواخر عام 2016، استدعت تركيا ملحق الشؤونِ الدينيّة للسفارة التركيّة في لاهاي، يوسف أكار، بعد أن تلقّى “تحذيراً بترحيله”. واتُهم، حينها، بجمعِ معلوماتٍ استخباريّةٍ عن معارضين. وذكرتِ السلطاتُ في بروكسل ببلجيكا أنّ عدةَ مساجد تلقّت طلباتٍ من السلطاتِ التركيّةِ للتجسسِ والإبلاغِ عن البلجيكيين من أصلٍ تركيّ، الذين يتشبه بانتمائهم لجماعاتٍ معارضةٍ.
وفي آذار 2017، قال المشرّع النمساويّ -والسياسيّ من حزب الخضر بيتر بلز: إنَّ “شبكة التجسس” التركيّة -التي كانت تخضعُ بالفعلِ لتحقيقِ السلطات الألمانيّة والنمساويّة والسويسريّة -كانت أوسع بكثير من تلك الدولِ الأوروبيّةِ الثلاث.
وفي تموز 2018، اتّهمَ مركز استكهولم للحرية الحكومة التركيّة بتكثيفِ “تكتيكات التخويف” و”التجسسِ على المهاجرين”، بعدما نشرت وكالة أنباء الأناضول التي تديرها الدولة معلومات عن أعضاء يستخدمون كنيسة في نيوجيرسي للصلاةِ في رمضان بسببِ الخوفِ من ارتيادِ المساجد، خشيةَ المراقبةِ.
ويحذّر عبد الله بوزكورت، رئيس مركز استكهولم للحريةِ، وهي منظمة أنشأها مجموعة صحفيين أتراك الذين بالمنفى الاختياريّ، من أنّ أفراد الأسرة والأقارب الذين يبقون في تركيا ينتهي بهم الأمرُ لدفعِ ثمنِ مراقبة ذويهم بالخارج. ويقول: “إنّ جمع المعلومات الاستخباريّة وغير القانونيّة في الشتات تشمل “جميع المنتقدين والمعارضين، فهم عرضة لخطر السجن إذا أرادوا العودة إلى تركيا، ومصادرة أصولهم، وحبس أقاربهم”.
في الولايات المتحدة الأمريكيّة
ووفقَ معهد جاتستون لدراسة السياساتِ الدوليّة، تُوظّفُ تركيا “ديانت” كما لو كانت وكالة استخباراتٍ مسؤولةً عن جمعِ المعلوماتِ بالخارجِ عبر الأئمة الموظفين في 38 دولة، وبخاصةٍ ضد أنصارِ الداعيةِ فتح الله غولن في حركةِ الخدمة.
كتبتِ الصحفيّة الأمريكيّة هولي مكاكي بموقعِ “فوكس نيوز” تموز 2018 أنّ تركيا تستغلُ بشكل سيءٍ المساجد والمراكز الإسلاميّة منها مركز ديانت الأمريكيّ “DCA” الذي بلغت كلفته 110 ملايين دولار وافتتح عام 2016 بولاية ميريلاند، في أعمال التجسسِ، بتوجيه من الرئيس أردوغان شخصيّاً.
ووفق “فوكس نيوز” فإنَّ كثيراً من السياسيّين الأمريكيين يرون أنّ المركز وأمثاله من المؤسسات الدينيّة خارج تركيا مراكز تجسسٍ، وليست مساجد ولا مراكز إسلاميّة، يديرها النظام الحاكم عبر مؤسسة “ديانت” أو رئاسة الشؤون الدينيّة التي وقعت تحت الإدارة المباشرة -وفق الكاتبة الأمريكيّة -لأردوغان نفسه منذ نحو 15 عاماً.
وفق مكاكي فإنّ مركز DCA فإنّ كثيراً من المسلمين الأتراك في مناطق وجود هذه المراكز هم أنصار الداعية فتح الله غولن، وهم يخشون الذهابَ إلى مساجد ديانت خوفاً على حياتهم من القتلِ أو الترحيل إلى تركيا، ثم الاعتقال” وتؤكّد مكاكي أنّ هذه المراكز تكتفي حتى الآن بجمعِ المعلوماتِ، لكنها يوماً ما ستتخذُ خطوةً جديدةً.
مركز ميريلاند، هو واحد من 20 مسجداً تحت مظلة ديانت، التي تقوم بتعيين الأئمة والموظفين. لكن أمريكيين من أصولٍ تركيّة لا يتفقون مع أردوغان، يتجنبون ارتياد هذه المساجد. ويقول صحفي تركيّ: “الناس يخشون تعرّضهم للمضايقة أو الترهيب أو الاعتداء. هذا ما يحدث في جميع المساجد التي تموّلها “ديانت” في أنحاء الولايات المتحدة”. ويضيف: “يخشى الناس أن يتم اختطافهم”.
في دول الكاريبيّ
تهدف تركيا إلى زيادة حضورها من خلال تحقيقِ التضامن مع دول المنطقة الكاريبية عبر التعاون التنمويّ والمساعدات الإنسانيّة التي تنفّذها وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) التي افتتحت مكتبها الأول بالمنطقة في المكسيك عام 2015، والثاني في بوغوتا عام 2016، وأنجزت 127 مشروعاً ما بين عامي 2012 -2017، وصلت قيمتها نحو 11 مليون دولار أمريكيّ في مجال التعليم والصحّة والخدمات الاجتماعيّة.
يأتي المشروعُ التركيّ لبناءِ مسجدٍ في كوبا كأحدثِ خطوةٍ في مساعي أنقرة لتكونَ مركز العالم الإسلاميّ. وعبّر أردوغان خلال زيارته لكوبا في 11/2/2015 عن رغبة بلاده بالسماح لها ببناء مسجد في هافانا.
ينظر المراقبون إلى المشروع التركيّ لبناء مسجد في كوبا كجزء من استراتيجية أكبر. وفي إشارة إلى هذه الخطوة كتبت أسلي آيدينتاشباش في صحيفة ميليِّت التركيّة: “يهتمُ أردوغان كثيراً بتراثه التاريخيّ وإرثه العالميّ وهو أمرٌ مرتبطٌ في ذهنه بجهده للمساعدةِ على نموِ الإسلام”. وفي 4/12/2018 قال أردوغان خلال زيارةٍ رسميّةٍ لفنزويلا: “بناءً لطلب من فنزويلا، نخططُ لبناءِ مسجدٍ يليقُ بصداقةِ الدولتين”.
في 21/5/2019 أفاد وزير الخارجيّة مولود تشاووش أوغلو، أنّ تركيا حاضرةٌ في أمريكا اللاتينية ومنطقةِ البحرِ الكاريبيّ ليست فقط ببعثاتها، إنّما بمؤسساتها أيضاً، وخاصةً وكالة التعاون والتنسيق “تيكا”. وعلى مدار العقد الأخيرِ، بلغت فعاليات وأنشطة الوكالة التركيّة للتعاون والتنسيق “تيكا” في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، 172 مشروعاً، تمَّ إنجازها في إطار سياسات تركيا متعددة الجوانب بتلك المنطقة وقامت “تيكا” بترميم مدرسة مصطفى كمال أتاتورك في تشيلي، بناءً على أوامر من أردوغان، خلال زيارته لها عام 2016.
في القرنِ الإفريقيّ
في مقال نُشر على موقع مجلة «فورين أفيرز» الأمريكيّة قالت الكاتبة التركيّة غونول تول، تظهر الدبلوماسية التركيّة الدينيّة بصورةٍ أكثر فاعليّة بالصومال، ففي ذروة المجاعة المأساويّة التي ضربت البلاد في آب 2011، وفي ظل تجاهل الإعلام الغربيّ لما يجري، زار أردوغان مخيم للأطفال الجياع في مقديشو على رأس وفد ضمَّ مبعوثين وزاريين، وقادة منظمات غير حكوميّة، ورجال الأعمالِ. وقال أردوغان: “إنَّ تركيا لن تتخلى عن الإخوة والأخوات المسلمين”، وقد أنفقت تركيا أكثر من مليار دولار أمريكيّ بإغاثةِ الصومال. وتقومُ شركة تركيّة بإدارةِ مطار مقديشو، والخطوط الجويّة التركيّة هي الخطوطُ الدوليّةُ الوحيدة التي يُسمح لها بإطلاقِ الرحلات الجويّة من هناك. أما “مؤسسة ديانت” فتقومُ إلى جانبِ منظماتٍ غير حكوميّةٍ أخرى بإدارةِ المدارسِ الدينيّةِ، بينما يحملُ أحدُ المستشفياتِ الصوماليّة اسم أردوغان، وتتولى وكالةُ الغوثِ التركيّةِ جمعَ النفايات.
يثق الصوماليون بالمنظمات الإسلاميّة التركيّة أكثر من نظيرتها الغربيّة، وربما كان إحدى ثمار هذه الثقة توسّع التجارة بين البلدين على نحو مطّرد، وتأسيس تركيا أكبر قاعدة عسكريّة لها في الخارج على الأراضي الصوماليّة. وينتشر التعليم الدينيّ على الطريقة التركيّة أيضاً في أجزاء أخرى من أفريقيا، مثل تشاد، وإثيوبيا، وغانا، والنيجر، ونيجيريا. وتقوم منظمات إسلاميّة، بما فيها مؤسسة “هُداي” و”سُليمانجولار”، بإدارة مدارس إسلاميّة يُطلق عليها “مدارس الإمام الخطيب”، التي تمزجُ التعليم الإسلاميّ بالعلميّ، وأردوغان نفسه أحدُ أبرز خريجي هذه المدارس.
كما تتوغلُ تركيا في دول أفريقيا وكذلك في عمق آسيا إلى تركستان حتى ميانمار وعبر دولِ الاتحاد السوفييتيّ السابق، تأكيداً لزعامة العالم الإسلاميّ.