إدلب في المعادلة الأمريكية الروسية

198
مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية –

الحلم العثماني لم يَمُت بعد، والتعطش لسفك الدماء والقيام بمزيد من المجازر، واحتلال أراضٍ وشعوب مجاورة ما زالت من شيمة أحفاد العثمانيين، والجميع رأى ويرى كيف ساهمت تركيا في التمديد للأزمة السورية، بل إنها أصبحت من المساهمين والمشاركين الأساسيين فيها، وما يجري في إدلب اليوم هو نتيجة حتمية لاتفاقات بين النظام وتركيا وروسيا، ولن تمر دوامة إدلب مرور الكرام.
 تركيا المساهمة في إطالة الأزمة السورية
تركيا التي تطمح بان تستلم زعامة السنة في العالم لذلك تقوم بتنفيذ أجندتها في المنطقة من خلال إحياء الميثاق المِلّي واحتلت مناطق واسعة من روج آفا “الشمال السوري” وباشور كردستان “شمال العراق” وتسعى لإضعاف التواجد الكردي في كردستان عامة وبالأخص في المناطق التي يتواجد نفوذه وذلك من خلال التغيير الديمغرافي كما هو الحال في عفرين، واستخدام تنظيم الإخوان في العالم وبالأخص في الشرق الأوسط لخدمة أجندتها وزعزعة الاستقرار في البلدان التي تقف مواقف رافضة للسياسة التركية كمصر. تركيا اللاعب الرئيسي في إطالة الأزمة السورية وتغيير مجريات الأحداث فيها، بما يتوافق ومصالحها على حساب الشعب السوري وبالتعاون مع ما يسمى” بالجيش الحر والائتلاف المعارض” فبعدما كانت تلك المعارضة تسيطر على 60% من المساحة السورية، تقلصت تلك المساحة وانحصرت في الشمال السوري فقط، نتيجة خضوعها للأجندة التركية، وآخرها تعاونها مع الجيش التركي في احتلال عفرين تلك المنطقة التي كانت تنعم بالأمن والاستقرار وتأوي النازحين من كافة المناطق السورية، مع انعدام دورها “الائتلاف” في إدارة تلك المنطقة نتيجة خضوعها الكامل للسياسة التركية.
إدلب رِهانات الصفقات الحاسمة
إدلب التي تشبه بركان ثائر قابل للانفجار في أي لحظة باتت ساحة لتصفية الحسابات من جهة بين روسيا وتركيا ورغبة النظام باستعادة إدلب والقضاء على المجاميع الإرهابية وبين رغبة تركيا بالحصول على مقايضات سواء من الولايات المتحدة أو روسيا على حساب الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من جهة أخرى. حيث باتت روسيا “قاعدة حميميم” تعاني من هجمات جبهة النصرة عليها إنطلاقاً من إدلب، وبالمقابل لا تريد روسيا زيادة التوتر مع تركيا بشأن إدلب وصفقة إس400 باتت قريبة لتسليمها لتركيا والتي من شأنها التأثير على العلاقات التركية مع الناتو ومع الولايات المتحدة، حيث تهدف روسيا من خلال صفقة إس400 على إحداث شرخ عميق في العلاقات التركية مع الغرب، كما تعول روسيا على هذه الصفقة والعقوبات الأمريكية والغربية التي ستفرض على تركيا في حال تمت الصفقة بإجبارها للضم لمحورها “الروسي الإيراني” في الوقت الحالي والذي قد يمثل بداية ظهور الحلف الأوراسي، لذا فأن روسيا لن تثير مسألة إدلب مع تركيا في الوقت الراهن على الأقل “خلال هذين الشهرين”، وقد باتت السياسة الروسية في إدلب تقوم على أن أي تقارب تركي أمريكي يرافقه تهديد روسي بشن عملية عسكرية على إدلب، “حيث أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، إنه لا يستبعد شنّ عملية عسكرية شاملة على محافظة إدلب شمالي سورية، إلا أنه أشار إلى أن هذه العملية ليست ملائمة الآن” في إشارة إلى موقف تركيا من صفقة إس400. وكلما ازادت الخلافات التركية الأمريكية وقيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات على تركيا “كوقف برنامج تدريب الطيارين الأتراك على طائرات إف35” أو وقف مشاركة تركيا بتصنيع إف 35 أو عدم تسليم تركيا لتلك الطائرات”، تقوم روسيا بجذب تركيا إلى طرفها من خلال تصريحات تؤكد على الدور الإيجابي لتركيا في إدلب “حيث أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن تركيا تعمل بنشاط على تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق مع روسيا للتسوية في إدلب شمال غربي سوريا”. أما تركيا ورغم وضعها المحرج مع الغرب وبالأخص مع الولايات المتحدة ومعرفتها بمدى جدّية الولايات المتحدة بفرض عقوبات عليها بسبب صفقة إس400 والتي ستؤثر بشكل كبير على اقتصادها، والتي ستضع أردوغان في موقف محرج أمام الشعب التركي، وهذا قد يؤدي إلى ظهور انتفاضة شعبية تطيح به من على سدة الحكم وتحاكمه، رغم قبضته الحديدية على تركيا بعد الانقلاب المزعوم. لذا يعمل أردوغان على الاستفادة من صفقة إس400 للحصول على صفقات مع الولايات المتحدة بما يتعلق بالمنطقة الآمنة والتأثير على التحالف الأمريكي مع قوات سوريا الديمقراطية، وسلخ عفرين من سوريا وضمها لتركيا وعدم إثارة موضوع عفرين في المحافل الدولية، وما جدار عفرين والذي يشبه جدار برلين إلا لفصل عفرين عن سوريا ومحاولة إنهاء التواجد الكردي في غرب الفرات، وجعل إدلب منطقة تابعة “للمعارضة” في العملية السياسية، كما أن تركيا مستعدة لبيع إدلب والمعارضة لروسيا مقابل تلك الامتيازات. أما النظام فرغم وقوعه في ظل الاحتلال الروسي يرغب بإنهاء ما يسمى بالائتلاف المعارض ومجاميعها الإرهابية وإجبار تركيا الاعتراف بالنظام والجلوس معه على طاولة واحدة بما يخص الأزمة السورية، إلا ان النظام يعاني من مشكلة عدم امتلاكه القوة الكافية لشن عملية عسكرية شاملة خاصة أن إيران لا ترغب في الوقت الراهن المشاركة بأي عملية عسكرية على إدلب قد تؤثر على علاقاتها مع تركيا كونها تعاني من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها وهي ترى في تركيا منفذاً لتخفيف تأثير تلك العقوبات عليها.
الورقة الأخيرة والأعقد في مفاوضات الدول الضامنة
أما الولايات المتحدة فترفض أي عملية عسكرية على إدلب من جهة لحماية الأمن الأوروبي وذلك بمنع حصول موجات هجرة جماعية على القارة الأوروبية ومن جهة أخرى ترى إن إدلب اصبحت منطقة تحت نفوذ حلف الناتو باعتبار أن تركيا عضو في الحلف وذات أهمية كبيرة كون إدلب منطقة قريبة من قاعدة حميميم الروسية والتي تستطيع من خلالها تهديد تلك القاعدة، كما أن رفض الولايات المتحدة لأي عملية عسكرية على إدلب قد يأتي لمنع روسيا في السيطرة على إدلب ورغبتها بالسيطرة عليها وفتح ممر على البحر المتوسط في حال تغيرت معادلة الأحلاف العسكرية في المنطقة أي أن الولايات المتحدة قد تشن تلك العملية في حال ظهور بوادر تدل على قيام تركيا بإقامة علاقات عسكرية مع روسيا ومنها صفقة إس400، حيث أن مشكلة الولايات المتحدة هو التقارب التركي الروسي وصفقة إس400، والأجندة التركية المتضاربة مع الأجندة الأمريكية في المنطقة وبالأخص في سوريا. فاستمرار التعاون التركي الروسي وإتمام صفقة إس400 قد تدفع بالولايات المتحدة بالتدخل في إدلب ودعم بعض الفصائل المؤيدة للولايات المتحدة وتحريك ملف الإرهاب للحيلولة دون وقوع إدلب في يد الروس ورغبتها المستقبلية في الوصول إلى البحر. إلا أن هذا مستبعد في الوقت الراهن كون الولايات المتحدة لا تريد تعميق خلافاتها أكثر مع تركيا حتى يتضح الموقف التركي وعلاقاتها مع روسيا.
لذا فإن العمليات العسكرية التي تحدث في ريف حماه بين النظام والمجاميع الإرهابية “جبهة النصرة ” وقيام جبهة النصرة بإسقاط طائرة تابعة للنظام وعن دعم تركيا لجبهة النصرة بصواريخ مضادة للطيران، ما هي إلا مناوشات “تكسير العظام” دون الوصول إلى عملية عسكرية شاملة في إدلب، كونها غير مؤهلة للقيام بعملية شاملة ولا حتى تركيا وإنما تحددها القوى العظمى كالولايات المتحدة أو روسيا وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ستتوقف على الموقف التركي، وقد ترتبط بنجاح أو فشل صفقة إس400.