سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

إرهاب من زاوية جندرية

لينا بركات –

ربّما يصحّ توصيف الإرهاب بكارثة هذا العصر، فأيّ دور إذًا للنساء في صناعة الإرهاب؟ وأيّ مكانة لهنّ؟ وما مدى نجاعة حضورهنّ وتأثيرهنّ في إثارة هذا الرّعب الكوني الذي صرنا نراه يوميًّا؟ وما مصيرهنّ أمام النّزعة الذكوريّة المتسلّطة لدى الجماعات الإرهابية؟ وهل أقصى ما يمكن أن يُسْمَحُ لهنّ به هو ذلك الحضور الإيروسي المتعلّق بالجنس أم أنّ لهنّ أدواراً أخرى كالقتال وحمل السلاح؟ وما ذنب الأمّهات والزوجات والشقيقات وغيرهنّ من النساء اللاتي التجأ رجالهنّ وأبناؤهنّ إلى القتال مع المرتزقة، فماتوا أو لقوا حتفهم وضاعت أخبارهم؟ أي صورة للمرأة في منظور الإرهاب وخلفياته الدينية؟
إنّ طرح هذه الأسئلة لم يأتِ من عدم، فنحن نضعها الآن على طاولة التشريح بقصد معرفة كنه الظاهرة الإرهابية من زاوية جندرية، ونبحث أيضاً في التطرّف النسائي لا الرجالي فقط، وبخاصةً بعد أن تحوّل هذا الأمر إلى ظاهرة لافتة للانتباه منذ ارتفاع أعداد المنتسبات إلى المرتزقة، والمتعاطفات مع الجماعات المتطرّفة، وإقدام عدد من النساء على المشاركة في الأعمال الإرهابية تخطيطاً وتنفيذاً.
إن الاهتمام بمنزلة النساء في صناعة العنف وممارسته، وهذا ما لم يُدرَس عموماً في الدراسات والبحوث معظمها، وحتّى إنّه لم يعد ممكناً إغفال الحضور النسائيّ أو شطبه من دائرة العنف الإرهابيّ، فإنّ الإعلاميين والباحثين معظمهم نظروا إلى ذلك من زاوية اجتماعية يسودها المنطق الذكوريّ، إلا أن الحقيقة باتت تأخذ منعرجاً مخالفاً، فتجنيد المرأة للقتال أو اصطفافها وراء المتطرّفين ما هو إلا نزعة ثوريّة  ضدّ التسلّط الذكوري، فلم تعد ترمز إلى السلام أو الطمأنينة أو الضعف أو النقصان بقدر ما هي الآن لا تقل ضراوة وقوّة عن الرّجل، فحين تتّخذ المرأة العنف المادّي وسيلة للتغيير، وتلحق الأذى بالأبرياء فإنّها تربك نسق التمثّلات  فتقضي على التصوّرات التقليديّة التي يحملها المجتمع البطريركي عن النساء.
فمن هشاشة هويّة الأشخاص إلى المنعطفات التكنولوجيّة المريعة، ومنهما إلى حالات الفقر والتهميش وتكميم الأفواه ووصولاً إلى الرّغبة الملحّة في إيجاد معنى لوجود الذّات، يسهل كثيراً أن يتحوّل المرء إلى شخص عنيف ومتطرّف، وأمام انسداد الأفق وحالة اليأس ودمويّة الدكتاتوريّات، تصبح المرتزقة الملجأ الوحيد لهؤلاء، هكذا تنتفض النساء بدورهنّ ليقعن فريسة سهلة في شرك الدجّالين والدمويين، ويصبح الإرهاب بهذا الشكل بمنزلة الوطن المتخيّل بالنسبة إلى من رفضها الوطن الأصلي، وبخاصّة أمام وضع النقص والسيطرة الذكورية أيضاً. ثمّة رغبة في التحرّر من المجتمع الذكوري نتيجة بنية المجتمعات البطريركية التي يسود فيها اضطهاد النّساء، والفصل الصارم بين الجنسين والممارسات الإقصائية، وهي عوامل من شأنها أن توفّر مناخاً اجتماعياً يسمح للنساء بالتحوّل إلى متطرفات.
وهكذا فإن لجوء النساء للإرهاب يمثّل نوعاً من الإفراط في التدمير الذّاتي، فالهرب من جحيم الأنظمة السلطوية ومن الدكتاتوريات ومن التسلّط الذكوري لم يتوّج إلا بالإقامة في جحيم آخر قائم على الفتك والقتل والعدمية فهذا الكابوس المرعب الذي يدعى إرهاباً، وأيضاً وحشيّة الأنظمة الدكتاتورية تساهم بشكل أو بآخر في اختراع العنف الذي يدفع بالنساء كما الرجال إلى التطرّف.