قصة نازحة عاصرت ألم النزوح ومرارة الحرب!

125
 تقرير/ إيفا ابراهيم –

روناهي / قامشلو- الكلمات لا يُمكِن أن تُعبّر عن الصورة المؤلمة التي رأينها في ذاك المنزل الذي بالكاد يشبه مكاناً يُستطاع العيش فيه، والذي يحتضن عائلة من دير الزور فرّت من القصف لتلجأ إلى مأوى آمن بقامشلو، فأوضاعهم المادية في غاية السوء، ناهيك عن معاناتهم مع معيل عائلتهم كونه متخلف عقليّاً نتيجة إصابته بقذيفة.
دخلنا ذاك المنزل الصغير المصنوع من الطين ومكون من غرفتين صغيرتين، إحدى الغرف غير قابلة للسكن لأنها مهدومة بالكامل، والغرفة الثانية بالكاد تشبه مكاناً يصلح للعيش فيه، ولا يملكون عدا القليل من المستلزمات المنزلية، ولكن هذا هو مأواهم الآمن الوحيد، وعندما تفقدنا أحوالهم في البداية رفضوا التكلم عن حياتهم، ولكن بعد العديد من المحاولات الوالدة التي تدعى “فريال عبود”، من مواليد 1975م، بدأت بسرد قصتها لنا، حيث كانت تتكلم ونبرة صوتها توحي بألم شديد بداخلها لم تستطع أن تخفيه، وقد ذكرت لصحيفتنا بأنها من مدينة دير الزور، ولكنها كانت قاطنة في مدينة دوما بدمشق، برفقة أولادها الأربعة وزوجها الكبير في السن، وأوضاعهم المادية كانت مستقرة حسب وصفها، ولكن بعد الأحداث التي حصلت في مدينة دوما بدمشق بين النظام السوري ومرتزقة المعارضة في عام 2011م، أصبحت المنطقة تحت الحصار نتيجة القصف المتبادل بينهما، فقرروا الهروب واللجوء إلى مأوى آمن، وأثناء هروبهم من القصف استهدفوا بقذيفة من الطيران الحربي للنظام، مما أدى إلى إصابة زوجها بضربة في الرأس والصدر، ونتيجة القصف العنيف فريال هربت برفقة أولادها لحمايتهم، وفقدت زوجها ولم تعرف عنه شيئاً بعدها، وحسب ما ذكرته لنا بأنهم نزحوا من مكان إلى آخر هرباً من العنف والقصف والممارسات اللاإنسانية، لتلجأ في النهاية إلى مدينة قامشلو كونها أكثر المناطق آمناً.
أصحاب الخير يُقدِّمون لنا يد العون…
وبينت فريال بأنه عند قدومها إلى قامشلو استضافها أحد أقاربها لمدة شهر واحد، ومن ثم استأجرت هذا المنزل الصغير الذي تسكن به الآن، لأن آجاره الشهري رخيص فهو بقيمة ثلاثة آلاف ليرة سورية شهرياً، ولكن بالرغم من ذلك يشق عليهم أن يؤمنوا مصاريفهم اليومية لأنه لا معيل لهم، ويقتاتون على ما يقدمه لهم أصحاب الخير من  تبرعات.
مرت العديد من السنوات وعائلة فريال ما تزال تعاني من ظروف قاسية، وهي فاقدة الأمل من أن تلتقي بزوجها مرة أخرى، ولكن في يوم من الأيام تلقت اتصالاً هاتفياً من مركز صحي في مدينة دمشق، وأخبروها بأن زوجها لا زال على قيد الحياة، وكان قد يتلقى العلاج كونه أصيب بتخلف عقلي نتيجة الشظية التي أصيبت رأسه أثناء القصف، وقد عثر المركز الصحي بدمشق على رقم فريال بعدما تعرف إليه أحد أقاربه هناك صدفةً، لذا سافرت فريال إلى مدينة دمشق لتعيد زوجها إلى كنف عائلته، وحسب ما ذكرته لنا بأنها عندما ألتقت بزوجها في دمشق لم يستطيع التعرف عليها، ولكن بعد العديد من المحاولات حتى استطاع التعرف إليها، ولكنه نتيجة الإصابة أحياناً ينسى عائلته ولا يستطيع التعرف عليهم.
وذكرت فريال لنا بأن زوجها يصاب من حين إلى آخر بنوبات صرع بشكل مفاجئ، مما يؤدي إلى فقدانه للوعي.
والجدير بالذكر بأن ابنتها الكبيرة تبلغ 17عاماً، والصغيرة 15عاماً، وتدرسان في المرحلة الثانوية بالرغم من سوء أوضاعهم المعيشية إلا إنهما لم يتخليا عن دراستهما بفضل أصحاب الخير الذين يقدمون لهم القليل من المساعدة، بالإضافة إلى أن أعمار أولادها الصغار أحدهما 10 سنوات، والآخر 8 سنوات.
جُلُّ ما تتمناه أن يشفى زوجها من مرضه
معاناة عائلة فريال يزداد يوماً بعد يوم كون العيش مع زوجها المصاب بتخلف عقلي صعبٌ للغاية، ناهيك عن وضعهم المعيشي السيء، ومعيشتهم تقتصر على ما يقدمه لهم بعض أصحاب الخير حسب قولها، وبالرغم من ذلك إلا أن فريال لا تزال صامدة وتواجه الصعوبات كافةً في سبيل أن يعيش أبنائها بسلام وتسعى لتأمين لقمة العيش لهم، وجل ما تتمناه أن يشفى زوجها من مرضه.
هذه هي إحدى من العديد من قصص المعاناة التي واجهت النساء في رحلة النزوح وفي ظل الحرب القائمة، وفريال عبود من دير الزور إحدى النساء السوريات التي عانت من بطش الحرب، ومن اللواتي ذقن مرارة النزوح وآلامها.