البدو السوريين.. تراث عريق بين حِلٍّ وترحال

116
تقرير/ هيلين علي. 

الرحلة البدوية في سوريا مستمرة منذ آلاف السنين، إذ تم ذكرهم في آثار الحضارات الأولى وفي النصوص التوراتية والإنجيلية، واعتمدوا منذ القِدم على رعي الأغنام والجِمال، واحتفظ العديد منهم بأسلوب الترحال والتجوال لإيجاد المراعي الوفيرة الكافية لقطعانهم, وتميزوا بنمط بسيط في الحياة، مستمدين اسمهم وطباعهم من وضوح البادية وقسوة ظروفها, يعيشون حياتهم أحراراً في رحِاب الطبيعة خلال رحلات الحِل والترحال, التي يعتبرونها منهج لحياتهم بعيداً عن أغلال الحضارة المُعقدة وضجيج التطور التقني.
لا يوجد تقدير واضح لأعداد البدو في سوريا، وشهدت المنطقة توافد قبائل جديدة من شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر وترحال أخرى في القرن العشرين، حيث الحل والترحال من مكان إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى عادة لا تفارق البدو، فالاستقرار في مكان محدد أمر محال، ولا يرتبط ذلك بالنسبة لهم بطبيعة الأجواء، سواء كانت حارة أم باردة، حيث يستطيعون التكيف مع الظروف الجوية والبيئية الصعبة التي وجدوا أنفسهم فيها.
فمن ضفاف نهر الفرات في ناحية منصورة التابعة لمدينة الرقة في شمال وشرق سوريا, إلى تل  قرية “عنتر” جنوب منطقة ديرك في إقليم الجزيرة, اختارت عائلة من البدو السوريين مكاناً للإقامة، لتكون في تلك المنطقة مخيماً صغيراً مكوناً من عدة خيام, التي تمارس فيه عادات وتقاليد ورثتها من عشرات السنين وخلال زيارة لصحيفتا “روناهي”، لتلك العائلات، تعرفت إلى بعض من طقوس البداوة الأصيلة على حياتهم، وظهرت عادات الكرم وحسن الضيافة والتواضع المعروفة لدى البدو.
عادات وتراث البدو:
“الضيف اذا أقبل أمير وإذا جلس أسير واذا قام شاعر” بهذه الكلمات أستضافنا كبير العائلة “أحمد موسى الإبراهيم”, الذي تجاوزت سنون عمره الخمسين, موضحاً: “هذا وصف للضيف الذي عندما يقبل فكأنه أمير يزهو بشكله وهيئته, فإذا جلس فهو أسير عند مضيفه حتى يقدم له واجبات الضيافة, أما إذا قام فهو شاعر يُحدث بما شاهد ورأى.
بيت الشعر البدوي:
وما أن أكملت العائلة طقوس الضيافة والاستقبال لديهم, حتى بادر” أحمد موسى الإبراهيم” بحديثه  لنا عن البدو العرب السوريين, مبتدأ بالتراث الشعبي قائلاً:” يتمتع البدو بتراث شعبي واسع وخاص، تكون نتيجة ظروف حياتهم الخاصة، حياة أهل البادية، وتأثر بنمط حياتهم, وأضاف:” مساكن البدو هي بيوت الشعر (الخيام) الحارة في الصيف، والباردة في الشتاء، والتي لا تقي من الرطوبة والمطر كما ينبغي, تخفق فيها الرياح وتهزها، وقد تسقطها العواصف على رؤوس أصحابها، لكن هذه البيوت على علاتها ومساوئها المذكورة ما برحت منذ آلاف السنين مأوى البدو ومسكنهم يطوونها في زمن الترحال وينشرونها في المكان الجديد الذي يحلون فيه.
كرم الضيافة، والقهوة العربية:
أما عن الكرم والضيافة لدى البدو فأشار الإبراهيم قائلا:” الكرم صفة من صفات البدوي الطيبة، وسجية من سجاياه  الكريمة التي لا زال يتمسك بها ويعتز بها ولا يرضى أن يحيد عنها مهما كان الثمن, فالضيافة عند البدو أمر عظيم لا يفوقها أي أمر آخر، وإكرام الضيف هي الصفة الملازمة لأهل البادية، وهي إحدى أركان عاداتهم وتقاليدهم التي توارثوها, فالضيف متى ما قدم على صاحب البيت يُستقبل بالحفاوة والترحيب وفي ذلك قال البدو في الضيف “اذا اقبل أمير واذا جلس أسير واذا قام شاعر، وتعتبر القهوة العربية رمزاً من رموز الضيافة والكرم عند العرب، ولها مكانة كبيرة عندهم، حيث تتميز بمذاقها المر وخلوها من السكر، وهي أول ما يُقدم للضيف بعد الترحيب”.
وعن تفاصل القهوة العربية حدثنا أيضاً البدوي “أحمد موسى الإبراهيم” قائلاً:( للقهوة بروتوكولات خاصة بها وأوانٍ خاصة عند أهل البادية، تسمى الدلة التي يجلبها بعض المضيفين من بلدان بعيدة وبأسعار باهظة طمعاً في السمعة الحسنة.
وأضاف: “القهوة تُحظى بالكثير من الاحترام عند العرب من أهل البادية, والقهوة لها عادات قبلية متعارف عليها بين الناس وكل القبائل، فيجب أن تُسكب القهوة للضّيوف، وأنت واقف وتمسك بها في يدك اليسرى وتقدم الفنجان باليد اليمنى ولا تجلس أبداً حتى ينتهي جميع الحاضرين من شرب القهوة, بل وأحياناً يستحسن إضافة فنجان آخر للضيف في حال انتهائه من الشرب خوفاً من أن يكون قد خجل من طلب المزيد, حيث نعتبرها رمزاً لإكرام الضيف وقضاء حوائج الناس وعابري السبيل, ويمكن لفنجان القهوة أن يحل أكبر مشكلة مثل قتل أو سرقة أو أي مشكلة أخرى، وإذا امتنع الضيف عن شرب القهوة فمعنى ذلك أن له حاجة ولا يشربها إلا إذا أخذ وعداً بقضائها، ورغم سنوات الحرب والقصف والنزوح لكننا لم نتخلَ عن عاداتنا وتقاليدنا التي ورثناها كابرا عن كابر”.
الخصائص الثقافية للبدو:
ثقافة البدو تتعلق بالمسائل الحيوية في حياة التنقل والترحال التي يعيشونها، فهي تدور حول مواشيهم وخيامهم، الطبيعة وتغير الفصول، يضاف إلى ذلك ما يجري بينهم من أحداث يتناقلون أخبارها، وما يتوفر للبدو من معارف في الفراسة, حيث ليس سوى خبرات حيوية تقتضيها ظروف المعيشة، وذلك أن البداوة وما يرافقها من حل وترحال لا يفسح مجالاً للعلم والثقافة للنشوء والتطور.
وأفادنا أحمد موسى الإبراهيم :”من أهم المكونات الثقافية لدى البدو (اللغة, القصص, الأمثال, الشعر والموسيقى), حيث اتخذ البدو أسماء وصفات متميزة في اللغة للتعبير عن لغة العيون، وأسماء الخيل، والسيف، والإبل، عبروا عن ذلك بشعر فصيح أو بدوي, كما تناول البدو قصص أبطالهم التقليديين، كقصة عنترة وعبلة، وأبي زيد الهلالي وعلياء، ومعظمها ضرب من الأساطير حاكها الخيال حول أولئك الأبطال, كما يتداولون حكايات وروايات لتنظيم السلوك والعادات في البيئة الصحراوية, وكذلك أمثال ومواعظ عن البدو.
 ونهاية حديثه عن الثقافة البدوية, قال أحمد الإبراهيم :يحتل الشعر البدوي مكانة مرموقة بين الشعر العربي, فهو الشعر الذي يجتمع عليه الشعراء في كل العصور, كما يتميز الشعر البدوي كذلك بمرافقة القصة له, فمن النادر أن تجد قصيدة بدوية إلا ولها مناسبة معينة قيلت فيها, وتخلل حديثها أبيات من إحدى قصائد  الغزلية للعرب البدو قائلاً:
“جننت بكِ ومال القلب من عقل
يُصارع عطف قلبي فيما أهواه
بليت بها دهراً لست أحسبه
قد ينتهي يوماً حين ألقاه
صوت الأسى في داخلي
 أن زدّت قل.
كم قالت الأنغام حيراً
في محياه
وكم قالت الاشعار فيك تفرد
وكم ردد السامعون!.. الله”
حياة البادية:
وفيما يخص حياة البادية والترحال وما يعيشه البدوي في رحلته الشاقة, حدثنا الأبن البكر لعائلة الإبراهيم البدوية ” محمد موسى الإبراهيم, موضحاً:” لأجل البقاء، يعيش البدو الرحل على الأراضي السورية في صراع يومي من أجل كسب معركة الحياة, حيث لا زالت بعض العائلات على الرغم من الأوضاع الأمنية المتردية في سوريا، تتنقل برفقة مواشيها من دون غاية سوى الكلأ والماء, يقطعون المسالك الوعرة باتجاه المدن الداخلية في الهضاب والسهول الأمنة ولا تهمهم المسافات الطويلة.
 بالنسبة للأحوال الاقتصادية يقول محمد الإبراهيم”: كأي مواطن سوري تأثرت عوائل البدو بالأزمة السورية, فالرعي في مناطق سوريا بعيدة عن الشمال والشرق, بات ذات مشقة يصعب تجاوزها, بالإضافة إلى غلاء أسعار العلف بمواسم القحط, وفقدانهم لنسبة كبيرة من الماشية”.
نمت حضارة البدو من طبيعة حياتهم في البادية، ولكن التغيرات السياسية والجغرافية وانتقال غالبيتهم إلى العيش في قرى ومدن متفرقة أدت لتغير نمط الحياه البدوية وثقافته, نتيجة لذلك تتواجد الثقافة البدوية في تغيرات دائمة مع الحفاظ على النمط الحياتي الخاص للبدوي في الماضي والحرص على حفظ التراث البدوي الأصيل.