السودان ومفترق الطرق الممكنة

39
  آزاد كردي –

من الواضح أن الحراك الشعبي بالسودان، قد نجح بقطع شوط كبير؛ بإسقاط الرئيس عمر البشير؛ ربيب جماعة الإخوان، وأخر ورقة احترقت لأحد رؤساء العرب القدامى في المنطقة؛ ممن أسقطتهم الثورات. لكنهم أبداً لم ينجحوا؛ بإسقاط رموزه حتى الآن سواء كانوا هؤلاء من المدنيين أو من العسكر. وهذا ما يتضح في إطالة هذا الحراك، حتى غدا أشبه بالكرة، تتقاذفها ساحات الاعتصامات في السودان، ضارباً بها خارج العاصمة الخرطوم. وفي واقع الأمر هناك ثمة معضلة سياسية بين طرفي الصراع؛ المجلس العسكري والمعارضة السودانية، اضطر معها رئيس وزراء أثيوبيا؛ آبي أحمد للتدخل في زيارته الأخيرة للسودان؛ لرأب الصدع السياسي فيما بينهم، وما يعقد المشكلة أكثر، إن كلا الطرفين لم يعلمان حجم الكارثة التي خلقاها بسبب عدم قراءة واقعهم السياسي بشكل دقيق. ولعل أبرز ملامح بوادر الأزمة السودانية؛ تتجلى أن الشعوب العربية عموماً، والسودان على الأخص، لم تكن للحياة السياسية فيها أي مظهر؛ بسبب غياب الأحزاب والتكتلات السياسية الحرة. وإن وجدت؛ كقوى الحرية والتغيير، فهي ليست بالقدر الكافي؛ لإزاحة العسكر من المشهد السياسي السوداني، بالمقابل فإن أية ثورة من ثورات الربيع العربي، على امتداد حرائقها الثماني سنوات، لم تتمكن من تحقيق تطلعات الشعوب في تظاهراتهم المطالبة بالحرية والعدالة. فكان مصير تلك الثورات؛ الفشل الذريع بسبب تدخل العسكر؛ لوضع حد للفوضى العارمة التي طالت مؤسسات الدولة في نهاية المطاف، وإن لم تكن الثورات بذات الخصائص نفسها بيد أن هناك اختلافات واضحة في بنيويتها على مستوى رتم وكيفية الفوضى. ولعل السؤال المطروح، أين تكمن المشكلة الحقيقية في المشهد السوداني السياسي المعقد؟ يبدو أن سقوط الرئيس البشير قبل أن يهوي من سدة الحكم، سبقه سقوط أحد معاقل للإخوان الداعمين له في المنطقة، مع العلم أنه احتضنهم طوال فترة حكمه، فكان السودان بمثابة محطة ترانزيت مريحة لهم، إلا أن ذلك لم ينفعه بتاتاً. في ليلة سقوط البشير الدهماء، ليستقتل المجلس العسكري السوداني؛ لتولي زمام القيادة، وهذا ما حدث بالفعل، حين انقض على الحكم عبر شخصية جدلية؛ كعوض بن عوف ممن كان نائباً للرئيس المعزول ووزير دفاعه، فيما لم يجد أي حرج أن يستقيل ويتنحى تاركاً الأجواء مهيأة بالأصل على طبق من ذهب خلال 24 ساعة؛ لصالح الفريق عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن الذي أصدر حزمة من القرارات الطويلة، ما كانت لتطفئ نيران الاحتجاجات وغضب الشارع، وإنما كانت تشتد كوقع الغاز على النار، فالتهبت أكثر مما كان. ولعل أبرز مظاهر الرعونة من قبل المجلس العسكري؛ فك اعتصام المتظاهرين بالقوة المفرطة، فتجاوز عدد القتلى المئة، فضلاً عن مثل هذا العدد للجرحى، وسط إعلان المجلس العسكري، أنه مستعد للحوار دون شروط مسبقة مع المعارضة السودانية. ويبقى التساؤل، ألم يكن حرياً بالمجلس العسكري التريث قبل فتح النار على المتظاهرين، آخذين بعين الاعتبار ما حدث في معظم الأساليب الطائشة للعسكر، الذي أثار حروب أمام فوضى الثورات بالبلدان العربية، فكان مآل بلدانهم جحيم من حروب ونزاعات لا تطاق. وحجتهم في ذلك أن قوى الحرية والتغيير التي تضم المهنيين، وتتزعم المشهد السوداني إعلامياً، أنها لا تمثل أغلبية الشارع، كما تطرح نفسها وتدعي، فهي لا تملك أي تفويض من الشعب بالزعامة أو حتى الحديث عنه، وهذه إحدى الإشكاليتين التي يطرحها المجلس العسكري. أما الإشكالية الأخرى فإن استمرار حكم البشير للسودان طيلة الأربعين عاماً، مكنه من أطباق العنان لحجب الحياة السياسية عن الشعب السوداني الذي بقي حبيس سياسات الحزب الحاكم، فمنع أطياف الشعب لإعطاء ثقل سياسي؛ لأي تداول سلمي للسلطة بشكلها الديمقراطي الحقيقي. هذا الواقع أفرز حالة من الجمود لأي حوار داخلي بين الفرقاء السودانيين بسبب نقص التمثيل الشعبي القوي المؤثر لطرح مبادرة وطنية في حل الأزمة السياسية؛ كشركاء في هذا الوطن. في خضم هذا المأزق فكل القوى السياسية منها؛ تجمع المهنيين السودانيين، وتحالف قوى الإجماع الوطني، ونداء السودان، والتجمع السوداني المعارض؛ رأوا في إطاحة المجلس العسكري بالبشير؛ انقلاباً على الشرعية دون إشراك أحد في جوهر الحوار. بل رأوا فيه هيمنة استبدادية، تحاول بأي حال فرض املاءات سياسية للتطويق على السلطة التي تبنته تلك القوى، وبالطبع فإن هذه القوى تجهل تماماً ما يتربص بالسودان من خطر محدق رامٍ لإضعاف الجيش السوداني، وهذا ليس في مصلحة أحد فلا يمكن تصور بلاد بلا جيش. إذ ستكون فريسة سهلة للطامعين، خاصة وبوجود ميلشيات متمردة، إذا ما استيقظت من سباتها سوف تحيل النيلين الأبيض والأزرق إلى بركة من دماء، وهو أصلاً يعيش ثغرات أمنية منذ وقت، تتمثل بمتمردي إقليم دارفور، فضلاً عن قضية انفصال الجنوب عن السودان، ذلك الشريان النازف في العمق. وبين تلك الإشكاليتين المختلفتين، تتيه العديد من الأسئلة التي تحتاج لعقول، تتدبر في مصير بلد، يعد من أغنى الشعوب العربية، عبر جلوس الجميع على طاولة المفاوضات، ورفع سقف الحوار الوطني في أجواء من الثقة المتبادلة بين المجلس العسكري والقوى الوطنية؛ للخروج من هذا المأزق؛ أقوى بتوحده في هذه الظروف الاستثنائية، وإن لم يتدارك الجميع هذا الواقع المأساوي، فإن مصير السودان نحو منزلق عظيم وخطير من الفوضى لا تحمد عقباها.