أنقرة واختباراتِ التموضع الأخير

125
تحقيق/ رامان آزاد –

ربما يكونُ أردوغان بصددِ إجراءِ تعديلٍ تكتيكيّ في سياسته لكسب أصوات الكرد في إسطنبول، في وقتٍ المطلوبُ فيه خطوات أكبر لتجاوز جملة الاختباراتِ المقبلة بعد فشلِ التصعيدِ السياسيّ والعسكريّ داخل تركيا وعبر الحدود بدولِ الجوارِ، فكان رفعُ العزلةِ عن إيمرالي اضطراراً لا خياراً، فيما رسالة القائد أوجلان كانت اختباراً تجاوز مجردَ المبادرة بكثير.
رئيسُ حزبٍ أم دولةٍ؟
من المهمِ فهمُ طبيعةِ الظروفِ المحيطةِ بأيّ حدثٍ من أجل تقييمه بشكلٍ سليمٍ، إذ لا يمكنُ بالمجملِ القطعُ بصدقِ نوايا أنقرة، وتعديلِ سياستها إلا أن تكونَ قد أيقنت عقمَ الاستمرارِ بالسياسة نفسها ووصلت إلى طريقٍ مسدودٍ، فأنقرة تعتمدُ سياسةً أحاديّةَ قوامها القوةَ العسكريّة، رغم حقيقةِ أنّ القوةَ والعنفَ لا يجديان نفعاً بمعاركِ السياسةِ والتي كانتِ الانتخاباتُ البلديّةُ في 31/3/2019 أحدَ أهم تجلياتها، وانتهت إلى فوزٍ بطعمِ الهزيمة للحزبِ الحاكم، وجاءت كاستفتاءٍ حقيقيّ على الحالةِ السياسيّةِ للبلادِ بعد التحوّلِ إلى نظامِ الحكمِ الرئاسيّ الفرديّ بصلاحياتٍ مفتوحةٍ، وكذلك تقييماً حقيقيّاً لشعبيّة حزبِ العدالةِ والتنميةِ. فكانت خسارةُ المدنِ الكبرى نذيرَ شؤمٍ للحزبِ الحاكمِ، ولا يمكنُ لأردوغان تجاهلُ النتيجة بل أن يحتسبَ لها بإعادة الانتخابِ.
مازال أردوغان يلعبُ دورَ زعيمِ حزبٍ سياسيّ، ولم يرتقِ لمقامِ رئيسِ الدولةِ، ليكونَ رئيساً لكلِّ مواطنيه على قدمِ المساواةِ،  ويحشرُ كلَّ تركيا في بوتقةِ حزبه ويجيّرُ كلَّ مؤسساتِ الدولةِ الإعلاميّةِ والأمنيّةِ والسياسيّةِ لصالحِ بقاءِ حزبِه، ووفقاً للاختلافِ الحزبيّ يبادرُ أردوغان بمناوئةِ الأتراكِ المعارضين لسياسته كما يفعلُ ذلك مع الكردِ، ولكن باختلافٍ طفيفٍ، وعلى هذا الأساسِ شارك بنفسِه بحملةِ الدعايةِ لحزبه قبل الانتخاباتِ البلديّة، وفي وضعٍ اكتنفه الامتلاءُ بالصلفِ الحزبيّ وجّه رسالةً للكردِ داخلَ البلادِ وفي دولِ الجوارِ عبر كلمةٍ ألقاها أمام تجمعٍ انتخابيّ لحزب العدالة والتنمية بولاية ديار بكر في 9/3/2019، أصرَّ فيها على أنّ تركيا تنفّذُ عملياتها في سوريا والعراق من أجل حمايتهم. وقال مجانباً الحقيقة: “تكافحُ تركيا في سوريا والعراق وغيرهما كيلا يكون إخوتنا الكرد أدواتٍ في مخططات الإمبرياليين”. ونقلت وكالة الأناضول عن أردوغان: “أنقرة أنجزت أعمالاً بمثابةِ ثورةٍ لحمايةِ حقوقِ وثقافة وكرامة إخواننا الكرد بتركيا”. وفي آخر اجتماعٍ بمقرِ حزبه بأنقرة في 12/6/2019 هدّد أردوغان بتحطيمِ الممر شرق الفرات على طول الحدود مع سوريا.
يحاولُ أردوغان استثمارَ ورقة رفع العُزلة عن القائد أوجلان، بهدفِ إيجاد شرخٍ بصفوفِ المعارضةِ عبر تبديدِ أصواتِها، بعدما تيقّنَ أنّ وحدةَ أصواتها بإسطنبول كانتِ السببَ المباشرَ بهزيمةِ بمرشحه ذي الثقلِ النوعيّ، ويحاولُ صرفَ أصواتِ الكرد -باعتبارهم كتلة وازنة- عن الإدلاءِ لصالحِ مرشح حزبِ الشعبِ الجمهوريّ إكرام علي أوغلو ، ومن المفترضِ ألا تنطليَ محاولته على الكردِ وعمومِ المعارضة ويدركوا حيثياتِ وظروفِ التحوّل وألا يُستدرجوا إلى فخِّ الانتخابِ فتكونَ جسرَ عبوره انتخاباتِ البلديةِ الأكبر التي تحددُ مستقبلَ تركيا، وتبقى الخشيةُ مشروعةً من احتمالِ تزويرِ النتائجِ.
ظروفُ التحوّلِ التركيّ
دخل عددٌ من السياسيين الكردِ على رأسهم النائبةُ ليلى كوفن إضراباُ مفتوحاً عن الطعامِ احتجاجاً على سياسةِ العزلِ المفروضةِ على القائد عبد الله أوجلان ومنعِ لقائه مع محاميه منذ عام 2011 ومع أسرته منذ عام 2014 وعدم الكشفِ عن وضعِه الصحيّ، وانضمَّ للحملة نحو 3 آلاف من المعتقلين، ما جعلَ للحملةِ وزناً سياسيّاً غير متوقعٍ وحظيت باهتمامٍ شعبيّ وإعلاميّ كبيرٍ وكانت له أصداء على المستوى الدوليّ.
من جهة أخرى اقترب موعدُ انتخابات لبلدية إسطنبول، المحدد في 23 حزيران الحالي موعداً للإعادة. وربما يكون أردوغان فعليّاً، يريدُ الاستفادةَ من كتلةِ الناخبين للكرد لتجنبِ تكرارِ فضيحة 31 آذار، أمام مرشح حزب الشعب الجمهوريّ، ورغم أنّها ليست بالكتلةِ الكبيرةِ، إلا أنّ رغبةَ الحزب الحاكم بالاحتفاظِ برئاسة المدينة التي تمثل ثقلاً اقتصاديّاً وسياسيّاً، قد تدفعه إلى مخاطبةِ جميع الناخبين. فقد تحدثت تقارير صحافيّة عن مساهمةِ الكردِ بهزيمةِ مرشحِ أردوغان في إسطنبول، ورئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، وفوز مرشح المعارضة.
عقبَ هزيمته في انتخاباتِ البلديات الكبرى، طرح أردوغان مبادرةً لتشكيلِ “تحالفِ تركيا” ما فسّره البعضُ بدعوةٍ للتصالحِ، وأكّد مراقبون صعوبةَ وصول العدالة والتنمية لتفاهماتٍ مع أحزابِ المعارضة، وبخاصة حزبي الشعبِ الجمهوريّ والشعوب الديمقراطيّ، بالمقابل سببتٍ الدعوة صدمةً للحركة القوميّة حليف الحزب الحاكم، فأعلن رفضَ المبادرة.
ربما تدركُ أنقرة أنّه لم يعد بمقدورِها تنفيذُ تهديداتِها باجتياح شمال شرق سوريا، وإخراجِ قوات سوريا الديمقراطيّة، بعدما هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتدميرِ الاقتصادِ التركيّ، إذا قرّرت اجتياحَ المنطقةِ، وبعد مواقفِ التوترِ نتيجةَ إصرارِ أنقرةَ استكمالَ صفقةِ صواريخ إس400 الروسيّة، وعدم استجابتها للإغراءِ الأمريكيّ بصفقةٍ بديلةٍ تتضمنُ منظومةَ صواريخ باتريوت، ما حدا بواشنطن إلى إيقافِ صفقةِ طائرات إف35 وتصدير قطعِ الغيار وتعليقِ برنامج تدريب الطيارين الأتراك وإمهاله حتى 31/7/2019 للتخلي عن صفقة الصواريخ الروسيّة. وكان قرارُ سحب القواتِ الأمريكيّة من سوريا قد بدا ضبابيّاً بالبداية لجهة شكلِ إنشاءِ المنطقة الآمنة، إلا أنّ واشنطن حسمت قرارَها بشروطٍ واضحةٍ على ألا تقدمَ أنقرةُ على قتالِ قوات سوريا الديمقراطيّة، ومن ثم العدولَ عن قرارِ الانسحاب، وكذلك عدم الإجازة لأنقرة بالدخولِ إلى منبج، ليقتصرَ الأمرُ على تسييرِ دورياتٍ مشتركةٍ خارجَ المدينةِ.
الوضع الداخليّ التركيّ أعقد مما يظهر، فالعمليات المقاومة النوعيّة ألحقت خسائر كبيرةً بصفوف جيش الاحتلال التركيّ الذي يواصل قصف المناطق الكرديّة، كما أنّ الأصدقاء القدماء مثل عبد الله غول وأحمد داوود أوغلو ارتفعت أصواتهم المعارضة، فيما بقي تنظيم الخدمة للداعية فتح غولن عقدة أردوغان.
كلّ هذه الظروف تدلُّ على وقوفِ أردوغان على مفترقِ الاختيارِ واستهلاكِ فرصِ التذبذبِ بين القوى الكبرى وتحصيلِ المكاسبِ على حسابِ التناقضاتِ الدوليّة، والدليل توترُ علاقاته مع الحلفاءِ والمقرّبين، بالداخل والخارج، فيما تضيفُ معركةُ إدلب التي بدأت في 25/4/2019 ثقلاً استثنائيّاً لجهةِ إظهارِ أنقرة عاجزةً عن حمايةِ الجماعات الموالية لها، وتبدو أمام موسكو طرفاً ضامناً لم يفِ بمقتضياتِ اتفاقِ سوتشي 18/9/2018، وقد سبقَ أن تنازلت عبر منصةِ أستانة عن مطلبها الأساسيّ المتعلقِ بتغيير النظام في سوريا والتعاطي مع الواقع وفقَ الرؤية الروسيّة، فاعتبرت إنشاءَ 12 نقطة مراقبة بإدلب ضمانةَ حمايةِ المسلحين تحتفظُ بها ورقةَ تفاوضٍ قويةٍ تصرفُها عبر إجراءاتِ التتريكِ والتغييرِ الديمغرافيّ في شمال سوريا وكسبِ الوقتِ لتثبيت احتلالِ عفرين من خلال بناءِ الجدارِ وتنظيمِ البطاقاتِ الشخصيّة وإطلاقِ يد الإرهابيين بالتضييقِ على الأهالي ودفعهم للخروجِ من المنطقةِ بالتوازي مع فتحِ المجالِ لتوطينِ المزيدِ من الوافدين من إدلب.
هي لحظةُ الحقيقةِ التي لا يسعُ أردوغان إنكارَها بعدما وسّع صلاحياته التنفيذيّة بتغييرِ نظام الحكمِ إلى رئاسيّ، لا يمكنُ لأنقرة أن تنكرَ وزنَ القضيةِ الكرديّةِ على كلِّ المستوياتِ، وقد سبقَ الاستفتاء على النظام الرئاسيّ أن قامت بمحاولة الانفتاحِ على إيمرالي، ولكنها لم تكن جادةً وقتها، وبالنتيجةِ تمّت إزاحةُ أحمد داوود أوغلو أحدِ أهمِ أعمدةِ النظامِ التركيّ والاتكالِ على القوةِ العسكريّةِ.
العودةُ إلى إيمرالي ليست خيارَ أنقرة المفضّلَ بل الاضطراريّ، فالنظامُ الذي يعترضُ على دروسٍ محدودةٍ للغةِ الكرديّةِ في اليابان ويخوضُ حرباً بلا هوادةٍ على الكرد بالداخل وعبر الحدود وينقلب على الديمقراطيّة باعتقال البرلمانيين الكرد لا تُنتظرُ منه حلولٌ سلميّةٌ ومشاريعَ ديمقراطيّة، بل هو نظامِ دولة الفردِ والديكتاتوريّة، وأما التلويحُ بإمكانيّةِ طرحِ ملفِ المصالحةِ الداخليّة مع الكردِ، فيأتي كمحاولةٍ احتواءٍ لرؤيةِ المخاطرِ التي تكتنفُ مستقبله السياسيّ، ورغبةٍ بتجاوزِ المأزقِ الاقتصادِ المتهاوي.
مبادرةُ أوجلان رسالةٌ متعددةُ المستوياتِ
من طبيعةِ الرسائلِ السياسيّةِ تعددُ متلقيها، رغم أنّها تُوجّه بالاسمِ إلى طرفٍ محددٍ، والبيان الذي قرأته المحامية نوروز أويسال في 26/5/2019 خلال مؤتمرٍ صحفيّ بإسطنبول بعد أربعة أيام من زيارة المحامين لإيمرالي، كانت متعددةَ سوياتِ الخطابِ، ولاقتِ الرسالةُ صدىً إقليميّاً ودوليّاً واسعاً، وتفاعلاً كبيراً من الشارع الكرديّ.
ففي المقامِ الأولِ كانت رسالةَ شكرٍ وامتنانٍ للمُضربين عن الطعام تضامناً معه، فقد طالب القائد أوجلان أنصارَه وعلى رأسهم النائبة ليلى كوفن وسياسيون، بإنهاءِ إضرابهم عن الطعام الذي أعلنوه منذ 200 يوم تضامناً معه. وخاطبهم بالقول: “زملائي الذين ألزموا أنفسهم بالإضرابِ عن الطعامِ والصومِ حتى الموتِ، أطلبُ منكم إنهاءَ احتجاجكم” وأضاف: “أنتظر وضع حدّ لحركتكم”، الإضرابات عن الطعام حققتِ الهدفَ المطلوبَ منها، لذا، يجب وضع حدِّ لها وأريدُ أن أعبّرَ لكم عن ودّي وامتناني”.
في المقام الثاني كانتِ الرسالةُ دعوةً مفتوحةً للسلامِ، وإرساءِ النظامِ الديمقراطيّ عبر سُبل الحوارِ، فقال القائد أوجلان: “هناك ضرورةٌ ملحّةٌ للتوافقِ الاجتماعيّ العميقِ في هذه المرحلة التاريخيّة، فمن أجل إيجادِ حلولٍ للمعضلاتِ، ولا بد من وجودِ طرقٍ ديمقراطيّة للحوارِ، بعيداً عن ثقافةِ العِداءِ والحربِ”. وتابع: “يمكننا حلُّ المشاكلِ في تركيا والمنطقةِ عن طريق استخدام القوة الناعمة، المتمثلة في العقلانيّةِ والسياسةِ والثقافةِ، وليس عن طريقِ القتالِ واستخدام القوة المفرطة”.
يدركُ أردوغان المنهجَ البراغماتيّ المتقدّم، الذي انطوت عليه رسالةُ القائد أوجلان وأنّه يمتلكُ متسعاً من الخياراتِ بانتهاج سياسةِ الحوارِ بعيداً عن ثقافةِ العنفِ فأقام الحجّةَ على كاملِ النظامِ التركيّ ووضعه أمامَ الاختبارِ بعقم ثقافةِ العنفِ، وتفهمُ أنقرة بُعدَ مراميَ الرسالةِ، ففي الوقت الذي تدعو فيه للسلام فإنّها تغلقُ الطريقَ على التدخلِ العسكريّ التركيّ بسوريا، التي يواصلُ أردوغان التهديد بمزيدٍ من التدخلِ العسكريّ فيها.
 في المقام الثالث توجّه برسالة ثقة بقوات سوريا الديمقراطيّة: “نؤمنُ بقدراتِ قوات سوريا الديمقراطيّة، وأنّه يجبُ حلُّ المشاكل في سوريا ضمن إطار المحافظة على وحدةِ الأرضِ، على أساسِ الديمقراطيّة، بعيداً عن ثقافة الاقتتال، كما يجب ملاحظة ما يسببه هذا من حساسيّة لتركيا”.
وتحدث القائد أوجلان عن أهميّة استقرار الأوضاع والتعايش السلميّ بين جميع طوائف وقوميات سوريا كما انتقد سياسةَ الدولةِ التركيّةِ مؤكّداً أنّ سياسةَ التخويفِ والعنفِ لن تجديَ شيئاً وأشار إلى أهمية التغيير من أجل تحقيقِ السلامِ. وقالت المحامية إنّه جدّدَ خلال اللقاء، موقفه من القضية وقال: “لو توفرت له الفرصة فسيقومُ بدورٍ إيجابيّ في سوريا”.
ثمّة مسألة هامة يجب التوقف عندها في رسالة القائد أوجلان هي دعوته للعودةِ إلى روح عامِ 2013 أي جعل السلام أولوية وتبنّي خيار الحوارِ الديمقراطيّ بين الكرد وأنقرة، بعيداً عن لغةِ العنفِ التي سادت حتى انقلابِ حكومةِ أنقرةِ على استحقاقاتِ السلامِ عام 2015. وقالت المحامية نوروز إنّ القائد يرى أنّ “تركيا تحتاجُ أساساً لمفاوضاتٍ ديمقراطيّةٍ وسلامٍ مشرفٍ”
اللافت بالمسألة المتعلقة بسوريا هو استعدادُ القائد للقيامِ بدور إيجابيّ بحلِّ المشكلاتِ العالقةِ في سوريا وصولاً لإنهاء الصراع في مجملِ الأزمة السوريّة، مؤكداً على أهميّةِ الضمانات الدستوريّةِ لحقوق الكرد والمكونات الأخرى في سوريا ما بعد الحرب.
الواقع كانتِ الرسالة بمقامِ منح فرصة للآخر لتعديلِ سلوكه إن كان جاداً بتحقيق السلام، وتخلّى عن العنفِ واستخدامِ القوةِ، فهناك فيضٌ من الأفكار الخلاقة لصناعة السلام، فيما ثقافة العنفِ تعني الإفلاسَ. والقائد أوجلان الذي يمضي السنة العشرين في إيمرالي يتمتعُ بقدرةِ على اجتراحِ الحلولِ فيما تواجهُ حكومة أنقرة أزمة حقيقيّة ليس بإيجادِ الحلِّ للمشكلات العالقة، بل بالتورط بالمزيدِ منها، وعندما يتحدث القائدُ عن “أخذِ الهواجسِ التركيّةِ بعين الاعتبار” فإنّما يذهبُ بعيداً مفسحاً المجالَ لمزيدٍ من الخياراتِ السلميّة وتأكيدِ أن القضية التي يحملها على عاتقه مضمونها السلام، وأنّ على حكومةِ أنقرة التوقفَ عن الهواجس الافتراضيّة التي تبرّرُ العدوان واستخدامِ العنفِ. وربما لم يسعِ الكثيرين فهمُ هذا المعنى الدقيق في تضاعيفِ الرسالة. وقد شدّد القائد أوجلان على أنّ إلغاءَ منعه من مقابلة محاميه، لا يعني بدءَ “عملية مفاوضات” مع الحكومةِ، وقال “إنّ ردَّ فعلِ السلطاتِ سيتضحُ في غضون 30 أو 40 يوماً”، دون مزيدٍ من التفاصيل. أي أنّ المسألة تتوقفُ على حُسنِ النوايا واجتيازِ الاختبارِ بسلامِ.
واشنطن معنيةٌ بمسارِ السلام
واشنطن معنيةٌ بتوازنِ القوى بالمنطقة، وبالضبط الحدّ من النفوذِ الإيرانيّ، وبنفس الوقتِ الاحتفاظ بالدور التركيّ حليفاً استراتيجيّاً بالمنطقةِ، ولهذا الهدف احتفظت بقواتها بسوريا، الأمر الذي يفرض عليها العملَ على تغييرِ قواعد اللعبة ومنع الاشتباك بمنطقة شرق الفراتِ، ووساطة المفوّض الأمريكيّ جيمس جيفري تسيرُ في منحى التوازن، فيما تصرُّ الإدارةُ الذاتيّة على أنّ إنشاء المنطقة الآمنةِ، يجب أن يضمنَ الأمن لأبناءِ المنطقةِ، وليس الهواجسَ الافتراضيّةَ التركيّة لتكونَ ذريعة التوسّعِ.
الهدف الأبعد لواشنطن هو منعُ موسكو الانفرادَ بتقرير مصير سوريا وصياغتها وفقَ ما تريد، وبالنظر للعواملِ المشتركةِ بين قضيةِ الكردِ في سوريا وتركيا، فقد كان لزاماً على الإدارة الأمريكيّة العملُ على تفعيلِ المسارِ السلميّ داخلَ تركيا نفسِها. فمن غير إنجازِ خطواتٍ سلامٍ ملموسةٍ بتركيا يصعُبُ تحقيقُ مثلها في سوريا.
ما يدعو للشكِّ بنوايا أنقرة هو تناقضُ سياستها، فهي تتحدثُ عن مبادرةِ مصالحةٍ في توقيتٍ انتخابيّ حسّاسٍ، بينما يقومُ جيش الاحتلال التركيّ بالعدوان على باشور كردستان، والحجّة هي ذاتها، كما في عفرين.
الواقع السياسيّ وتطوراته المحتملة يشير إلى ضرورةِ إعادة تموضعٍ جدّيةٍ لأنقرة، عشية انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، برسم خطوط سياستها إزاء موسكو وواشنطن. وحلّ مشكلة صفقة الصواريخ بطريقة تُرضي واشنطن ولا تُغضِب روسيا.