مشاهد من روج آفا

85
 محسن عوض الله / صدى سيا –

أحببتها دون أن أراها، أعجبت بها قبل أن أزورها، عشقت أهلها ولست منهم، إنّها فيدراليّة شمال سوريّا أو روج آفا كما يسمّيها الأصدقاء الكرد، لم أعتد أنْ أكتب عن الشؤون الداخليّة بروج آفا خشيةً من عدم الدقة بحكم أنّي غير مقيم في المنطقة، ولم أزرها من قبل، ولكن لا مانع من إلقاء الضوء على مشاهد مضيئة وسط ظلام الحياة بالشرق الأوسط.
في الأيّام الماضية تابعت عن كثب بعض الأمور التي كانت مثار حديث معظم الأصدقاء سواء داخل روج آفا أو خارجها، ولفت انتباهي طريقة تعامل الإدارة الذاتيّة مع ردود الأفعال على بعض قرارتها، البداية كانت مع قرار تسعير القمح الذي أثار ردود أفعالٍ غاضبة وقت صدوره بعد أن وصفه كثيرون بالسعر المتدني، خاصّة بعد أن سعت حكومة دمشق لإثارة الفتنة داخل روج آفا عن طريق عرض شراء القمح من المزارعين بسعرٍ يفوق ما عرضته الإدارة الذاتيّة.
الغضب الذي أصاب قطاعاً كبيراً من الفلّاحين بشمال سوريّا وتفاعل معه الكثير من النشطاء والمدوّنين وجد صدىً طيّباً لدى الإدارة الذاتيّة، التي لم تجد مانعاً من الاستجابة للمطالب الشعبيّة برفع السعر بما لا يضرّ بمصلحة الفلاحين، وبما يتوافق مع إمكانيّات الإدارة نفسها.
 تراجع الإدارة الذاتيّة واستجابتها لتعديل سعر القمح لم يجد الصدى الذي وجده السعر المنخفض، ولكنّه حمل رسالة مهمة بالنسبة لي على الأقل، مفادها أنّ تلك الإدارة تمتلك على الأقل الحدّ الأدنى من النزاهة، وترى نفسها خادمة للشعب، حامية لمصلحته، ولذلك لا تمانع من مراجعة قرارها استجابة للشعب باعتبار أنّ الشعب هو مصدر السلطات
المشهد الثاني الذي أراه يستحقّ التحيّة والتقدير هو قرار الإدارة الذاتيّة بتجريم بيع الدخان أو الكحوليّات للأطفال دون السنّ القانونيّ مع تحذير مستثمري الحدائق وأصحاب المحلّات من سحب الرخصة وفرض غرامة كبيرة حال عدم الالتزام بالقانون، ما لفت نظري أنّ القرار جاء استجابة لمطالب الكثير من الأصدقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ بضرورة وجود قانون يحمي الأطفال من المخدّرات باعتبار أنّهم الأمل في مستقبلٍ أفضل وغدٍ مشرق في احدى أقاليمها. استجابة الإدارة الذاتيّة للمطالب الشعبيّة سواء في أزمة القمح أو تدخين الأطفال لم تستغرق وقتاً وهو ما يشير لحجم التفاعل والتواصل بين الشعب ونظامه الإداريّ في روج آفا، تواصل تسقط معه كلّ قوانين البيروقراطية الموجودة بالشرق الأوسط..
المشهد الثالث الذي أثار انتباهي أنقله عن أحد الأساتذة الجامعيين بروج آفا، والذي يصنفه البعض كمعارضٍ للإدارة الذاتيّة حيث أجرى استبياناً في الشارع العام حول أسماء مسؤولي الإدارة الذاتيّة ورئيسها، وجاءت معظم الإجابات غير صحيحة، معتبراً أنّ ذلك يشير إلى عدم اهتمام الشعب بالإدارة بحسب كلامه. ومع احترامي للأكاديميّ الكبير الذي أكنُّ لهُ كلّ احترامٍ وتقدير ولكنّي أرى أنّ عدم اهتمام الشعب بأسماء المسؤولين يحمل دلالة أخرى ربّما أهمّها أنّ روج آفا لا تعرف الزعيم الواحد الملهم الذي يملك مقادير الأمور، ويتحكّم بمصائر البلاد ورقاب العباد، لا أحد يعرف المسؤول ربّما لأنّه لا يسير في موكبٍ ضخم يعطّل مصالح الناس بل يعيش وسط الناس كواحدٍ منهم يشعر بمشاكلهم، ويسعى لحلّها
روج آفا تجربة جديدة، ليس كمثلها شيء في الشرق الأوسط، نظامٌ ليس كأيّ نظام، ومسؤولون ليسوا كأيّ مسؤولين، وتحتاج شعباً ليس كأيّ شعب، تجربة لا يمكن أنْ تولد كاملة ولا أدّعي أنّها ملائكيّة بلا أخطاء بل هي محاولة جديرة بالاحترام والتقدير. تجربة روج آفا توجب على كلّ محبّ للحريّة والديمقراطيّة في أنحاء العالم أن يدعمها حتى لو بكلمة، ففي ظلّ شرق أوسطٍ تسوده الفتن الطائفيّة والعنصريّة، وتتحكّم به نظم مستبدّة ظالمة، تصبح نظريّة الأمّة الديمقراطيّة وأخوّة الشعوب بارقة أملٍ في غدٍ مشرقٍ لشرق أتعبه الفساد والاستبداد.