مي زيادة قلم نسوي متألق

32
إعداد/ هايستان أحمد –
الأدب النسوي وهو أدبُ المرأة ويطلق عليه أيضًا أدب الأنثى، وتطلق هذه المصطلحات على الأدب الذي يولي اهتماماً كبيراً بقضية المرأة والدفاع عن حقوقها، مع المحافظة على جودة النص الإبداعيّ في هذا الأدب، ولا يشترط أن يكون الكاتب امرأة فقد يكون رجلاً، ولكن يرتبط هذا الأدب بكل ما يتناول نصرة المرأة وحقوقها وحريتها وصراعها التاريخي لنيل مساواتها مع الرجل، ومن الأديبات الشهيرات في العالم العربي في هذا المجال هي الكاتبة مي زيادة والتي تناولت قضية النساء في كثير من أعمالها، وتقول مي زيادة: «أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكتبي، ودراساتي وقد انصرفت بكل تفكيري إلى المثل الأعلى، وهذه الحياة المثالية التي حييتها جعلتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس»، ظلت مي زيادة حتى بعد وفاتها مثالًا راقيًا للأديبة العربية الناجحة في زمن قلّ فيه الأدب النسوي، وظلت حياتها تجذب المنقبين في حياة الأدباء لما كان فيها من خصوصية وتفانٍ للأدب، قضت مي زيادة الكثير من حياتها وحيدة حزينة، تعاني آلام فقد أحبتها واعتكفت بين أقلامها وأوراقها تثري الأدب العربي عامة والأدب النسوي خاصة بمداد قلمها وفي مشاعرها، لم تحاول مي الخروج من الأغلال الخارجية التي تقيد المرأة فقط، بل حاولت الخروج من أغلال الذات، فكانت رائدة في محاولة التعبير عن أعماقها عبر الأدب والرسائل، والمقالة، والخاطرة الوجدانية التي نلتمسها من كتبها، أي عبر أجناس أدبية تظهر صوت الأنا بكل صراحة ووضوح، وبذلك استطعنا أن نعايش أعماقها بكل ما يختلج فيها من عواطف وأحلام وصراعات، إذ من المعروف أن الكاتبة العربية لم تجرؤ على الخوض في هذا المجال إلا بعد مي بأكثر من خمسين سنة، وهي غالباً حين تريد أن تعبر عن ذاتها تتخذ قناع الشخصية الروائية، وهذا ما فعلته الأديبة غادة السمان أيضاً.
الحب العذري الذي أكد رقة وعذوبة مشاعرها
أنها أديبة فلسطينية لبنانية وُلدت في الناصرة عام 1886، وهي الابنة الوحيدة لأب لبناني وأم فلسطينية، تلقت تعليمها الابتدائي في الناصرة، وأكملت تعليمها الثانوي في لبنان، وانتقلت مي مع عائلتها إلى القاهرة عام 1907 ودرست هناك في كلية الآداب، أتقنت مي زيادة تسع لغات هي: العربية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والإنجليزية واليونانية والسريانية واللاتينية، لكن مي تعمقت في اللغة الفرنسية وكانت تكتب الشعر بالفرنسية، عملت في تدريس اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكانت خلال ذلك تقوم بتعلم اللغة العربية أكثر وكتابة التعبير فيها، وقد أكملت تعليمها بدراسة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في القاهرة. لفتت مي الأنظار إليها من خلال المقالات الأدبية التي كانت تنشرها في الصحف والمجلات، وكانت تقيم صالون أدبي مرة كل أسبوع، اُخذ قلب مي زيادة بجبران خليل جبران، وكان حباً روحياً لم يلتقيا خلاله ولا مرة، تبادل مي وجبران الرسائل لمدة عشرين عامًا منذ 1911 حتى وفاة جبران خليل جبران عام 1931، وفقدت مي والدها عام 1929، ثم فقدت حبها الوحيد جبران عام 1931، ثم توفيت والدتها عام 1932، وقد أدت بها هذه الأحزان المتتالية للمكوث في مستشفى للأمراض النفسية، ثم أرسلها أصحابها إلى لبنان لتعيش مع بقية عائلتها، لكن العائلة نقلتها إلى مستشفى للأمراض العقلية، وخرجت منه مي على إثر احتجاج الصحفيين والكتاب واتهام أقاربها بالإساءة إليها، خرجت مي من المستشفى وعادت لتستقر في القاهرة.
ومن أعمالها الأدبية (كتاب المساواة، باحثة البادية، سوانح فتاة، غاية الحياة، ابتسامات ودموع، موت كناري(، وكانت مي زيادة هي نجمة هذا الاجتماع المحبوبة من الجميع، ثمَّ خرجت منه وأقامت عند أمين الريحاني، ثم عادت إلى مصر، وزارت عدّة بلدان أوروبية بغيةَ التخفيف عن نفسها لكنها لم تجد سلوى في ذلك، فاستقرّت في مصر أخيراً مستسلمةً لأحزانها ووحدتها، توفِّيت عام 1941م في القاهرة.