“دعونا نقرأ”… فعل الثقافة التي لن يتسبب بأي ضرر للعالم

139
هيلين علي –

استطيع القول أن احد أسباب الفوضى في مجتمعنا هي قلة المطالعة, فهي ملاذ جميل ومفيد ثم أن القراءة تثري الفكر والإدراك والنفس، وهذا بحد ذاته يمنحنا إنسانا متوازنا وأكثر وأعمق تفكيرا وتروياً في تعامله مع الآخرين، لأنه يرى الأمور بمنظار أوسع يجعله أكثر تقبلا للآخر ويجد الطرق الأصلح للتواصل مع مجتمعه، تماما كما طرحها “دانيال بناك” في احدى اقتباساته عندما قال:” “المفارقة التي تتميز بها القراءة تكمن بمقدرتها على أن نتمكن من فهم معنى ما يدور من حولنا”.
أقرأ حاليا عدة كتب، حصلت على بعضها من مطبعة “هركول”، وهي مطبعة ثرية تطبع آلاف الكتب يوميا في مختلف المجالات، هذه عادتي في القراءة بحيث إذا انتهيت من كتاب انتقلت إلى الآخر وسأحاول الاشارة إلى بعض ما فيها ولو بعجالة:
رسائل الأمل:
كتاب “رسائل الأمل” لمؤلفه القائد والمفكر الأممي عبدالله أوجلان, صدر مؤخرا عن مطبعة هركول في ديرك, الكتاب عبارة عن ثلاثين نص حواري بين القائد الكردي ومحاميه في سجن جزيرة إيمرالي طيلة سنة 2007, ويحوي على حوارات ورسائل مهمة وشيقة كما هي سلسة ومفيدة.
المجموعة تزخر بأفكار نيرة للقائد والفيلسوف الكردي “عبدالله أوجلان” تستحق المطالعة والتوقف عندها ومناقشتها, كما وهي عصارة تجربة علمية وإنسانية عريضة وغنية.
لقيطة استانبول:
قطعت شوطا جيدا في الرواية التركية لقيطة استانبول، للكاتبة التركية أليف شافاق الصادرة عن دار الآداب-بيروت، وهي رواية تتحدث عن أسرة أرمنية تركية هاجرت إلى أميركا، ومن خلال سرد فني اجتماعي ممتع عن العلاقات بين الناس سواء في أميركا التي تعيش الأسرة فيها، أو عن البلد الأصلي تركيا، تدخلك إلى الحياة اليومية لأسرة أرمنية تركية بعاداتها وتقاليدها، وتتطرق من خلالها على لسان إحدى شخصياتها عن تأثير مذبحة الأرمن على العائلة وإسقاطاتها النفسية والفكرية على الأسرة.
تعرضت الكاتبة بسبب هذه اللفتة للتحقيق والاعتقال ورُفعت ضدها دعوى تشهير بالقومية التركية, الا ان التهمة أسقطت عنها فيما بعد.
سمراويت:              
 ”بقدر ما هو مؤلم أن يسكننا البرد، مؤلم أيضًا أن لا يكون قد مر بنا، فالبرد وحده يشعرنا بقيمة لحظاتنا الدافئة، يريحنا من الوقوع في فخ الاعتياد، ليحفظ مشاعرنا طازجة.. ولو لحين”.
إريتريا! دولة أغلبنا لا يسمع عنها الكثير وفي الغالب لا نعرف إن كانت دولة عربية أم إفريقية! ولهذا اسمحوا لي أدعوكم إلى قراءة هذه الرواية الرائعة للكاتب الإريتري الفنان “حجي جابر” الذي يرسم أكثر مما يكتب، “سمراويت” رواية رومانسية ممتزجة ببعض الأسى لبطليها اللذين يبحثان عن تراثهما الضائع ودولتهما شبه المنسية.
بعد أن عاش “عمر” بطل الرواية في السعودية ولم يعرف أي شيء عن بلده الأم يقرر الذهاب لزيارة إريتريا والتعرف عليها، ليقابل صدفة “سمراويت” الفتاة التي تشبهه في قصته مع الوطن، كل منهما لا يعرف أي شيء عن وطنه أو حضارته، وخلال الرواية نتعرف نحن أيضًا على الدولة الرصينة التي كانت تصدر كسوة الكعبة، بعيدًا عن قصة الحب العذبة والتعرف أكثر على أحد الدول العربية المنسية.
رواية العذبة:
“ما فائدة الصلاة والنفس غارقة في الإثم”.
ديستويفسكي هو أديب العالم الأول، الغني عن التعريف، الذي كان شغله الشاغل في حياته الإجابة عن سؤال: “لماذا يصبح الإنسان شريرًا أو طيبًا؟”، كانت رواياته تعكس هذه التساؤلات وتناقشها وتجيب بشكل ما عنها، وهنا في 70 صفحة استطاع ديستويفسكي أن يعبر لنا عن بعض أسرار النفس البشرية من خلال إحدى شخصياته، وهو بطل هذه الرواية، المرابي الذي تبدأ الرواية على وجوده بجانب جثة زوجته التي ظل خلال الرواية يسرد حكايتهما ولماذا هي ميتة، وبعدها نعرف أنها قد انتحرت.
آه يا صغيرتي:
“سوف تنامين يا صغيرتي سوف تنامين ولكن هل ستتوسدين هذه الصخور الخنجرية وتنامين في أحضان هذا الجبل, فيهدهدك صوت النهر وتتلاعب بخصلات شعرك نسمات الرياح التي تهب من الجبال البعيدة أم ماذا…؟”
“آه يا صغيرتي” مجموعة قصصية ونتاج من أدب الثورة وبالتحديد أدب الجبال, كما إن هذا الكتاب النتاج الأدبي الأول  للكاتب الثوري “بولات جان” الذي ظهر للنور وكان حافزا للاستمرار والانتاج في كل الظروف التي تلتها.
يتطرق كاتبها “بولات جان” على انها مجموعة من أحدى عشرة قصة من قصص الثورة والحرب والجبال, تشكل سويا رواية من روايات الجبل والرصاص والنار والقمم والوهاد والثلوج والأرتال التي تقطع دروب الوطن, من آرارات  إلى أمانوس ومن دالاهو إلى خان الطور وتسير معها قصصها واساطيرها وأغانيها الجبلية ونكهة الخبز والعنب والنعناع البري.
عائد إلى حيفا:
“أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله”.
غسان كنفاني الشهيد البطل، يحكي لنا في إحدى رواياته التي دائمًا ما تتحدث عن الملهاة الفلسطينية، قصة أبوين عائدين إلى حيفا بعد أن هربوا في حرب فلسطين 1948 وعادوا بعد 22 سنة إلى وطنهم الذين أنكرهم ولم ينكروه، عادوا بعد أن تركوا طفلهم الرضيع ولم يستطيعوا أن يأخذوه معهم، ليجدوه أصبح جنديًا إسرائيليًا يعيش مع أبوين يهوديين حياة مطمئنة، ولا يريد أن يعترف بأبويه الحقيقيين.
رغم صعوبة الموقف ورغم معضلة وجود حل لهذه المشكلة، يبهرنا كنفاني بنزاهته وحياديته وتصويره للموقف من جميع وجهات النظر، إذ لم يتحيز لرأي بعينه لمجرد أنه فلسطيني منكوب، بل ناقش قضيته بكل نزاهة.
هذه بعض الكتب التي أنصح بقراءتها، من بين عشرات أخرى حولي تنتظر القراءة.
القراءة تنعش الارواح وتلهمنا على الكفاح دائما أمام صخب الحياة, وبقدر التنوع الذي يحرص عليه القارئ بانتقاء مصادر القراءة بقدر ما تتسع مداركه ويصبح قادراً على مواكبة الأحداث الجارية حوله, بل والتأثير في سيرها ولعل هذا هو الهدف الأسمى من القراءة.