الحياة النديّة المشتركة ـ2ـ

71
إلهام أحمد –

في المجموعات البدائية كان بإمكان أي شخص أن يصبح قيادياً إن قام بقتل حيوان، من أجل هذا كان يتدرب على كيفية نصب المصايد والحيل والاختباء والتحلي بالألوان التي تساهم في تمويهه مقابل الحيوان الذي يريد اصطياده، إنّ كل هذا مكر، أي مكر ذهنية الرجل. والرجل  بهذه الأقنعة كان يقوم باصطياد فريسته.
هذه الحيل والخدع لدى الرجل تحولت إلى نظام بشكل تدريجي، فالمرأة التي كانت تقوم بالخلق والإبداع في الزراعة وتهتم بالطبيعة كانت تخلق أشياء جديدة كل يوم، والرجل العائد من الصيد قام بالسيطرة على هذا البيت وحوّله إلى مؤسسة لفرض سلطته، ووصل به الأمر إلى أن يفرض ملكيته للمرأة والأطفال، وبولادة مؤسسة العائلة أصبحت المرأة والأطفال ملكاً للرجل بالكامل، وكان يتم تعريف نسب المرأة بالرجل، ويتم تعريف المرأة باسم الرجل، وكذلك الأطفال، بهذه الطريقة تم تنظيم مؤسسة العائلة بالكامل في ظل الرجل، وهذه العائلة المتشكلة بالاستناد إلى ذهنية الرجل ساهمت في خلق مؤسسة الدولة تدريجياً، وهذه الدولة تصون نظامها الذي تم إنشاؤه بالاستناد إلى هذه الذهنية. لهذا السبب يمكننا القول بأن مؤسسة العائلة هي البذرة الأساسية التي قامت الدولة بتنظيم نفسها عليها.
 الحياة المشتركة بقدر ما تكون قضية المرأة هي في الوقت نفسه قضية الرجل أيضاً
إلا أن الرجل لا يرى هذه الحقيقة ولا يدرك العبودية التي يعيشها. فبقدر سلطويته يعيش العبودية، فخلق حياة حرة مرتبط بالطرفين إلا أن القسم الأساسي متعلق بالمرأة؛ لأن قضية الحرية مرتبطة بقضية المرأة، فبقدر إدراك المرأة لعبوديتها وبقدر نضالها الدؤوب من أجل نيل حقوقها؛ ستساهم بنفس القدر في تطوير المجتمع معها؛ لأن المرأة تمثل الحياة بذاتها، والمرأة هي المجتمع بذاته.
إن مقدار وصول المرأة للوعي وقيامها بتنظيم نفسها وسعيها إلى الحرية بهذا القدر يتوسع الوسط التي تستطيع النضال والتأثير عليه. ولكن؛ المشكلة الموجودة الآن هو نظرة الرجل إلى الحياة وكأنها تسير بشكل طبيعي رغم غرقه في هذه الحياة ورغم مواجهته للكثير من القضايا الاجتماعية المعقدة إلا أنه ينظر إليها نظرة طبيعية. كأن هذه الحياة ستنتهي كما أتت، أي لا يطرح أي أسئلة على نفسه، ما هي طبيعة الحياة التي يريدها وكيف يريد أن يعيش؟ اللامبالاة هذه ناتجة عن شخصيته التي اعتادت على السلطوية. كما ذكرنا أن الطفل الذي اعتاد على كيفية فرض سلطته وحاكميته وكونه صاحب القرار الأخير في العائلة بدافع من الوالدين، وعلى من حوله أن ينصاعوا للقرارات التي يتخذها، فهو يسعى دائماً أن يكون بهذا الشكل في جميع ميادين الحياة وليس فقط ضمن العائلة.
فالرجل المعتاد على السلطوية من الصعب عليه التخلي عنها بسهولة، لن يتنازل أو يقول للمرأة لنتقاسم هذه الحياة! لماذا؟ لأن مرض السلطة مرض خطير جداً. فلو أردنا ربطها بالوضع الذي نعيشه الآن؛ نرى أن الوضع في سوريا ودول المنطقة سيء جداً فهم يفرضون حاكميتهم على المجتمع بكل شدة، فأي جواب لهذا الوضع من قبل المعارضة لمناهضة بعض المواضيع ومطالبة للانضمام إلى مراكز صنع القرار، نرى أن تلك السلطة الحاكمة تقوم بالقضاء عليها بأشد أشكال العنف. فضمن العائلة والمجتمع أيضاً اعتاد الرجل أن تكون السلطة بيده ولا يتخلى عنها بسهولة، لكن في نفس الوقت يقوم بخداع نفسه، لأن الرجل ضمن العائلة هو عبد للنظام؛ هذا النظام الذي قام بخلقه بنفسه. لكنه؛ لا يدرك العبودية التي يعيشها ويعتقد أنه أفضل الأشخاص وأن النظام الذي خلقه هو أفضل الأنظمة، إلا أن الحياة التي يخلقها الرجل تفتقد إلى التعددية، حيث يطغى عليها طابع أحادي اللون. أما الحياة التي تخلقها المرأة فتضم ألواناً مختلفة.
الذهنية المعتادة على السلطة لا يمكنها التخلي عن السلطة بسهولة
وأوضح مثال هنا هو أن المرأة الكردية والسريانية والعربية تستطيع أن تعيش معاً بكل سهولة. فموقفها من موضوع حماية أولادها لا يختلف عن موقفها من حماية أطفال جيرانها أيضاً. لا تفرق بينهم، إلا أن النظام الحاكم قام بتخريب كل العواطف أيضاً. عواطف الرجل لا تشبه عواطف المرأة فيمكنه أن يفكر بنفسه وأطفاله وبيته إلا أنه لا يتعامل بتلك المسؤولية والعدالة من جيرانه. فإن موضوع السلطة موضوع واسع جداً؛ فالذهنية المعتادة على السلطة لا يمكنها التخلي عن السلطة بسهولة، وموضوع خلق الحياة المشتركة الحرة مرتبط بكلا الطرفين.
عندما يعي الرجل مدى عبوديته ويدرك النتائج التي تخلقها السلطة الذكورية من الدمار الهائل ويدرك أن المرأة عانت آلام السلطة بأقسى أشكالها منذ آلاف السنين ويدرك أن وضع الاستسلام واللا إرادية التي تعيشها اليوم هي نتيجة سياسته وذهنيته وقراراته، حينها بالتأكيد يستطيع أن يخلق التغيير. وهذا يتطلب نضالاً جاداً، ومعرفة وقراءة صحيحة للتاريخ.
فمعرفة وقراءة تاريخ المرأة ضروري لكلا الطرفين. وعلى المرأة أيضاً أن تقرأ تاريخها وتفهمه، وعلى الرجل أن يقرأ ويفهم تاريخ المرأة ويؤمن بها، فإذا قرآها وفهماها ولم يؤمنا بها حينها أيضاً لا يمكنهما إحداث أي تغييرات وتحولات، لهذا السبب الرجل الذي يشعر بالمسؤولية تجاه خلق حياة حرة ومشتركة عليه في البداية أن يؤمن بحرية المرأة، هذا الإيمان والثقة ستساهم في خلق الكثير من التطورات.
يشير قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان إلى ثلاث نقاط أساسية لاستمرارية الحياة ألا وهي التكاثر والدفاع والعيش. إلا أن الرجل نظر إلى موضوع التكاثر بالشكل المعاكس فبدلاً من أن تكون وسيلة لاستمرارية الحياة تحولت إلى هدف ساهم في استمرارية وتعمق عبودية المرأة، وأن الكثير من القضايا الاجتماعية التي يتم معايشتها الآن تستمد مصدرها من هنا. فهذا الموضوع هام جداً لأننا نصادف كل يوم الكثير من القضايا المعقدة، فالحياة المشتركة الحرة والتكاثر والدفاع هي أمور فطرية لدى الإنسان. واليوم فإن المشاكل الأساسية التي تعاني منها الإنسانية بشكل عام هي التضخم السكاني، فالعالم الآن يحيا تضخماً سكانياً هائلاً. بعض الشعوب تسعى إلى إنجاب الكثير من الأطفال نتيجة الخوف من انقراض ذاك الشعب وإدامة النسل، وهذا يعتبر من أحد الأسباب في هذا التضخم السكاني. بالإمكان رؤية هذا السبب طبيعياً بعض الشي، حيث يمكن اعتباره وسيلة لضمان النسل. فالمجتمع الكردي خير مثال في هذا الموضوع، حيث يعرف بكثرة الأطفال. رغم كل المجازر التي تعرض لها الشعب الكردي إلا أنه مازال يصون وجوده كشعب، ولكنه لم يطور نفسه من الناحية الاجتماعية.
فإن نقص العدد والإبادات التي تتعرض لها الشعوب وعدم قدرتها على تطوير الناحية الاجتماعية حينها يتم إبادتها بالكامل وتنقرض. لماذا؟ لأنها لا تستطيع التصدي ومقاومة وحماية الذات لافتقادها الناحية الثقافية والتاريخية ولافتقارها إلى الفن والمعرفة والإرادة، ومن الناحية الأخرى عدم وجود العدد أيضاً.
النظام الرأسمالي حوّل العلاقة بين الجنسين إلى وسيلة إشباع الغريزة
استطاع الكرد أن يصونوا وجودهم بالاستناد إلى عددهم، ففي السنوات الأخيرة بدأوا تدريجياً بتطوير ذواتهم من ناحية المعرفة وكسب الإرادة. إلا أن الكثير من الشعوب التي كانت تفتقد إلى كلا العاملين انقرضت من الوجود. ولكن؛ النظام الرأسمالي يستخدم الإبادة كوسيلة من أجل فرض سيطرته على المجتمعات. ففي بعض البلدان يتم التحدث عن السياسة الاقتصادية، فالسياسة الاقتصادية التي يتم اتباعها من قبل الاقتصاديين أو الخطة الاقتصادية التي تساهم في حل قضايا المجتمع أي تحسين الوضع المعيشي للشعب هو أن يتم تقليص عدد السكان؛ أي إنقاص عدد الناس في المناطق الكثيرة السكان، حيث يتم تقليص العدد عن طريق المجازر والأمراض ونشر أمراض جديدة، ومن ناحية أخرى فالعلاقة بين كلا الجنسين تحولت من قبل النظام الرأسمالي إلى وسيلة من أجل إشباع الغريزة وإبعاد الإنسان عن جوهره وربط كل فكره وإرادته بالإثارة الجنسية فمن خلال استخدام المرأة كوسيلة لترويج البضائع يبرزون الجانب الغريزي بشكل كبير، ويحثون على ممارسة هذه الغريزة في كل يوم ضمن العائلة وفي حال عدم ممارسة هذه الغريزة تظهر جرائم كبيرة، فأكثر مشاكل المجتمع التي تظهر تنبع من هذه النقطة. هذا الموضوع هو السبب الرئيسي لانعدام الثقة بين الرجل والمرأة، فكل الشبهات والشكوك التي تتولد لدى الطرفين مصدرها تلك القضية الجنسية التي تحولت إلى عقدة عمياء. الهدف من العلاقة الجنسية بين الجنسين هو ضمان الوجود وعدم الانقراض كما هو الحال لدى كل الكائنات الحية. ولكن؛ نتيجة سياسة النظام الرأسمالي تحولت إلى ممارسة يومية لدى مجتمعاتنا. هذا الوضع يعتبر من أخطر الأوضاع لأن هذا الجانب لا يمثل كل شيء لدى الإنسان.
على المرأة قبل أن تشارك الرجل مؤسسة الزواج أن تكون صاحبة إرادة
الإنسان عبارة عن وجود وفكر وإرادة وإحساس وشعور وهناك جوانب في الحياة يمكنه من خلالها الإحساس بوجوده. لتجاوز هذه العقدة ومن أجل الوصول إلى حياة مشتركة حرة بين الرجل والمرأة وعلى المرأة قبل أن تشارك الرجل مؤسسة الزواج أن تكون صاحبة إرادة، وأن تكون صاحبة معرفة وأن تعرف ذاك الرجل بالشكل الجيد ومن ثم تقوم بعقد العلاقة معه.
فإن شاركت الرجل بغفلة ومن دون معرفة وبجهالة واستسلام للوضع المفروض عليها، عليها أن تدرك أنها ستكون وجهاً لوجه أمام النظام السلطوي. فكيفما تقوم الدولة بفرض حكمها على المجتمع وتجعل المجتمع عبداً لها فالرجل أيضاً سيقوم بالشيء نفسه ضمن مؤسسة العائلة. ومن أجل تحرير المجتمع من الواجب أن تبدي المرأة موقفها ضد هذه السلطة أي من الواجب عليها أن تثبت وجودها بوقفة إرادية. وأن تكون صاحبة معرفة وتشعر بوجودها قبل أن تتخذ القرار بالزواج من الرجل. ويجب أن تكون فعالة في كافة نواحي الحياة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها، على المرأة أن تكون فعالة في المجالات الأخرى. عندها تستطيع أن تتخذ القرار في الشراكة مع الرجل.
إن لم يتم هذا حينها ستقع المرأة في مصيدة المؤسسة التي تتشكل بالاستناد إلى أسس العبودية والملكية. من الواجب على المرأة أن تكون في حالة نضال نفسي دائم مع ذاتها؛ كي تتمكن من إنقاذ وتحرير نفسها من تأثر النظام السلطوي الذكوري وذهنيته وثقافته عليها أن تخوض نضالاً حاداً مع نفسها وتصل إلى الجوهر الحقيقي للمرأة. أي أن تصل بنفسها إلى طبيعتها وطريقة تفكيرها وذهنيتها الحقيقية.
من الواجب على الرجل أيضاً أن يحرر نفسه من تلك الشخصية السلطوية، فالنضال ضد السلطوية يعني في الوقت نفسه النضال ضد العبودية. يجب أن يقوم الطرفان بخلق حياة توافقية حياة مشتركة تساهم في جمع الإرادة الحرة لكليهما. أي ألا تقوم إرادة بغصب الإرادة الأخرى؛ بمعنى تجاوز نظام العائلة المتشكلة على أساس الملكية وإحلال مكانها حق الاختيار الحر والجمع بين إرادتين حرتين، والاعتراف بحق الشخص بالحياة الحرة المستقلة وحده أي أنه وحتى الآن بقدر المشاكل التي نصادفها نرى أنه لا يتم الاعتراف بحق الشخص بالحياة الحرة المستقلة لأي شخص كان سواء الرجل أو المرأة. إن الشرط الأساسي للحياة المشتركة الحرة هي الإرادة الحرة لكلا الجنسين.