عز الدين عقيل: “دولة الاحتلال التركي تلعب دوراً خطيراً في تصعيد الأزمة الليبية”

198
يشنّ أردوغان حرباً بالوكالة في ليبيا، وقدم أدلة على إدانة نفسه عندما أعلن صراحةً دعمه للميليشيات في طرابلس بالسلاح، ووصلت بالفعل الأسلحة التركية إلى الميليشيات التي هددت بمواصلة الهجوم حتى مقر القيادة العامة للجيش الوطني والسيطرة على طرابلس. وحول ذلك أجرت وكالة فرات للأنباء حواراً مع رئيس الائتلاف الجمهوري الليبي عز الدين عقيل وكان الحوار التالي:
ـ كيف تعكس زيارات واتصالات خليفة حفتر مزيداً من الدعم الدولي لموقفه؟
شرعية السراج انهارت وتآكلت وهذا ناشئ عن أسباب موضوعية بداية انهيار الاتفاق السياسي الليبي الذي تم برعاية الأمم المتحدة، والذي أعلن عن موته هو مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة في إفادته لمجلس الأمن عندما اقترح تدشين المؤتمر الوطني الجامع الصيف الماضي، عندما أكد على أن الحل السياسي من وجهة نظره هو المؤتمر الجامع. وهو ما يعني أن هذا الحل الأممي المقترح جاء على أنقاض الاتفاق السياسي الذي جاء بشرعية فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الليبي، وانتهت شرعية السراج عندما استقال كل الشخصيات الموجودة في المجلس الرئاسي لتمثيل شرق البلاد، فأنت تعلم أنها حكومة وفاق تمثل البلاد، والآن الممثلين لشرق البلاد غادروا جميعاً، وأصبحت هذه الحكومة حكومة تحالف الإخوان مع ميليشيات مصراتة والميليشيات الأخرى في طرابلس.
أما فيما يتعلق بجولات المشير حفتر والتي بدأت بزيارته لمصر بعد اتصال ترامب به، ثم زيارتيه إلى إيطاليا وفرنسا، فأقول أن فرنسا والولايات المتحدة وأيضاً روسيا أدركتا تماماً أن المشكلة في ليبيا أمنية وليست سياسية، فليبيا ليس فيها صراع إثني ولا طائفي هذا صراع سياسي وأزمة أمنية، فعندما تكون هناك قومية أو إثنية أو طائفة مظلومة كما جرى في رواندا أو بوروندي أو ساحل العاج أو لبنان أو تركيا أو البلقان أو سيراليون أو كولومبيا، فمن حق هذه القومية أن تتمرد وترفع السلاح ضد الإثنية أو الطائفة المهيمنة للوصول لاتفاق سياسي يضمن داخل دستور حقوق المواطنة لكل هذه الأطراف. أما في ليبيا هو أن تحالف الناتو ومجلس الأمن عندما تدخل في ليبيا عام 2011، خرج المجرمون وأنصاف المتعلمين من السجون لرفع السلاح وتشكيل عصابات وميليشيات، وبالتالي باتوا يديرون الدولة، والحل هو أن يتم القضاء على هذه الميليشيات حتى يفتح الطريق أمام عودة الدولة، وبالتالي الجميع أدرك أن الحل أمني ويحتاج لجراحة من خلال الجيش وعليه ظهرت المواقف الدولية والأوروبية والغربية الداعمة للجيش الوطني الليبي. وأعتقد أن لقاء رئيس الحكومة الإيطالي جوزيبي كونتي بالمشير حفتر قد ركز على وضع الأسس للحفاظ على المصالح الإيطالية بعد سيطرة الجيش الوطني على العاصمة، أما لقاءه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد خرج عنه البيان الذي أكد صعوبة التوصل لشروط وقف إطلاق النار وطالب فقط الجيش الوطني الليبي بتوخي الحذر تجاه المدنيين خلال عملياته العسكرية وهو ما يعني إعطائه ضوءاً أخضر لمواصلة عملياته.
– رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فائز السراج متهم بعدم تنفيذ الالتزامات مع حفتر التي تعهد بها في أبو ظبي في شباط الماضي؛ هل هذا يحمله مسؤولية هجوم طرابلس كما ذكر نائبه فتحي المجبري؟
الجيش في أعماق فلسفته أو عقيدته العسكرية الحالية ليس التفاهم مع الميليشيات، فقد حاول الجيش الليبي من خلال لقاءات أبو ظبي والقاهرة وباليرمو وباريس، أن يثبت للعالم أن حكومة السراج والميليشيات لن تسلم السلاح سلمياً أبداً ولن يسمحوا بعودة الدولة وأن النتيجة دوماً هي عدم تحقيق التعهدات، ليس لأن السراج لا يريد الحل، ولكن لأنه خاضع لحكم الميليشيات، فكما نعلم هرم السلطة مقلوب والميليشيات هي من تقوم بتوجيه الأوامر للسرج، وحفتر كان يعلم تماماً النتيجة، وهو يريد أن يعطي دليل على عدم جدية وصدق فايز السراج.
ـ هناك مقاتلين تونسيين انتقلوا من سوريا والعراق إلى ليبيا، كيف يعكس ذلك خطورة ظاهرة انتقال وعودة المقاتلين الأجانب في ضوء تباطؤ المجتمع الدولي في التعامل معها وعدم رغبة الدول في استعادة مقاتليها الإرهابيين؟
عدد من هذه الدول متورطة أصلا منذ طريقة إسقاطهم لنظام القذافي وإسقاط الدولة الليبية، لتهيئة ليبيا لدخول هذه الجماعات الإرهابية، لتحويلها إلى مطرقة تضرب بها كل من يعارض سياساتها في المنطقة، وهناك تقرير مطول للمخابرات المركزية الأمريكية تحدث عن إلقاء الطيران التابع للناتو للسلاح لعناصر القاعدة وأنصار الشريعة، والبعض من الإدارة الأمريكية قد برر تسليم السلاح للقاعدة على أساس أن مقاتليها الآن يصنعون الحرية بإسقاط النظام الليبي، وبعد أن “صنعوا هذه الحرية”، قتلوا السفير الأمريكي في ليبيا كما رأينا جميعاً. أما وزير الخارجية التونسي فهو لا يعلم إذا كان هؤلاء المقاتلين قد جاءوا من تونس نفسها أم من الخارج كي يقرر أنهم انتقلوا من سوريا والعراق، لأن لديه الكثير من الخلايا النائمة في بلاده ولا يستطيع القول إن كان هؤلاء قد دخلوا من تونس أم جاءوا من سوريا، ولعل من حسن حظنا انشغال الجزائر والسودان عنا، فلو لم يسقط النظام في البلدين لما نجحت العمليات العسكرية ضد الميليشيات في ليبيا.
ولا أعتقد أن الرئيس التركي أردوغان سيتمكن من مواصلة إرسال الأسلحة والعتاد إلى الميليشيات كما يفعل الآن، بعد أن هدده حفتر بضرب سفنه، وبعد ضغط ترامب عليه، وأردوغان وافق بدون شروط على وقف صادرات النفط الإيراني وتم إطلاق سراح القس الأمريكي، والغرب الذي أسقط النظام الليبي لم يسقطه لكي يسلم ليبيا لأردوغان ودولة الاحتلال التركي.
ثمة أمرين نحتاجهم للقضاء على الإرهابيين، وهو حماية حدودنا ودحر الميليشيات، بحيث يصبح دخول الإرهابيين صعب وسوف يفشل المسعى التركي لنقل مقاتلين الى أراضينا، وللقضاء على الإرهاب في ليبيا نحتاج إلى شريك استراتيجي تثق فيه دول الجوار ومصر والقوى الكبرى وهو الجيش الوطني الليبي، ثم التعاون الدولي، ودحر الإرهاب لا يمكن أن يتم إلا بصورة جماعية كما جرى من جانب التحالف الدولي في سوريا، وليبيا أيضاً تحتاج إلى هذا التعاون.
ـ ما هي تداعيات تصنيف مجلس النواب الليبي للإخوان تنظيماً إرهابياً على المستويين السياسي والأمني وعلاقات ليبيا الخارجية، وما هي رؤيتكم لهذا القرار؟
هذا القرار ربما لا تكون له قيمة من زاوية الجهة التي أصدرته، أنا لا أعارض القرار، بل هو مطلب شعبي، ولكن أرفض الاكتفاء بصدوره عن هذا البرلمان الضعيف، ونحن بحاجة إلى خارطة طريق المشير طنطاوي، الذي تولى المرحلة الانتقالية في مصر بعد 2011، التي أجمعت كل نخب العالم أنها واحدة من أعظم خرائط الطريق للانتقال السياسي في ديمقراطية ناشئة. فنحن بحاجة لتشكيل مجلس عسكري يصدر إعلاناً دستورياً، ويتم استعادة الأمن والاستقرار في البلاد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بعد اقرار الدستور، ويحدث الانتقال السلمي للسلطة في ظروف مواتية، ربما يتم خلال هذه المرحلة إنهاء أو تصفير للحياة الحزبية في البلاد لأن هذه الأحزاب أفسدت الحياة السياسية في البلاد، واقترح حل جميع الأحزاب السياسية. وسيصدر قانون يمنع قيام الأحزاب على أساس ديني وسيقدم في الدستور أو الإعلان الدستوري الذي يمكن أن يصدر، بما يحظر الإخوان وغيرها من الأحزاب الدينية التي تعتبر من لا ينتمي إليها كافراً، فحل الإخوان والأحزاب الدينية يمثل مطلب شعبي، فسيتم النص على عدم قيام حزب على أساس ديني؛ لأن في هذا إهانة للأحزاب الأخرى، وأي أحزاب تحصل على أموال من الخارج.
ـ ما هي تداعيات دعم دولة الاحتلال التركي العسكري للميليشيات التابعة للسراج بطرابلس في مواجهة الجيش الوطني الليبي؟
أردوغان كان واضحاً تماماً في توجيه أصابع الاتهام إلى نفسه وتقديم الأدلة كمخترق لقرارات أممية تتعلق بحظر السلاح، ومتورط في الحرب بالوكالة في ليبيا، والتي اعترف بها في تصريحاته التي قال فيها أنه سيقدم كل شيء لحكومة الوفاق، فضلاً عن أن تسليمه للأسلحة مباشرة إلى صلاح بادي مجرم الحرب بتصنيف مجلس الأمن الدولي. أما فيما يتعلق بتوازن القوى فلا أعتقد أنها ستؤثر على توازن القوى بين هذه الميليشيات وقوات الجيش القادرة على دحرها، ولكن سلوك أردوغان الخطر فيه يتمثل في تصعيد الأجواء في ليبيا، وخاصة أن قيادات هذه الميليشيات قالت أنها لن تتوقف عند حد استخدام هذه الأسلحة لمهاجمة مقر القيادة العامة للجيش الليبي في الرجمة، بل سيتوجهون بها حتى القاهرة، وهو ما يعني تقديم تهديد صريح للأمن القومي المصري.
ـ كيف أدت التطورات الأخيرة إلى تعطيل المشروع التركي في ليبيا خاصة أنه خلال الشهور الأخيرة تم ضبط العديد من السفن وشحنات الاسلحة التركية الموجهة للميليشيات؛ فيما أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن تسخير كل إمكانيات بلاده لدعم القوى المسيطرة على طرابلس؟
حدث تعطيل للمشروع التركي في ليبيا وفي المنطقة كلها، والجهود التي بذلتها كل الدول التي حاولت فضح الدور التركي مهمة جداً، ولكن في تقديري أن الضربة القاضية ستأتي من الشعب التركي نفسه، الذي انتبه من خلال جهود هذه الدول التي تصدت لأردوغان إلى خطورة هذا النظام الفاشي الذي يحكم بلداً من المفترض أنه ديمقراطي. وصحيح أن رجب طيب أردوغان ربما يقوم الآن ببعض الألاعيب التي يحاول من خلالها خداع الشعب التركي، ولكن الشعب التركي نفسه الذي قال للجيش في 2016 لا نريد وصايتكم هو الشعب نفسه الذي أسقط أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية الأخيرة. وبالتالي الضربة القاضية قادمة، وهو مؤشر على المستقبل الذي ينتظر هذا الحزب ونظامه المتطرف، والشعب التركي سينتفض في وجه السياسة الفاشلة لحزب العدالة والتنمية. لقد انتهت اللعبة وأعتقد أنه سيتلقى صفعة لم يتلقاها أي حزب على امتداد التاريخ التركي الحديث، والانتخابات القادمة سواء كانت البرلمانية أو الرئاسية، وأعتقد أن الشعب التركي سيوجه لهذا النظام الضربة القاضية التي ستتوج الجهود التي بذلتها العديد من الدول من بينها مصر لفضح حقيقة هذا النظام. هناك أطراف في ليبيا كانت تراهن على أردوغان وتحاول الاستقواء به. ولكن؛ سقوط أردوغان ربما يدفعهم للتعويل على فاسد آخر من تنظيم الإخوان، فأردوغان لم تكن قد ولدته أمه قبل ظهور تنظيم الإخوان، ونحن لا نعول على رحيل أردوغان أو مجيء غيره، فالتنظيم السري للإخوان يستخدم أردوغان وغيره وهذا التنظيم هو الذي أنتج أردوغان وسيعيد إنتاج نفسه بعد رحيله المرتقب. وفي الختام، أقول إنه علينا ألا نعول على رحيل أردوغان أو وصول غيره، بل علينا البحث في كيف يمكن أن نقيم ديمقراطيات حقيقية في بلداننا، ومساعدة شعوبنا على بلوغ مستوى النضج والوعي لمعرفة حقيقة أردوغان ومن هم على شاكلته وكل هذه التنظيمات الفاسدة.