الثقافة ودورها في بناء الفكر

56
أحمد اليوسف –

من الخطأ؛ والفادح أحيانا أن  نترك الأفكار والآراء على حالها، وأن نسلّمها لفكرة العادات والتقاليد أو الموروث الاجتماعي أحياناً أخرى، أو المفهوم العام أحياناً.
إنّ ذلك بمثابة أنْ نصدر بحقها حكماً بالسجن والانغلاق عن الحياة العامة والاستمرارية والتطور الذي نراهُ يوماً بعد يوم فكيف سنة بعد سنة؟ أو قرنا بعد قرن؟
لا ننكر أبداً أنّ بعض أفكارنا جاءت من قناعات وسلوكيات سائدة قبلناها كما هي، ولكن أن تصلح لكل زمانٍ ومكان فهذا غير ممكن، ومحاولة البعض لتطبيق فكرة من هنا وهناك أو قانون ما أو قاعدة ما،  أو نتيجة ما، ولو كانت  صحيحة مئة بالمئة في مكانها، لكنها قد لا تكون كذلك في مكان آخر. فلكل زمان ومكان ظروفه وعقليته وأناسه وشروطه وبيئته.
الجدية والرغبة في حياة سلمية تفرض علينا حتماً المرونة في الأفكار وقولبتها بما يناسب الزمن والمكان، والذكاء يفترض منا استنباط الأصل أو الأساس فيها والتطور والاستمرارية تفرض علينا قولبتها بما يناسب الوقت والمكان ويعود بأحسن وأنجح النتائج وذلك عن طريق أنجع السبل.
وأنجع السبل لتطوير أفكارنا هي الثقافة التي تجعل الحياة أبسط والصعب أسهل والأمور سلسلة جداً هي ببساطة تفكُّ العقد وتمد الجسور  بين العقول المختلفة المستويات وتقوي أواصر التفاهم والتواصل بين الشعوب جميعها.
والإنسان المثقف يتقبّل أمور ويحلل مواضيع ويناقش في قضايا تكون حقاً مبهمة عند الإنسان غير المثقف، أو الإنسان المتحجر نوعاً ما أو الإنسان النمطي.
لذلك فمجالات الحياة أوسع أمام من تثقّف بعلومها ونهل من مفاهيمها وجمع من مداركها الكثير، هذه هي الثقافة إنها ليست أن أكون ذكياً في مجال دون غيره أبداً، هي أن أكون على درجة من العلم والمعرفة بشتى مجالات الحياة العلمية والإنسانية والاجتماعية.
وأن أكون قادراً على أن أناقش وأعطي رأياً بأي موضوع قد يطرح أمامي فنياً أو سياسياً أو دينياً. وأن أكون قادراً على الموافقة أو الرفض لأن لدي مرتكزات أستند عليها، أخلاقية وتاريخية وشخصية، أقتنع بها وأرسم شخصيتي الثقافية من خلالها، وبذلك تساهم بنشر فكري أو تمثل تواجد قائم على ثقافة معينة تضمن لك أهلية محترمة في الأوساط المختلفة.
لذلك المجتمعات التي تسعى للتطور تسعى لنشر الثقافة من خلال المدارس والجامعات والندوات والمراكز الثقافية، وتوفير الفرص والوقت وغيرها وهذا يبدأ مع الجيل منذ نشأته في البيت والروضة والمدرسة والجامعة، وحتى وسائل التواصل الاجتماعي بجعلها منهلاً لنشر الثقافة.
المجتمعات المثقفة المنفتحة تتجاوز العادات والتقاليد التي في معظمها بالية. وتنطلق بالفكر من قوقعة الضيق والمحدودية إلى عالم رحب لا حدود لآفاقه طبياً وتكنولوجيّاً وإلكترونياً وفنياً ولوجستياً ..إلخ
أما المجتمعات غير المثقفة، فتتخبط في وحول الركود والأمراض والتخلف وتقع في مصيدة الديون وتبقى سوقاً للتصريف  وفئراناً للتجارب.
نيل الثقافة ليس بالأمر السهل، ويحتاج الرغبة والسؤال والمواظبة والاستمرارية على ذلك، والبحث لنصل إلى فكرٍ مثقف نفخر فيه جمعيًا يكون زاداً وزوّادة لغدٍ مشرق تلوح بشائره.