الحياة النِّديّة المشتركة ـ1ـ

141
إلهام أحمد –

تنبع مشاكل وقضايا المجتمع كافة من قضية الحياة بين الرجل والمرأة، حيث تم التلاعب بقيم هذه الحياة وتحولت إلى تناقض فيما بين الرجل والمرأة، وعلى وجه الخصوص بعد أن قامت مؤسسة الدولة بتحويل المرأة إلى ملكية عائدة للرجل والعائلة الأبوية.
فأحد شروط الحياة الحرة هو أن يتم إحياء العلاقة فيما بين الرجل والمرأة بالشكل الصحيح، وأن تلعب المرأة دورها الأساسي والطليعي في بناء المجتمع. وتطرق قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان في مرافعته الخامسة إلى حل هذه القضية بالحياة المشتركة الحرة، لأجل حل القضايا الحياتية وإحلال حياة حرة ومجتمع ديمقراطي. يتطرق قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان إلى قضية المرأة كموضوع أساسي ضمن المواضيع أخرى التي تشكل أساس قضايا المجتمع كافة والحياة التي يتم معايشتها في الوقت الحاضر.
فمن خلال اطلاعنا على أفكاره ودراستنا لها في المرافعات التي طرحها من إيمرالي، نلاحظ أن جميع مؤلفاته تشير إلى أن قضية الحياة المفروضة كعبودية على الإنسانية بكاملها التي كانت السبب في أسر المجتمع بكامله مرتبطة بقضية المرأة. فلو أردنا تعريف المرأة فهي تعني الحياة، ليست الحياة من الناحية الجسدية ولا من الناحية البيولوجية بل من ناحية المعنى التي تكنّها المرأة.
المرأة هي التي بدأت بالخلق والإبداع على جغرافيّة ميزوبوتاميا
فالمرأة تخلق معها الحياة، المرأة التي تقوم بخلق حياة وروح وجسد جديد تعني الحياة بحد ذاتها. وتعبر عن معنى الحياة. لو عدنا إلى التاريخ؛ نرى أنه كانت هناك حياة قبل ظهور سلطة وحاكمية الرجل السلطوي، وكان هناك مجتمعٌ ويدعى بالمجتمع الطبيعي. هذا المجتمع الطبيعي هو الذي خلقته المرأة، فالمرأة هي التي بدأت بالخلق والإبداع على أرض أو جغرافية ميزوبوتاميا، هذه الجغرافية التي احتضنت الكثير من الأشياء التي تم إيجادها لأول مرة. بدءاً من العلم والفلسفة والزراعة إلى غيرها من الأمور الأخرى.
فالأشياء التي أصبحت اليوم وسيلة لاستمرارية الحياة البشرية خلقت في تلك الجغرافيا. هذا الخلق والإبداع والابتكار تم على يد المرأة. وتمّ تنظيمها من قبلها. بمعنى آخر يمكننا القول بأن المرأة هي الخلاقة والمبتكرة والمبدعة الأولى التي ظهرت في تاريخ الإنسانية، إلا أنه ومع الأسف بعد مرور فترة وظهور النظام الذكوري السلطوي الذي يتم تنظيمه وتطويره بلون وثقافة الرجل، تم صبغ المجتمع بأكمله بلون الرجل. يذكر أن البشرية عاشت نظام المرأة الطبيعي منذ أكثر من عشرة آلاف عام، بل تمتد إلى خمسة عشر ألف عام. إلا أن تاريخ الحضارة وتاريخ السلطة الذكورية، والدولة والمركزية وتاريخ ذهنية ثقافة الرجل تطور على أساس نضال وكدح المرأة خلال خمسة آلاف عام الأخيرة وتطورت على أساس إنكار المرأة. أي إن نظام الرجل السلطوي لم يستطع أن يقوم بتنظيم نفسه إلا بعد القضاء وإنكار نظام المرأة.
مقولة يفتقد إلى المصداقية
لهذا السبب؛ فإن مقولة بأن التاريخ بدأ منذ خمسة آلاف عام، يفتقد إلى المصداقية. فهذا التاريخ يمكننا تسميته بتاريخ المرأة المخفي؛ لأنه لم يقم أحد بالبحث والتحقيق عن التاريخ الذي لم يتم تدوينه. حتى إن بعض الباحثين الذين يقومون بالبحث والتحقيق عنها عن طريق بعض القطع الأثرية التاريخية، يصلون إلى نتيجة ألا وهي بأن هناك تاريخاً قبل التاريخ، ووجود الأم والإلهة الخالقة في الفترة التي سبقت التاريخ ضمن هذا التاريخ. ولكن؛ منذ خمسة آلاف عام وإلى يومنا الراهن يمكننا القول بأن الرجل استطاع أن ينظم نفسه ويجمع المجتمع المحيط وفق عقليته.
فبعد ولادة النظام السلطوي الذكوري وولادة مؤسسة العائلة الصغيرة استطاع أن يطور نظاماً أحادي الإرادة ألا وهي إرادة الرجل حتى إنه في الكثير من الأحيان يتم تعريف المرأة بتعريف الرجل، أي وكأن الرجل هو الأساس ويتم تعريف المرأة به، حيث يتم التطرق إليها بهذا الشكل في بعض الميثولوجيات، والقصص والملاحم التاريخية والدينية أيضاً. فإن قصة نشوء المرأة من ضلع الرجل في قصة آدم وحواء تعبير واضح عن ذلك، أي إنها تفيد بأن المرأة جزء من الرجل، وعلى هذا الأساس تطورت هذه الفلسفة.
إن كل الأديان التي ظهرت تقول ضمن إطار فلسفتها وأيديولوجيتها بأن المرأة ناقصة وتعتبرها جزءاً من الرجل، أو المرأة تكمل الرجل. فالمرأة لا تساوي شيئاً من دون الرجل، ولا يمكن للمرأة أن تخلق شيئا وحدها، لا تستطيع المرأة العيش وحدها، فوجود المرأة مرهون بوجود الرجل، وعلى هذا الأساس قاموا بتطوير نظرياتهم.
النظريات التي ظهرت منذ آلاف السنين إلى يومنا الراهن جسدت ذهنية وخلقت نظاماً ضمن المجتمع، وقامت بخلق ثقافة. إذ؛ إن ثقافة الإبادة وثقافة الاغتصاب تستمد قوتها من هذا التقرب. إن إنكار ثقافة المرأة وإنكار تاريخ المرأة، وإنشاء نظام جديد وثقافة جديدة وبناء سلطة تستند إلى إنكار المرأة واغتصاب حقوقها. أي إنه يتم اغتصاب كل ما له علاقة بوجود المرأة، تبدأ من الجانب الفكري وصولاً إلى الجانب البدني، فإنكار المرأة من الناحية الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية خلق معه ثقافة الاغتصاب، وبهذا تم تهميش دور المرأة وبروز الرجل وتحولت المرأة تدريجياً إلى ملك للرجل.
هكذا نشأت مؤسسة الدولة. كما تم إنشاء مؤسسة العائلة في الفترة التي فقدت المرأة دورها. أي إن فترة استعباد المرأة وإنكار المرأة ضمن المجتمع وإنكار دور المرأة الخالقة أو المنتجة ولدت نظاماً لا يمكن لأحد إعاقته، وكل الحروب التي تتم في يومنا الراهن والدماء التي تنزف والقتل والنهب والدمار في كافة النواحي بدءاً من الاقتصاد وصولاً إلى السياسة كلها تستمد قوتها من ذهنية الرجل السلطوية.
نوعا الذكاء العاطفي والتحليلي
 وعند انفصال هذين النوعين من الذكاء عن بعضهما البعض يفتح المجال أمام ولادة كوارث فجيعةً. يقال بأن المرأة تمثل الذكاء العاطفي الذي يستند إلى العواطف بشكل أساسي. فإذا كان فقط هذا النوع من الذكاء حاكماً لدى شخص ما يؤدي إلى ظهور نوع من الاستسلام وللإرادة. وبالنسبة إلى الذكاء التحليلي؛ يعتبر الرجل أكثر تقدماً فيه وبنتيجة انفصال الذكاء التحليلي على حساب الذكاء العاطفي سبّب تطور الذكاء التحليلي إلى أبعد الحدود لدى الرجل. وقام بتنظيم المجتمع بكافة فئاته وفق هذا الذكاء. لهذا فإن حدوث الكوارث البيئية واندلاع الحروب العتيدة في العالم هي نتيجة الذكاء التحليلي الذي تطور بنسبة أكثر لدى الرجل، وبقاء الجانب العاطفي الذي تمثله المرأةً ضعيفاً وافتقادها لدورها المؤثر.
فعدم التوازن هذا خلق معه خللاً كبيراً في التوازن وساهم في عيش وإحياء انفصام في الحياة وانقسام وتنظيم حياة ضمن إطار ذهنية الرجل، مقابل بقاء الجانب الآخر ضعيفاً لدى المرأة.
يتضح من لوحة الحياة هذه بأن المرأة تحيا وضعاً سيئاً للغاية حيث نرى بأن الكثير من النساء يتعرضن للضرب والطلاق وتقوم الكثير منهن بالانتحار، فالمرأة في أحسن ظروفها تحيا أكبر عبودية.
فما هو سبب معايشة الوضع الحالي؟!
إن وضع الانتحار والقضايا الاجتماعية التي تتم معايشتها هي ناتجة من احتجاز المرأة. إن طبيعة المرأة ووفق ما وصل إليه العلم من تحليلات ونظريات تطرحها الفلسفة تبين أنه ورغم وجود اختلاف بين الجنسين من الناحية البيولوجية إلا أنه من ناحية الطاقة الكامنة، هناك طاقة هائلة وفي حركة مستمرة لدى المرأة، أي تستطيع أن تخلق معها التنوع في الحياة، وهي نابعة من ذكائها العاطفي.
فهذه الطاقة المحتجزة بحاجة إلى تدفق وجريان مستمر ولكن الحدود التي تم رسمها وتحديدها للمرأة أدت إلى تكوين شكل آخر للمرأة. أي تم إعطاء شكل للمرأة بذهنية النظام الذكوري. فالمرأة التي تأخذ مكانة ضمن السياسة والمرأة التي تعمل في الساحة الاقتصادية والمرأة التي تشرف على بيتها ولا تنضم إلى أي نضال اجتماعي آخر هي انعكاس للشكل الذي تم إعطاؤه للمرأة بذهنية الرجل.
هذا الشكل الذي تم إعطاؤه للمرأة والثقافة التي تم تخصيصها للمرأة هي نسخة لذهنية السلطة الذكورية. فتعامل الأهل لطفلين أي ذكر وأنثى في المجتمع مختلفة، وترسم الحدود والقوالب للفتاة منذ طفولتها مقابل ذلك عدم قبولها بالنسبة للفتى، تساهم في خلق انقسام وتفرقة وانفصال بين الجنسين. حتى إنه من خلال اللعب أو الدمى التي يتم تخصيصها للجنسين يتم تحضيرها للشخصية التي يريدون خلقها في المستقبل. فعند فرض هذه الثقافة منذ الطفولة عليهم تصل الفتاة عند بلوغها إلى قناعة بأن وجودها مرتبط بوجود الرجل من كل النواحي.
فتدريب المجتمع بكامله بثقافة الرجل أي تدريب كلا الجنسين بالذهنية الذكورية تضر بالجنسين معاً. أي لا يمكننا القول بأن هذا ذنب العائلة فقط، بل إنها نتيجة ذهنية النظام ذهنية الدولة المركزية.
كيف أن رئيس الدولة هو الآمر الناهي وكل القرارات تتخذ من قبله ويتم تنظيم البرلمان بلون الرجل، لهذا السبب لا نرى في هذا البرلمان أي موضوع  وقرار وقانون مرتبط بالمرأة ولا أي قانون يستطيع الدفاع وحماية حقوق المرأة، هذا البرلمان المتشكل من الرجال بالطبع ستكون السياسة التي سيقومون بتسييرها معجونة بذهنية الرجل وتتوافق مع مصالح السلطة والحاكمية.
السلطوية تقوم بما يخدم أو يضمن صيرورتها
أي إن تلك الحاكمية أو السلطوية تقوم بما يخدم أو يضمن صيرورتها. فإن وجب عليها الهجوم قامت بها، وإن وجب عليها أن تقوم بالتخريب تقوم بها، وإن وجب عليها اعتقال الأشخاص قامت بها أيضاً، فيتم اعتبار كل الأساليب والطرق السيئة مباحة لبقاء هذه الحاكمية والسلطة. وبالذهنية نفسها يتم تنظيم العائلة أيضاً. أي يمكننا القول بأن تلك العائلة هي المثال الأصغر لمجتمعنا الكبير. فتلك العائلة تعتبر البذرة الأساسية في ولادة الدولة.
أي إن النظام الذكوري ونظام الدولة قام بإنشاء نفسه بالاستناد إلى مؤسسة العائلة هذه. إن مؤسسة العائلة تلك تشكلت قبل أن تلد أو تتشكل الدولة، وإن مؤسسة العائلة تلك التي يقال بأنها في فترة قيام الرجل بالصيد كانت المرأة تقوم بالزراعة في بيتها كانت تسيّر أعمال الزراعة كانت الخالقة والمبدعة أما الرجل كان يتعلم من الصيد كيفية نصب المصايد والقتل ونزف الدماء.
كان على الرجل أن يتعلم كيفية نصب المصايد والقيادة والحيلة قبل أن يذهب للصيد. هذه المصايد التي استخدمها الرجل للصيد طورت هذه الذهنية وساهمت في تطور الذكاء التحليلي لديه بنسبة كبيرة، وكانت السبب في التطرق إلى التكتيك في أعماله الحربية، وطورت في الرجل رغبة تعلم القيادة وخاصية الرئاسة.