كنداكة ثورة تصنعها النساء السودانيات

177
  دلال جان  –

لقد تمكنت الحداثة الرأسمالية وفي وقت قصير من تنفيذ ما تربو إليه في منطقة الشرق الأوسط، من فوضى كانت تسميها هي بالفوضى الخلاقة وأصبحت المنطقة جاهزة للتغيرات الجديدة التي ستحدثها بعد الخراب والدمار التي لحقت بالمنطقة عموماً وما تعرض إليها شعوبها خصوصاً. ولعل المرأة كانت لها نصيبها الأكبر من المعاناة ولا سيما أنها مكبلة بأغلال العبودية الذكورية والدينية والعشائرية، وظهور جماعات الإخوان المسلمين أثرها الكبير في انحطاط المرأة حتى ظهور البرابرة من داعش الذين أوصلوها إلى أدنى مراحل الانحطاط والعبودية بكل معاني هذه الكلمة، وبدعم من الفاشي أردوغان الذي يدعم الجماعات المرتزقة في كل مناطق العالم, والسودان هي جزء من هذا الدعم، فكانت المرأة السودانية من النساء اللواتي كن ضحية لأفكار التطرف والعصبية الدينية, وتعرضن في ظل الأنظمة الحاكمة إلى التهميش والانحطاط، وخاصةً في دور عمر البشير الذي كان الأعنف تجاه المرأة ومنعها من ممارسة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وهذا كان حال جميع النساء في دول الشرق الأوسط، فمع انطلاقة ثورة الربيع العربي وانتشارها في دول عربية عديدة كان دور المرأة فيها شكلياً فقط ولم تأخذ منحاها التي يليق بها، هذه الثورات التي كانت مصيرها الفشل أو القمع من جذورها، ومع انتفاضة الثورة في السودان استطاعت المرأة السودانية أن تقلب الموازين وتلقى الصدارة في الحراك الثوري وقادت الثورة بفكرها وجسدها، كدلالة على رغبتها في التغيير وصنع القرار، فالمرأة حركت الثورة باتجاه آخر لتخطف صحف المجلات العالمية والعناوين الرئيسية على شبكات التواصل الاجتماعي والقنوات العالمية، وعبرت عن إرادتها الحرة والقوية كاسرةً كل القيود الدينية والاجتماعية التي رضخت لها المرأة السودانية لسنوات عديدة، فثارت على تاريخ شعب مليء بصور عبودية المرأة والتمييز الجنسي، لتعلن للعالم جدارتها وقوتها في تغيير قوانين المجتمع، ولتعلن أن المرأة السودانية مثلها مثل جميع النساء في العالم، تستطيع تغيير الواقع المرير وتحويلها إلى واقع تتمتع فيها المرأة بكل حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتشارك الرجل جنباً إلى جنب في كافة ميادين الحياة، والتعبير عن أرادتها بكل حرية، وتثبت للعالم وجودها كإنسانة حرة وقعت في مخالب الذهنية الذكورية التي جعل منها أمة وعبدة وآلة للأنجاب لا غير، ولتكسر حاجز الصمت الذي لطالما كبلت حريتها وتعلن تمردها على العادات والتقاليد المجتمعية البالية والذهنية والسلطة الذكورية، وتنادي بالمساواة بين الجنسين وحل قضايا المرأة، معيدةً صورة المرأة السودانية بأبهى صورة جمالية متخذةً من “الكنداكة” رمزاً للمقاومة والنضال والتضحية.
حيث كانت المرأة السودانية قديماً تلقب بالكنداكة، وهو اللقب الذي يعطي للملكات النوبيات كدلالة على قوة النساء اللواتي ناضلن من أجل حقوقهن ومن أجل كرامة وطنهم، لتأخذ المرأة السودانية عبر التاريخ إلى يومنا أدواراً عظيمة في النضال والمقاومة ولتصبح رمزاً ثورياً تنادي بحرية المرأة وتقول بأن المقاومة تمثل المرأة الحرة، فالمرأة السودانية أعلنت المضي في طريق المقاومة على الخطوط الأمامية للاحتجاجات والحراك الثوري حتى نيل حريتها وكرامتها، بالرغم من جميع وسائل القمع التي يستخدمها الميليشيات وقوات الأمن ضد الناشطات من أطلاق النار الحي والغاز المسيل للدموع والخطف والاغتصاب والزج في السجون، كل ذلك من أجل إعلاء أصواتهن بالحق والحرية والديمقراطية بهتافاتٍ؛ (أقتلني ولا تنتهك حريتي)، (المقاومة امرأة).