القهوة تراث موحَّد في العالم

139
إعداد/ هايستان أحمد –

ربّما لم يخطر ببال أحد معرفة من اكتشف القهوة، أو أنّ هذا المشروب سيوحد العالم من حيث الإقبال عليها، وربّما لم يحدس حينها أنّ صباحات الناس في أغلب أنحاء العالم لن تمرّ دون رشفة القهوة الساخنة، ليكون حضورها إيذاناً ببدء يوم جديد.
يعود اكتشاف القهوة إلى القرن الخامس عشر بشبه الجزيرة العربية، تحديداً باليمن، وارتبطت ببعض المجموعات الصوفية اليمنية “الطريقة الشاذلية” التي تعاملت معها كمنشط طبيعي كما سميّت أيضا بـ”القهوة الشاذلية” نسبة إلى علي بن عمر بن إبراهيم الشاذلي المتوفي في 1419للميلاد، وقد أثار استهلاكها ضجة كبيرة آنذاك، فذهب البعض إلى تحريمها وذلك بعد وصولها إلى مكة التي شهدت تأسيس أوّل مقهى في العالم في سنة 1500 ميلادي وأصدرت فتوى تحريمها في 1511 ميلادي، ومن ثم إباحتها بعد جدل طويل حسب ما جاء في كتاب “الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة” لصاحبه نجم الدين محمد بن محمد الغزي.
انتشار  ثقافة شرب القهوة:
 انتشرت القهوة بعد موطنها الأصلي اليمن في دول عربية كثيرة، وقد ساهم تجار اليمن في التعريف بها وقد دخلت أوّل مرّة إلى تركيا في سنة 1517، وذلك بعد فتح مصر، وأصبحت من ضمن السلع الغالية وذات القيمة العالية يتهافت عليها الناس، وقد عرفت الإمبراطورية العثمانية تأسيس 600 مقهى في 1570 ميلادي، وكان أوّل مقهى ملكاً  لتاجرين من سورية “حكم الحلبي” و”شمس الدمشقي” اللذان فتحاه في منطقة تاهتا قلعة بإسطنبول، ونقل الرحالة الأوروبي “جان دي لاروك” في كتابه “رحلة إلى الجزيرة السعيدة” ضمن حديثه عن القهوة، صوراً عن كيفية نقل القهوة من اليمن إلى تركيا ومن ثم توزيعها في البلدان الخاضعة لها.
ومع بداية القرن السادس عشر، شهدت أغلب الدول العربية بناء المقاهي وتقديم القهوة في أماكن مخصصة لهذا الغرض، وقد جاء في كتاب العمارة الذكورية لشاكر لعيبي، أنّ: “أحمد باشا حاكم مصر قد شيّد عند نهاية القرن السادس عشر من بين أشياء كثيرة، المقاهي في بولاق وفي حيّ رشيد”.
كما عرف عن المقاهي أنّها تجمعات للمعارضين، لذلك تمّ إغلاقها في اسطنبول وذلك في عهد السلطان مراد الرابع “القرن السابع عشر”، بسبب ظهور جماعات مناهضة لحكمه، أما محمد علي حاكم مصر في منتصف القرن التاسع عشر، فقد أرسل جواسيس لتفقد المقاهي خاصة وأنّها كانت تمثل تجمعاً للمواطنين الذين يخوضون في الشأن السياسي، كما ارتبطت بعض المقاهي في الدول العربية بأسماء المفكرين والكتاب الذين وجدوا فيها ملاذاً للتفكير والنقاش وأيضاً الكتابة، ومن أشهر المقاهي في التاريخ الحديث بمصر مقهى ريش بميدان طلعت حرب، تمّ بناؤه سنة 1908، وكان يجمع أكبر المثقفين والكتاب بمصر كنجيب محفوظ ويوسف إدريس وأمل دنقل وصلاح جاهين، كما احتضن مقهى ريش ندوات نجيب محفوظ الأدبية وندوات توفيق الحكيم وغيرهم من الكتاب المصريين.
 المقاهي وجهة المثقفين:
واشتهر مقهى الزهاوي ببغداد نظراً لكونه الأقدم، حيث تأسس في 1917، وعرف باسمه الزهاوي نسبة للفيلسوف جميل صدقي الزهاوي الذي كان أحد رواده، كما كان الشاعر بدر شاكر السيّاب والفنان ناظم الغزالي وعلي الوردي وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بهذا المقهى إلى يومنا هذا، والذي مازال محافظاً على طابعه الثقافي، وكتب بعض الشعراء العرب عن القهوة، لعلّ أشهرهم محمود درويش الذي قال:
“القهوة لا تُشرب على عجل
القهوةٌ أخت الوقت
تُحْتَسى على مهل
القهوة صوت المذاق
صوت الرائحة
القهوة تأمل
وتغلغل في النفس
وفي الذكريات”.
 لم تكن له القهوة مجرّد مشروب، بل صنع من خلالها كينونته، إذ هي ترمز إلى الأرض تارة، وتذكره بأهله وخاصة والدته، حيث قال: “أحنّ إلى خبز أمّي وقهوة أمّي” تارة أخرى.
 لقد شكلت القهوة في عرف العرب رمزاً للكرم والحفاوة، والفروسية وأيضا مصدراً للإلهام والكتابة، والغزل الجميل، إنّها القهوة العربية التي اختزلت كل هذا في فنجان صغير.