ميزوبوتاميا مهد المدنية المركزية

176
إنَّ التمحيصَ والتدقيقَ في المدنيةِ المركزيةِ كمُكَوِّنٍ أو كوحدةٍ هي الأكثرُ أساساً في التاريخ، يتميزُ بأهميةٍ منهَجِيةٍ أولية؛ كَونَها تُشَكِّلُ العمودَ الفَقَرِيَّ للتاريخِ الكونيّ، وتُعَدُّ ميزوبوتاميا نَبعَها الأُمّ، وتتدفقُ دون انقطاعٍ مُتجاوِزَةً في عمرِها الخمسةَ آلافِ سنة. أما أساليبُ التعاطي الطبقيِّ الاقتصاديِّ الضيقِ في هذا الشأن، والأساليبُ المتمحورةُ حول دولةِ القانونِ أو الدولةِ القومية، أو تلك القائمةُ على نظامِ الإنتاج؛ فهي بعيدةٌ عن عرضِ تكامُلِ التاريخ. ونخصُّ بالذكرِ أساليبَ التاريخِ الأصغرِ الوضعيّ، التي تستفحلُ طردياً، حيث وكأنها تتَكَفَّلُ بِدَورِ مجزرةٍ حقيقيةٍ للمعنى. ذلك أنَّ تحليلَ التاريخِ بالعناصرِ الاختزاليةِ المنفرةِ بذاتِها، وعلى رأسِها عناصرُ الفردِ والحدثِ والسلالةِ والأمةِ والدولةِ والطبقةِ والاقتصاد، وجعلَه سرداً بالتأسيسِ على ذلك؛ إنما يُفضي إلى تَشتيتِ الحقيقةِ وقتلِها. هذه السرودُ الخُرافيةُ المُطَوَّرَةُ في كنفِ الهيمنةِ الأيديولوجيةِ للاحتكاراتِ الرأسمالية، تؤدي دوراً دعائياً بأغلبِ جوانبِها. لا ريب في ضرورةِ وأهميةِ السرودِ الانفرادية، لكنها لا تَخدمُ استيعابَ الحقيقةِ كَكُلٍّ متكامل، ما لَم تتَّحِدْ أو تتماهى مع تدفُّقاتِ التاريخِ الكونيّ. سردُ التاريخِ موضوعٌ إشكاليٌّ جداً في حاضرنا. فالسرودُ السليمةُ تقتضي القوةَ والجهودَ العظيمة. إني أتحدثُ عن الجهودِ الفكريةِ وعن قوةِ الممارسةِ على السواء. إذ من المُحالِ تحليل مجتمعاتِ المدنية، ما لَم تُفهَمْ ميزةُ السلطةِ بأنها رأسُ مالٍ يندفعُ دائماً وراءَ الربح. وفي الحقيقة، لا يمكن النجاح في فهمِ السلطةِ تماماً، ما لَم يتمّ التفكيرُ في كَونِها رأسَ المالِ الأكثرَ صفاءً وتنظيماً. من غيرِ الصائبِ التفكيرُ في رأسِ المالِ بأنه مَحضُ اقتصاد (الأمرُ سَيّان بالنسبةِ للماركسيين والليبراليين) أو محضُ سياسة (التعاطي الدولتيُّ القوميّ). في حين أنَّ اصطلاحَهما كثُنائيٍّ يُوَلِّدان بعضَهما، وكظاهرتَين تَوأمَين لا غِنى لبعضهما عن بعض، سيُسفِرُ عن نتائجَ أدنى إلى الحقيقة.
بالمستطاعِ تأطير نظامِ المدنيةِ المركزيةِ بهذه التعاريف، وتقييمه بأنه نظامٌ تاريخيٌّ – اجتماعيٌّ ذو عمرٍ يُناهزُ الخمسةَ آلافِ سنة. كما بمقدورنا ترتيبه على شكلِ ثلاثةِ مُشتَقَّاتٍ رئيسيةٍ وحِزَمٍ تحتيةٍ عديدة. أَوَّلُها؛ الظهورُ السومريُّ الأصلي. فإكثارُ مثالِ أوروك من ذاته، قد أفسَحَ المجالَ أمام مُراكَماتٍ مدينيةٍ متعاظمةٍ كالتيهور. المنطقةُ المِحوَر هي ميزوروتاميا السفلى. والقوةُ المهيمنةُ هي دولةُ مدينةِ أوروك، التي استمرَّت قُرابةَ خمسمائةِ سنة، وشَيَّدَت أشباهَ أطرافٍ وكولونياتٍ في كلَّ مكانٍ تَمَكَّنَت من بلوغِه. كما بإمكاننا التبيان أنّها نَظَّمَت الهلالَ الخصيبَ بأكمله على شاكلةِ مركزٍ وأطراف. وحصيلةَ الأزمةِ الناجمةِ عن الظروفِ التي عاشَها النظامُ في أعوام 3000 ق.م، فقد انتقَلَت قوةُ الهيمنةِ إلى مدينةِ أور. دامَ عهدُ أور قُرابةَ ألفِ عامٍ تتخلَّلُه مختلفُ الأزماتِ بشكلٍ متَقَطِّع. بإمكاننا تقييم فترةِ ما بين 3000 – 2000 ق.م كعهدِ أور، التي وَرِثَت عن أوروك كامِلَ دورِها في تمثيلِ المركزِ والأطراف، مع توسيعِ النطاقِ وإكثارِ المَدائِن. فحركةُ التّمَدُّنِ حَقَّقَت تطَوُّراً في مناطقِ المركزِ والأطرافِ بما يَفوق عهدَ أوروك بكثير. إننا نَشهَدُ دَزِّيناتٍ (حِزَماً) من التَمَدُّن. هذا وازدادَ التنظيمُ في المجتمعِ أفقياً وشاقولياً، وتَطَوَّرَت الكتابة، وتَمَأسَسَ العِلمُ والتعليم. فَما نيبور سوى ضربٌ من المدينةِ الجامعية. حيث شُيِّدَ عَدَدٌ غفيرٌ من الكولونياتِ على شواطئِ نهرِ الفرات وفي الجِوارِ القريب، كمدينةِ سوس في منطقةِ عيلام التي تقع شرقيها، وحلب وإيبلا في غربيها، وماري وكازاز Kazaz في شماليها.