حازم صاغيّة: الراديكاليين والقومين العرب عملوا على إظهار الكرد بأنهم الخطر القادم

153
 رغم معرفتي بعدد من الكرد وصداقتي مع بعضهم، فإنّ التماس الأساسيّ لم يكن مع أشخاص، كان أساساً مع قضيّة حقّ ومظلوميّة، لقد تغيّر الكثير من قناعاتي على مدى السنين، ومع هذا بقي الحقّ الكرديّ من ثوابتي القليلة، وأضاف: “مرّة كتبت، وهو ما لا أزال أؤمن به، أنّ الوقوف إلى جانب الحقّ الكرديّ ليس فقط معياراً لإنسانيّة العربيّ، بل هو أيضاً طريقه لتنظيف ضميره. أعتقد أنّ العروبة ولّت قبل عقود، لكنّ الرغبة في عدم دفن الميّت تتسبّب بانبعاث روائح كريهة، في هذا المعنى تتناسل العروبة الميّتة مع أنّ الأموات لا يتناسلون، وهي تتناسل بأشكال كثيرة، منها الإسلام السياسيّ الراديكاليّ ومنها الهويّات المتعصّبة المحتقنة في جميع بلدان المنطقة حتّى لو تسمّت بأسماء أخرى، بعضها مناهض للعروبة. وكمثال على أن “الايديولجيات لا تسقط بسقوط أنظمتها السياسية” تجربة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي قائلاً: ” إنّ نوري المالكي، مثلاً لا حصراً، لا يشتهي إلاّ أن يكون صدّام حسين شيعيّاً.
إنّ شعوراً بخيبة الأمل يجتاحني، كنت أظنّ أنّ أكراد العراق سيبنون تجربة أقلّ فساداً وتمسّكاً بروابط القرابة ممّا بنوا فعليّاً، وكنت أظنّ أنّ كرد سوريّا سيتصرّفون بموجب رحابة وذكاء لم يتصرّفوا بموجبهما، وما أخشاه هو أن يكون الوعي السياسيّ الكرديّ لم يعد يتحرّك وفق غرض إيجابيّ كالاستقلال وبناء الدولة، بل باتوا يتحرّكون وفق غرض سلبيّ هذه القوميّة الضدّيّة والمشحونة ستكرّر مأساة القوميّة العربيّة، وهي لن تقود الأكراد إلاّ إلى المكان الذي تولّت القوميّة العربيّة قيادة العرب إليه.
جاء ذلك خلال الحوار الذي أجراه المركز الكردي السويدي للدراسات مع الكاتب والصحفي اللبناني حازم صاغية والذي تناول جوانب عن تجربته وأفكاره ومواقفه حيال الكرد وقضاياهم وحقوقهم ودور الكرد حاضراً ومستقبلاً والأزمة السورية، وإليكم نص الحوار:
متى كان التماس الأوّل مع الكرد، على الصعيد الشخصي والسياسي والفكري، وكيف كانت الانطباعات قبل هذا التماس وبعده؟
رغم معرفتي بعدد من الكرد وصداقتي مع بعضهم الآخر، فإنّ التماس الأساسيّ لم يكن مع أشخاص، كان أساساً مع قضيّة حقّ ومظلوميّة، لقد تغيّر الكثير من قناعاتي على مدى السنين، ومع هذا بقي الحقّ الكرديّ من ثوابتي القليلة، مرّة كتبت، وهو ما لا أزال أؤمن به، أنّ الوقوف إلى جانب الحقّ الكرديّ ليس فقط معياراً لإنسانيّة العربيّ، بل هو أيضاً طريقه لتنظيف ضميره.
في لغة كتابتك لمقال الرأي أو التعليق – التحليل السياسي، يمكن أن يلحظ مستوى من البلاغة الأدبيّة في التراكيب والجُمل ومع ذلك، لا نجد عملاً أدبيّا: رواية أو شعر لماذا؟
أوّلاً شكراً على وصف لا أستحقّه، واقع الحال أنّني وضعت أقداماً صغيرة في الكتابة التي يمكن تسميتها كتابةً أدبيّة، يندرج في هذه الخانة كتابي “هذه ليست سيرة” ثمّ كتاباي “رندة الترانس” و”أنا كوماري من سريلانكا”، وقريباً جدّاً سيصدر لي عن “دار الساقي” كتاب قصص قصيرة بعنوان “جيرمين وإخوانها”.
ثمة من ينظر إلى حازم صاغية على أنه ضمن التيّار الديمقراطي الليبرالي في المنطقة، وثمة من ينظر إليه على انه معادٍ لحزب الله والخمينيّة والمشروع الإيراني في الشرق الأوسط… إلى أي التوصيفين أنت أقرب؟
لا أدري؛ أنا معادٍ لكلّ الأنظمة والتنظيمات التي تعادي الحرّيّة للأفراد أو للشعوب والجماعات وهذا ما لا يمكن الحياد عنه، وفي الحقيقة لا أعرف إذا كان هناك “تيّار” ديموقراطيّ ليبراليّ في المنطقة لأنني أشك في ذلك، إنّنا، بعد الجمع والطرح، قلّة من الأفراد لا يعطون الأولويّة لجماعاتهم الدينيّة والإثنيّة والطائفيّة، في رأيي، هذا هو الشرط الأساسي.
قبل عقد ونيّف من الثورات والانتفاضات في العالم العربي كتبتَ “وداع العروبة” بعد مضي ما يزيد عن خمس سنوات على هذه الثورات، ماذا ودّعت؟ أو ماذا سنودّع؟
أعتقد أنّ العروبة ولّت قبل عقود وأفل بريقها لكنّ الرغبة في عدم دفن الميّت تتسبّب بانبعاث روائح كريهة، في هذا المعنى تتناسل العروبة الميّتة مع أنّ الأموات لا يتناسلون، وهي تتناسل بأشكال كثيرة، منها الإسلام السياسيّ الراديكاليّ ومنها الهويّات المتعصّبة التي تولد الحقد والكراهية في جميع بلدان المنطقة، حتّى لو تسمّت بأسماء أخرى، بعضها مناهض للعروبة.
 -بعد سقوط نظام صدّام حسين، كتبت عن البعث العراقي ونظام صدام “قياماً وحطاماً” وسنة 2012 كتبتَ عن “البعث السوري تاريخ موجز هل تسقط الآيديولوجيات بسقوط أنظمتها السياسيّة الحاكمة؟
للأسف، لا يفاقم أمرنا أنّ الأسباب المولّدة للمرض الأول لا تزال حيّة تُرزق، بل لا تزال ذات بطن خصب لها، ولهذا لا تزال الأمثلة هي نفسها ولا يزال التوق والرغبة كما كانا عليه، إنّ نوري المالكي، مثلاً لا حصراً، لا يشتهي إلاّ أن يكون صدّام حسين شيعيّاً، إلاّ أنّ توازنات القوى وحدها، ولا الأخلاق ولا المعرفة ولا الاتّعاظ بالتاريخ، ما يمنعه أن يكون كذلك.
هل هنالك حقّاً تورّط أو ضلوع للنخب الثقافيّة والفكريّة العربيّة في تغذية وترويج الرواية الرسميّة عن الكرد، وتصويرهم على أنهم الخطر الذي يتهدد مستقبل الأمّة العربيّة وامنها القومي أم أن الأمر مبالغ فيه؟
بالتأكيد تولّى مثقّفو الراديكاليّة القوميّة العربيّة نشر هذه الصورة وتعميمها، لقد ظنّوا أنّ الاعتراف بالحقّ الكرديّ يحرم العرب من صورة المظلوميّة التي دأبوا على توكيدها، لا سيّما حيال إسرائيل، لكنّ الأمر ليس فقط إيديولوجيّاً، إنّه أيضاً جهازيّ كما يتبدّى في المثقّفين العاملين في خدمة الأنظمة التي روّجت القوميّة العربيّة وخرافاتها، وحتى السياسيين دخلوا في تلك المتاهة التي تظهر الكرد بتلك الصورة المغلوطة.