أين كان الأدباء؟

68
رامان آزاد. –

مخطئ من يعتقد أنّ الأديبَ يعطي، بل من يُحسِن الاغترافَ فينتقي من منهلِ الفكرِ الأنقى والأصفى ويخطّه رسماً وأحرفاً فتغدو دفقاتٍ من المعاني والمشاعر والانفعالاتِ لترسمَ صورةَ الإنسانِ، إذ لا نختلفُ عن الأديبِ في مشاعرنا، إلا أنّنا نعجز عن ترجمة مشاعره وصوغها في كلمات، والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي يجعل النتاج الفكريّ والمعنويّ يرتقي لمستوى الأدب؟
يعتقدُ كثيرون أنَّ كلَّ ما تخطّه الأقلامُ هو أدبٌ، بتركِ الحبلِ على الغاربِ لكلِّ من هبَّ ودبّ، والحقّ أنّ غالبها لا يعدو كونه مجردَ كتاباتٍ للتسلية وأشكالاً من البوح الوجدانيّ لا يُصنّفُ أدباً وفقَ معايير أكاديميّةٍ يُعتدُّ بها، وإذا كانتِ النارُ محكَّ الذهبِ فالنقدُ وحده ميزانُ التقييم لتبيانِ الغثِّ من السمينِ وتمييز مجرّد الكتاباتِ عن الأدب. فالكتابة عملٌ يقترب من ضفة العبثِ قد ينفصلُ عن الواقع ولعله على سبيل المشاغلة، وأما الأدبُ فيعي الواقعَ ويعيشه ثم يوثّقه في أيّ قالبٍ شاء (قصيدة، قصة، مسرحيّة، خاطرة،..)
والارتقاءُ بالسويةِ الأدبيّة يتطلبُ تطوير آليات النقد، وتحسين الذائقة الأدبيّة، لتمنحه المناعة وتدرأ عنه الوقوع في درك الإسفاف، وهوة الابتذال، فتضيع بوصلة الأدب، وتورثُ نتائج سلبيّة تنعكس في علاقاتنا وأسلوب حياتنا.
إذا كانت الثقافة هوية المجتمعيّة الأخلاقية والمعنويّة فالأدبُ الرصين والملتزم يعدُّ شهادات تقدير استثنائيّة، وخصوصيّة الأدب تساير خصوصيّة الشعوب، وكلّ ما عداه هو ترجمة وهو قناة نقل تلك الخصوصيّة إلى الشعوب الأخرى، ويرسم الأدبُ مساراتِ الثقافةِ العامة ويؤثّر في مجملِ السلوك العام، كما يُعتبر حجّةً ومرجعيّة لحفظِ اللغةِ وتصويبها من انحرافِ اللكنات واللهجاتِ.
والمفارقة اليوم، أنّ الأدبَ لا يحوزُ مقامَ التقديرِ الذي يستحقّه، بل تجلده المجتمعات بالهجر، وتتبنّى أنماطاً من المنتجِ الرديءِ فتحوطه بالثناء وتمطِره بالمجاملاتِ المجانية، لترسّخَ حالة الهبوط والابتذال، فيما تشيع ظاهرةُ تسليعِ الأدبِ كأفدح الجرائم بحقّه، إذ ينطوي على انتهاكِ حرمته، وبالتالي الإساءة إلى المجتمع حاضراً ومستقبلاً.
يجب ألا نلومَ الآخرين بتزويرِ التاريخِ، لأنّ الأدبَ توثيقٌ من نوعٍ آخر للأحداثِ والوقائع، وما يُكتبُ زمن الحرب يختلفُ عما يُكتبُ زمنَ السلم، ولننظر إلى آثار أدبيّة كبيرة ومنها مسرح شكسبير كيف قدّم طبيعة الحياة وأخلاقياتها في عصره. وأسلوب المقاربة التاريخيّة للنص الأدبيّ historical approach منهجٌ نقديّ لتقييمِ النص، وبنفس الوقت لدراسةِ التاريخ. ومصطلح النص النموذجيّ typical text يعني هذا المعنى بالضبط أي في كلّ مرحلة نماذج عامة يقتفيها الأدباء.
وإذا أخذنا أدبَ الثورة البلشفيّة وبدايات الحقبة السوفيتيّة نموذجاً سنجد أنّ الطابع العسكريّ يغلبُ عليه بسببِ الحربِ الطويلة التي خاضتها شعوب الاتحاد السوفييتيّ، وربما تدينُ الشيوعيّة لدرجةٍ كبيرةٍ لأدبائها من أمثال فيودور دستوفسكي من عملاقة الأدب الروسيّ ومؤلف الروائع “الجريمة والعقاب”، “الأخوة كارمازوف” و”الأبله”. وقال عنه فريدرك نيتشه “هو الوحيدُ الذي أفادني بعلم النفس”، كان اكتشافي له يفوقُ أهمية اكتشاف ستاندال”، والمسرحيّ والقصصيّ أنطون تشيخوف، وليف تولستوي من أعظم أدباءِ الروس بالإضافةِ وكان مصلحاً اجتماعيّاً ومفكّراً أخلاقيّاً، ومن أشهر أعماله رواية “الحربُ والسلام”. وكان مكسيم غوركي رائد الأدب الثوريّ الشعبيّ الروسيّ ناشطاً سياسيّاً ماركسيّاً، واشتهر بروايته “الأم”. فيما يعدّ ألكسندر بوشكين: أمير شعراء روسيا، كتب رواية “ابنة الضابط”. وأما نيقولاي غوغول فهو من آباء الأدب الروسيّ، ومن أشهر أعماله قصة “المعطف” ويقول دستوفسكي: “كلنا خرجنا من معطف غوغول”.
في نموذج آخر للتأثير المتبادل بين الثورة والأديب كانت الثورة الفرنسيّة، فقد وُصف “فرانسوا ماري آروويه” المعروف بـ فولتير بأنّه عقل الثورة الفرنسيّة، ولا يمكنُ تجاهلُ أثر جان جاك روسو في الثورةِ وتطوير الاشتراكية، وإبداعه بالأسلوبِ النثريّ الغنائيّ، كما أظهرت رواية فيكتور هوجو “أحدب نوتردام” ذوقاً رومانسيّاً يتعطش للقرون الوسطى. ومع الثورة الفرنسيّة، انفجرت ينابيع الأدبِ الرومانسيّ ومن رواده: فرانسوا رينيه دو شاتوبريان، ألفونس دو لامرتين، ألفرد دو موسيه، وجوتيه، ألفرد دو فيني.
ونسأل ما هو انعكاسُ الحدثِ العفرينيّ في أدبنا؟ كم هو عدد النصوص التي ترتقي لتكونَ أدباً بعد الحدثِ الجلل، واقعاً لا أجد لا العويل والنواح والتفجّع لا يرتقي لأدب الرثاء. وما يميّز الأديب أنّ الملكات عنده تتفجّر فرحاً وترحاً، وأما أن يتخذَ مقاعِدَ البطالةِ فذلك ليس شأن الأديب بشيء، بعد عفرين ظهرت أعمال شعريّة كُرّست للغناء، أو قصائد مبعثرة للاشتراك في مسابقة أو مهرجان، فيما المطلوب ثورة أدبيّة وتسونامي للدواوين وسيلاً من الأدب القصصيّ لمقاومة العصر. فيما تغيب الرواية وقصة غيابها قديم، لأنّها بالأساس لم تتطور.
طبعاً هناك خلطٌ كبيرٌ بين مصطلحي المثقفِ والأديبِ، ربما لدينا أعدادٌ ضخمة من المتعلمين وطوابير من المثقفين إلا أنّ ثمة انكفاءً عاماً، فالنشاطات والأعمال لا تتناسب وعددهم، والحال أصعب بالنسبة للأدباء، وقد لا يطرح السؤال اليوم، فالحاضر نعيشه، إلا أنّ جيلاً قادماً سيضعنا في قفصِ الاتهام ويسأل: أين كان الأدباء؟ وماذا كان دورهم؟ وسيسأل عن الميراث الأدبيّ؟