كيف يكون حال أم بلغت الستين مع ابنتيها المريضتين ولا مُعيل لهن، في مخيم الطويحينة ؟؟؟

203
روناهي/ الطبقة ـ تعيش في مخيم الطويحينة على أطراف بحيرة الفرات نازحة من ريف حمص، لا مُعيل لها، وتقوم برعاية ابنتيها المريضتين، لتحمل على عاتقها حملاً ثقيلاً مع بقية النازحين السوريين، إنها الأم مطرة الشحادة التي أثقلَ كاهلها عبء الحياة في النزوح.
يصادف الإنسان العديد من الحالات الإنسانية وأغلبها يؤلم القلب ويُدمي الفؤاد، وكيف لا وقد يتعرض الكثير من المرضى للحزن الشديد نتيجة لإصابتهم بالمرض، وهناك من يصاب بالعاهات الدائمة والأمراض المزمنة وقد يكون هذا المرض منذ الولادة مما يشكل عبئاً كبيراً على الأهل وخصوصاً الأم، وتتحمل الأم الكثير من الواجبات التي تلقى على عاتقها، وتلك المعاناة تنعكس على وضع عائلة المريض بشكلٍ كامل، لكن الحالات الإنسانية تحفز العديد من الأشخاص للبحث عن تلك العوائل والأسر ليهتم بوضعها من أجل التخفيف من آلامهم ما أمكن، وقد يزيد من آلام المرض العوز للمال والحاجة الملحة للطعام، وإن فقدان أبسط متطلبات العيش لدى المريض يجعله في حالة نفسية متعبة، لكن وجود عائلة فيها مريضين مصابين بضمور وشلل دماغي يرهق كاهل الأسرة ويزيد من عذابها النزوح والهرب من ظروف الحرب واللجوء في مخيم يفتقد إلى أبسط أنواع العلاج.
معاناة النزوح تزيد من مأساتها
ويضيف موضوع النزوح الكثير من الأسى لدى كل العوائل النازحة ومن بينهم مسألة ترك ديارهم ومنزلهم والهرب بما يحملون من الثياب التي على أجسادهم، ويزيد العذاب عندما يكون النازح كبيراً في السن ولا يستطيع أن يعيل نفسه، وخصوصاً عندما يكون المعيل مريضاً ولديه حالات خاصة من المرض بين أفراد العائلة.
وفي جولة كاميرا روناهي في مخيم طويحينة شاهدنا الكثير من مآسي والأمهات اللاتي فقدن أبنائهن، لكن لفت نظرنا إحدى النازحات وهي مطرة شحادة الشحادة النازحة من ريف حمص، من قاطني مخيم طويحينة وابنتيها المصابتين بأمراض قد لا يكون الشفاء حليفهما على مدى حياتهما.
معاناة مطرة في النزوح مع ابنتين بالعراء
ومطرة الشحادة امرأة بلغت من العمر حوالي 60عاماً، وهي نازحة من ريف حمص البادية الجراح كانت  تبدو للوهلة الأولى أنها تجلس أمام خيمتها المهترئة تغسل بعض الملابس الرثة والقديمة، وحولها ابنتاها تنظران يمنة ويسرى دون هدف يحدقون بما حولهم لا يعرفون سوى الصياح والكلام الذي لا محتوى لفهم ما تقولان.
وبهذا السياق نوهت مطرة بالقول: “عند خروجي من بلدتي أنا وابنتي عانيت الكثير والكثير على الطريق، مشينا طويلاً في البراري حتى توقف لنا أحد مالكي الجرارات يحمل عائلته وأطفاله في المقطورة بعد حدوث القصف، لقد أصيب الأطفال بالزعر من ابنتي لأنها كانت تبكي وتصيح وسرنا معهم إلى أن وصلنا إلى منطقة يخيم بها الناس نزلنا فيه أنا وابنتي وهو تابع مسيره إلى أهله، وهنا بدأت المعاناة الفعلية حيث لم أكن أحمل حتى قارورة ماء، وطلبت من إحدى النازحات عبوة وملأتها بالماء وأعطتني بعض الخبز ونمت مع ابنتي بالعراء لا فراش ولا غطاء ولا وسادة، وبعدها كنت أتدبر أمري من بعض الناس الذين يطبخون ليطعموا أولادهم، ثم أعطوني خيمة “شادر”، لآوي فيها أنا وابنتي وكان وضعي مع ابنتيَ سيء للغاية، حيث كنت بحاجة إلى تغيير ملابس ابنتي “إسعاف” كل فترة، واستمر هذا الوضع إلى أن جئت مع بناتي مع أحد العوائل التي اتجهت إلى هنا لهذا المخيم طلباً لأبسط مقومات الحياة، ورغم ذلك خاب ظني فلا أحد يسأل سوى الجيران الذين يقطنون في المخيم وحالهم كحالي، لكنهم أفضل مني رغم أنهم لا يملكون شيء، بينما أنا أعاني من مرض ابنتيَ “إسعاف وغزيه”، ومع ذلك كنت آمل أن يتحسن الحال يوماً بعد يوم لكن للأسف تمضي الأيام وتزيد آلامي وأوجاعي مع عدم وجود أي معيل لنا”.
ابنتي مصابة بشلل دماغي منذ الطفولة ولا تفقه شيئاً
 وحدثتنا الأم مطرة عن ابنتيها لتروي لنا معاناة حقيقية معهما، حيث قالت بأن ابنتها الكبرى إسعاف الحسين المحيميد تبلغ من العمر حوالي 35 سنة، وهي لا تفقه حديث أمها فأنها مصابة بشلل دماغي منذ الطفولة لا تعرف شيئاً، وتقول أمها أنها هي من تقوم بكل شيء لابنتها من طعام وشراب وخروج ومنامة، وتابعت قائلةً: “لقد فقدت الأمل منها بشكلٍ نهائي فحالتها صعبة حتى أنها كانت مريضة لا تقوى على الحركة، ومنذ أيام أصيبت بالزكام والإقياء والإسهال الشديد، فكنت أرعاها بشكلٍ مستمر لكن صبري ينفذ منها في أوقات التعب والإرهاق بعد أن تستنفذ كل طاقتي في مساعدتها، فهي تملك ثوبان أحدهما مهترأ وعندما كانت تلوث ثوبها الأول أغسله لها وقبل أن أنتهي من غسيل ثوبها كانت تلوث ثوبها الآخر نتيجة الإسهال وعدم معرفتها بالكلام، إنني أعاني كثيراً، كيف يكون حال أم بلغت الستين ومريضة مع ابنتيها المريضتين ولا معيل لها”.
أغلب الأحيان أبحث عن بعض الأعشاب لنسد جوعنا !!
أما أختها الأصغر سناً غزية الحسين المحيميد تبلغ من العمر حوالي 32 سنة، وهي تعاني من مرض نفسي كان بسيطاً في مرحلة من المراحل لكن فقدها لحياة أقربائها في الحرب وعدم معرفة ماذا حل بأخيها وهل هو على قيد الحياة أم في عداد الموتى، جعل منها وحيدة في الحياة لا تتحدث مع أحد من الناس وتلازمها حالة من العصبية وتثار عند حاجتها لأي شيء كشرب الماء أو حاجتها للطعام، وأردفت الأم مطرة قائلةً: “تراها تتحدث مع نفسها في كثير من الأحيان، وهي بهذه الحالة منذ تعرض منطقتنا في ريف حمص لقصف الطيران، وتراها في فترات تبكي وتضرب نفسها دون أن يستطيع أحد من الموجودين إيقافها، كان طبيبها المعالج في مدينة حمص يعطيها الدواء وهو يعرف تماماً ما دواءها، وهذه الدواء كان يساعدها على ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وعند ترك الدواء تسوء حالتها وفي كل مرة عند زيارتها للطبيب تتحسن، ولكن بعد فقدان أقربها وضياع مكان أخيها وعدم معرفتنا بوجوده زاد الطين بلة، وما زاد في حالتها تأخراً وسوءاً هو عدم مراجعة الطبيب لأننا خرجنا من منطقتنا دون وجهة محددة”.
ونوهت الأم مطرة قائلةً: “اليوم لا نملك حتى أبسط مقومات الحياة، ولا نملك مالاً لشراء حاجياتنا فكيف نذهب بها إلى الطبيب ليتم علاجهما”.
وتقول الأم في حيرة من أمرها وفي غضب على ما وصلت له الأمور: ” أصبحنا نتمنى الموت في كل لحظة حتى ينتهي عذابنا، كيف لا وقد أصبحت أكل أوراق الأشجار وفي أغلب الأحيان أبحث عن بعض الأعشاب التي توجد في المكان لتناولها، هنا في المخيم يوزعون بعض الخبر كل فترة، لكن ذلك لا يكفي ونحن 3 نساء فالكمية لا تكفي حاجتنا، انظروا إلى وضعي لا فراش أجلس عليه، ولا طعام نأكله ولا غاز نطهو طعاماً عليه، أو حتى نشرب به كأساً من الشاي أو القهوة، من يتحمل هذه المعيشة؟؟؟ صبرت كثيراً ولا أحد ساعدني أو رفع غطاء الخيمة، وقال يا فلانة خذي هذا لك ولبناتك وأنا امرأة كبيرة في السن لا تستطيع أن تعيل نفسها فأنا أيضاً مريضة بمرضي الضغط والسكري، فكيف لي أن أعيل نفسي وأرعى بناتي”.
واختتمت الأم مطرة حديثها بالقول: “أمضي الليل جائعةً وأنتظر إلى أن يأتي الخبز فقط لأكله، وأفكر إن مت ماذا سيحل ببنتي المريضتين ومن سيرعاهما، كيف أقضي بقية عمري إلى أن أموت؟ وهذا يزيد من همومي وتفكيري وأوجاعي، وما يزيد من حزني هو عدم وجود أي معيل يساعدني في حمل العبء”.