واشطن وطهران… علاقاتُ التهويلِ والتهديدِ ـ1ـ

171
تحقيق/ رامان آزاد –

تنحصرُ العلاقاتُ الأمريكيّةُ الإيرانيّةُ على المرحلة التي حكم فيها الشاه محمد رضا بهلوي والتي بدأت عام 1941 بتثبيت حكمه خلفاً لوالده رضا بهلوي، الذي لم يحظَ برضا واشنطن بسبب علاقاته مع أدولف هتلر ودعمه لألمانيا النازيّة بالنفط خلال الحرب العالميّة الثانية. وافتتحت السفارة الأمريكيّة في طهران عام 1944.
 استمرت العلاقات السياسيّة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكيّة متينة حتى سقوط نظام الشاه 1979، وحافظ خلالها الشاه على المصالح الأمريكيّة، ومنح واشنطن امتيازات خاصة، وجلب مستشارين عسكريين أمريكيّين؛ لمراقبة الأوضاع بإيران، ووثل التدخل الأمريكيّ درجة تعيين نواب البرلمان وفرضت قانون الحصانة القضائية للأجانب “كابيتو لاسيون” وإعفاء الأجانب من المساءلة القانونيّة فيما لو ارتكبوا جرائم. وأوكلت لإيران وقتها دور محاصرة الاتحاد السوفييتي، وأقامت واشنطن قواعد عسكريّة شمال إيران قرب الحدود السوفييتيّة، واعترفت إيران بقيامِ إسرائيل في 6/3 /1950.
 الإطاحةُ بحكومةِ مصدق
في سياق توطيدِ حكمِ الشاه ساهمت واشنطن ولندن بتدبيرِ انقلابٍ عسكريّ ضدَّ حكومة محمد مصدق 19/8/1953، الذي فاز بأغلبيةِ أصواتِ البرلمان في 28/4/1951 وكان مصدق زعيماً علمانيّاً وطنيّاً، سعى إلى تأميم قطاع النفط الإيرانيّ والإطاحة بحكم الشاه الذي فرّ من البلاد، فأُعيد الشاه، وليتخذ إجراءات انتقاميّة فحكم على مصدق بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الخيانة، وبانتهاء المدة فرض عليه الإقامة الجبريّة بمنزله مدى حياته.
شكّل التدخل الأمريكيّ وإسقاط حكومة مصدق وتثبيت حكم الشاه جزءاً من الذاكرة الإيرانيّة، فقد جعلت الشاه يعيش هاجس الانقلاب فأسرف في القمع وملاحقة المعارضين وأسس عام 1957جهاز الاستخبارات “السافاك” بمساعدة من وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” والموساد الإسرائيليّ فتم تعذيب وقتل آلاف المعارضين، وقتل الآلاف من معارضيه، كما ترسخ في نفوس الإيرانيين الاحتقان والنفور من حكم الشاه، والسخط من الدور الأمريكيّ واعتباره سبب بلائهم.
 العلاقات الأمريكيّة الإيرانيّة بعد الثورة الإسلاميّة
بدأ الحراكُ الشعبيّ المناهض يزداد قوة ويشمل مدناً وبلداتٍ كثيرة، وفشلت قوات الأمن في السيطرة على الشارع 16/1/1979، اضطر الشاه محمد رضا بهلوي، إلى مغادرة إيران، مع خروج المظاهرات المناهضة لحكمه، فيما اتخذت واشنطن الدول الغربيّة موقف المتفرج حتى اتضاح المّغيرات.
عاد الزعيم الدينيّ آية الله الخمينيّ من منفاه في فرنسا، وأُعلن انتصار الثورة الإسلاميّة في 11 شباط 1979، وتمّت تسميته مرشداً أعلى للثورة الإسلاميّة بعد استفتاء 1/4/1979، وبذلك كانت بداية الحكم الإسلاميّ، التي بدأت ثورة شعبيّة وطلابيّة ثم انتهت نظاماً ثيوقراطيّاً يسطر فيه رجال على مفاصل الدولة.
تدهورتِ العلاقاتُ بين إيران وأمريكا، مع موافقة واشنطن على استقبال الشاه المخلوع بهلوي للعلاج، ما أثار غضب طلبة الجامعات الإيرانيّة وجابت المظاهرات شوارع طهران والمدن الرئيسيّة مظاهرات ونددت بأمريكا ورددت شعارات (الموتُ لأمريكا، وسمّت الولايات المتحدة بالاستكبار العالميّ والشيطان الأكبر، وهاجم المتظاهرون السفارة الأمريكيّة في 4/11/1979 واحتجزوا موظفيها وعددهم 52 موظفاً، وطالبوا بإعادة الشاه إلى إيران، فبادر الرئيس الأمريكيّ آنذاك جيمي كارتر لقطع العلاقات الدبلوماسيّة مع طهران 7/4/ 1980، وبعد فشل كل الجهود الدبلوماسية نفذت القوات الأمريكيّة في 25/4/ 1980 عملية عسكريّة عُرفت باسم “مخلب النسر” انطلاقاً من حاملة الطائرات في الخليج لتحرير رهائن السفارة، لكنها باءت بالفشل، نتيجة عاصفة بعد الهبوط في صحراء “طبس” واصطدام حوامة بأخرى نقل وخدمة ما أدى إلى مقتل ثمانية جنود أمريكيين من القوات الخاصة. أدّت أزمة الرهائن إلى خسارة الرئيس كارتر وإبعاده عن البيت الأبيض، واستمرت الأزمة إلى أن أُفرج عن الرهائن بإدخال العاصمة الجزائريّة على خط الأزمة، وانتهت يوم تنصيب الرئيس الأمريكيّ رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة في 20/1/1981.
وخلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة اتخذت الولايات المتحدة الأمريكيّة منحازاً إلى العراق وبذلك بقيت العلاقات الإيرانيّة الأمريكيّة في حالة توتر وقطيعة، وفي 3/7/1988 أسقطت الفرقاطة الأمريكيّة فينسين طائرة تابعة للخطوط الجويّة الإيرانيّة من طراز “إيرباص”، ما أدى إلى مقتل 290 من ركابها الإيرانيّين، ورفض المسؤولون الأمريكيون تحملُ أيّة مسؤوليّة قانونيّة عن الحادث، أو يقدّموا اعتذاراً رسميّاً بالحادث، وصرّح مرشح الرئاسة جورج بوش الأب، بأنه لن يعتذر. وكان هذا الموقف الأمريكيّ هو أحد الأسباب المباشرة وراء قرار الخمينيّ الصعب بإنهاء الحرب مع العراق، فقد اعتبر بمثابة تهديدٍ لإيران بمزيدٍ من التدخلِ إلى جانبِ العراق، كما ساهمت الولايات المتحدة بضرب بعض المنشآت النفطيّة.
ومن المفارقات أنّ ضلوعَ إدارة الرئيس رونالد ريغان بصفقة سلاح مع إيران – عُرفت لاحقاً بفضيحة إيران كونترا – قد تسببت بفضيحة سياسيّة كبيرة له.
إيران الثورة قلبت كلّ الموازين، واتبعت سياسة جديدة من جهتها تجاه المنطقة، فقد أغلقت السفارة الإسرائيليّة في طهران، وافتتحت مكتباً لمنظمة التحرير الفلسطينيّة، وأعلنت عن مناسبة سنويّة باسم القدس، ودعمت حزب الله اللبنانيّ وسعت إلى الحضور في قضايا الشرق الأوسط. بالمقابل كان التغيير في سياسات دول المنطقة حيال إيران، فالدول التي كان لها علاقات طيبة مع إيران زمن الشاه، قاطعتها وناصبتها العداء وفي مقدمها دول الخليج، فيما تردد دول الخليج الأخرى إلا أنها اقتدت بالسعوديّة، فيما شذّت عنها قطر، نتيجة الخلاف والعزلة الخليجيّة المفروضة عليها.
توفي الخمينيّ مهندس الثورة الإيرانيّة عام 1989 وخلفه في منصبه المرشد الحالي آية الله علي الخامنئي، إلا أنّه واصل السير في سياسة إيران وفق الخطوط العريضة التي رسمها الخمينيّ فاستمرت طهران بمناهضة أمريكا. والحقيقة أنّ طهران بعد الثورة الإسلاميّة واجهت جملة من المشاكل في نسج علاقات متوازنة مع الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، وتعرضت بشكل مستمر لعقوبات أحاديّة الجانب من قبل واشنطن تمَّ تشديدها، ففي 4/8/1996 وقّع الرئيس الأمريكيّ الأسبق بيل كلينتون على قانون العقوبات على ليبيا وإيران المعروف بـ “داماتو” أو “ILSA” الذي أقره الكونغرس الأمريكيّ بناءً على مشروعِ قانونٍ قدّمه السيناتور الجمهوريّ المتطرّف الفوتسي داماتو، بحجّة تجفيف مصادر دعم “الإرهاب”، وكان يستهدف بالأساس قطاع الطاقة في البلدين. سُمّي قانون .
 ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
انهيارُ الاتحادِ السوفييتيّ زاد من التوجس الأمريكيّ، إذ نقلت بوصلة التناقض السياسيّ إلى إيران التي أصبحت رمز الأصوليّة الإسلاميّة، فالولايات المتحدة كانت تحتاج ذلك بصرف النظر عن المذهب.
وفي 1993 أعلنت الولايات المتحدة سياسة “الاحتواء المزدوج”، في مسعىً لإضعاف إيران بعد بوادر واضحة لتصدير فكر الثورة الإسلاميّة، ونمو قوتها في المنطقة، وكذلك العراق الذي كان يخطو خطوات ملحوظة باتجاه امتلاك القوة ومع وجود شخصية ذات طموح جامح كصدام حسين على رأس السلطة بالعراق كان من السهل الدفع باتجاه حربٍ ساهم كلّ العرب فيها إلى جانب العراق فيما انفردت سوريا بموقفها إلى جانب إيران. فالسياسة الأمريكيّة بالمنطقة تغيرت تماماً مع سقوط نظام الشاه الذي كان يلقب شرطي المنطقة، وانهارت بسقوطه السياسات الأمريكيّة القديمة، فدعمت العراق بشكل ملحوظ إلا اختيارها كان على السعودية كبديل لإيران.
 حكومة محمد خاتمي
اختلفت صورةُ العلاقاتِ الإيرانيّةِ الأمريكيّة في عام 1997، مع وصول محمد خاتمي للرئاسة الإيرانيّة بأغلبية 70% في انتخابات حرة أحرجت الولايات المتحدة التي ظلّ خطابها الرسميّ يستخدم مفرداتٍ تتهمُ إيران بكل الشرور، وتتناولها بدرجة عالية من الاستهانة والامتهان، فقد كانت الولايات المتحدة تستخدم مثلاً تعبير “السلوك” الإيرانيّ كلمة Behavior والتي يستخدم باللغة الإنجليزية للإشارة إلى ما يبدر عن غير العاقلين والخارجين عن القانون والحيوانات.
وانحسرت تلك اللغة في الخطاب الرسميّ، وبخاصة بعدما بدأت الجالية الإيرانيّة تنظم نفسها بشكل أفضل، وتستقطب رموز النخبة السياسيّة الأمريكيّة، وتعمل على إحداث انفراجة في السياسة الإيرانيّة. ونقل صورة مختلفة إلى المجتمع الأمريكي فبدأت بعض الأصوات الأمريكيّة تعلو مطالبةً بإعادة النظر في مجمل السياسة الأمريكيّة تجاه إيران، وبخاصةٍ بعد دعوة الرئيس خاتمي عبر شبكة CNN للحوار الحضاريّ بين الشعبين، ووقتها أقرّت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت بالدور الأمريكيّ بإسقاط حكومة مصدق، ودون أن يأخذ ذلك صيغة الاعتذار الرسميّ.
ما بعد الحادي عشر من أيلول
كان وصول الرئيس الأمريكيّ بوش للبيت الأبيض تحولاً مهماً في اتجاه سياسة العلاقات الأمريكيّة-الإيرانيّة، فالاستهداف الإرهابيّ لبرجي التجارة العالمي فرض على الولايات المتحدة سياسة جديدة، لإعادة الاعتبار لهيبتها، وخرج الرئيس بوش متوعداً العالم فقال: “من ليس معنا فهو ضدنا، ومع الإرهاب”. كان الرد الإيرانيّ واضحاً على أكثر من مستوى بإدانة الهجمات على الولايات المتحدة، ورفض الإرهاب بكل صوره وأشكاله، وقال مرشد الثورة الخامنئيّ في أصفهان في 30/10/2001: “إنّنا نشجب الإرهاب بكل أشكاله”. وكان فريقا الإصلاحيين والمحافظين متفقاً في الموقف إذ أدركا جديّة التهديدات الأمريكيّة وقد وضعت إيران على قائمة الدول المتهمة برعاية الإرهاب الدوليّ.
وخلال حرب الولايات المتحدة في أفغانستان في إطار ما سُمي الحرب على الإرهاب، ورغم رفض طهران الحرب على أفغانستان وإعلان الخامنئي “رفض الدخول بأي تحالف تقوده أمريكا” إلا أبدت تعاوناً على المستوى الأمنيّ، عبر الوسيط البريطانيّ بعد زيارة وزير خارجيتها جاك سترو لطهران، ووافقت في تشرين الأول 2001 الإسهام بإنقاذ أيّ قوات أمريكيّة تتعرض لمشاكل بالمنطقة، وسمحت للولايات المتحدة باستخدام أحد موانيها لشحن القمح إلى مناطق الحرب في أفغانستان، وشاركت بالدعم العسكريّ لقوات التحالف الشماليّ حتى سيطر على كابول.
كان هذا التعاون محدوداً جداً ولم يرتقِ لمستويات متقدمة، نظراً لتعدد الملفات الخلافيّة بين واشنطن وطهران، سواء لجهة استمرار العقوبات والحظر الاقتصادي الأمريكيّ الشامل أو الاختلاف حول قضايا الأساسيّة بالمنطقة، كالدور الإيرانيّ في لبنان وسوريا والتواجد العسكريّ الأمريكيّ في الخليجيّ والنتيجة تواجد القوات الأمريكيّة في الخليج وبعض دول آسيا الوسطى، ومسألة أمن إسرائيل ودعم إيران لحزب الله وفي المقابل الانحياز الأمريكيّ الكامل لإسرائيل.
وفي 29/1/2002 صنّف الرئيس الأمريكيّ جورج دبليو بوش دول (إيران والعراق وكوريا الشمالية) إرهابيّة تهدّدُ السلام العالميّ وقال “إنّها تسعي لامتلاك أسلحة دمار شامل وتشكل خطراً تزداد حدته” ووصف الدول الثلاث بأنها “محور للشر يسلّح نفسه لتهديد سلام العالم” وفي 1/2/2002 قال بوش: “إنّ تصريحاته المتشددة ضد كوريا الشمالية وإيران لا تعني التخلي عن الحوار السلميّ مع البلدين”. وأضاف: “إنّ كلّ الخيارات على المائدة في شأن كيفية جعل أمريكا وحلفائنا أكثر أمناً”.
وفي 5/2/2002 أعلن وزير الخارجية الأمريكيّ كولن باول “أنّ وصف دول بأنّها تشكل “محور الشر” لا يعني أنّ الولايات المتحدة تنوي اجتياحها”. وأوضح أمام لجنة الشئون الخارجيّة في مجلس الشيوخ” أنّنا على استعداد لبدء حوار ونريد العمل مع أصدقائنا وحلفائنا في العالم للتعاطي مع هذا النوع من الأنظمة”.
الاتفاق النوويّ ورفع العقوبات
تبنّت إدارة باراك أوباما سياسة مختلفة تجاه الملف الإيرانيّ تعتمد على “الخيار الدبلوماسيّ”. وفي خطاب ألقاه بالقاهرة عام 2009 أعرب أوباما عن استعداده للتفاوض مع إيران “دون شروط” مؤكداً حق طهران في امتلاك طاقة نوويّة للأغراض السلميّة. وبالفعل دخلت طهران وواشنطن في مفاوضات ثنائية مباشرة في إطار مجموعة (5+1) في جنيف في أكتوبر 2009.
وبعد فترة طويلة من الشدّ والجذب وجولات مفاوضات ماراثونية شهدت مراحل تعثر وأخرى تقدم وقعت إيران في 14تموز 2015 مع الدول الستة اتفاقية خطة العمل الشاملة المشتركة التي عرفت إعلاميّاً باسم “الاتفاق النووي” الذي وافقت إيران بمقتضاه على أخذ سلسلة من الخطوات، من بينها تقليص عدد أجهزة الطرد المركزيّ وتعطيل جانب رئيسيّ من جوانب مفاعل آراك النوويّ مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها من قبل واشنطن والاتحاد الأوروبيّ والأمم المتحدة.
وفي يناير 2016 أعلن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بدء تنفيذ الاتفاق النووي الموقع مع إيران، ورفع العقوبات الاقتصاديّة والمالية المفروضة على طهران بعدما أعلنت الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة أنّ إيران أتمّت الخطوات المطلوبة في إطار الاتفاق.